للتسجيل في النشرة البريدية الاسبوعية
احصل على أفضل ما تقدمه "المجلة" مباشرة الى بريدك.
حمزة بن لادن... وريث في ذمة الموت
أربيل: سألته: ما شعورك لو أخبرتك بمقتل حمزة بن لادن، رغم أنكم منشغلون بمصير أبو بكر البغدادي وخلاياه النائمة؟ أجابني «أفرح»، مستدركاً: «لكنها لا تعني نهايتهم».
من مدينة جلولاء إحدى النواحي التابعة لقضاء خانقين ضمن محافظة ديالى في العراق، حدثنا أحمد فؤاد فائق، منتسب في الجيش العراقي، فقد أباه واثنين من إخوته وآخرين من أقربائه، ليس في حرب اعتادت الجيوش خوضها، بجبهاتها الملتهبة، إنما في حرب يقول إنها: «ليس فيها لا جبهة أمامية ولا خلفية، تحارب فيه عدواً لا يعرف الجبهات، فكل ما يخصك جبهة بالنسبة له وهدف بالنسبة له، بيتك، وزوجتك، وأطفالك... أهلك، كلهم في الجبهة الأمامية يواجهون خطر النهاية، إنها حرب من نوع آخر، حرب ما عادت تشبه الحرب، لا صافرات إنذار ولا هدنات.. كافي تعبنا».
ويحكي فائق حكاية مقتل أبيه فؤاد فائق وأخويه على وحيدر، لـ«المجلة»، مفيداً: «في 2007 تم استهداف مركبة والدي بعبوة ناسفة من قبل مسلحي القاعدة، التي كانت تنشط في العراق وقتها، وكانت ظهرت في 2004، حيث هاجمت مناطقنا وكان علينا أن ندافع عن أسرنا وعوائلنا، تركز وجودهم في ديالى والأنبار ومناطق أخرى وتمكنوا في فترة من الفترات من تفكيك مؤسسات الدولة والسيطرة على مناطق بأكملها».
ويضيف: «لدى مهاجمة تنظيم القاعدة جلولاء في 2007 من الجهات الأربع وانسحاب قوات الشرطة العراقية ومن ثم انسحاب البيشمركة تحت ضغط هجماتهم، تمت محاصرة دائرة مكافحة الإرهاب واختطف أخي، علي فؤاد فائق، وأحرقوا أمام عينه منزلنا في جلولاء، ثم سمعنا أنه تم قتله لاحقا، وفي 2009 قتل اخي حيدر فؤاد فائق لدى هجوم لعناصر داعش على مقر قوات الأسايش (قوات الأمن الكردية) في منطقة كرميان هو ومجموعة أخرى كانوا ضحية الهجوم الإرهابي المسلح لعناصر داعش».
ولدى سؤالنا أحمد الذي أصيب أكثر من مرة ونجا من الموت وهو أب لثلاثة أطفال، إن كان سيدعم أحد أبنائه بالانتساب إلى الجيش أو أي جهاز أمني، لم يتردد في التعبير عن فخره باستشهاد أبيه وأخويه، مستدركاً «لكن لا أتمنى أن يعيش أطفالي ما عشناه ولا أرى أملا في الأفق، مرض عضال أصاب الجسد العراقي والمنطقة، يستهدف الفقراء والأبرياء، لم يبق لي أحد من عائلتي سوى أخ صغير، الصراحة نحن خلصنا... كافي تعبنا».
ويلفت إلى أن «قدرة تنظيم القاعدة وتنظيم داعش انحسرت في أوروبا، بتنفيذ عمليات إرهابية، وهذا يعني أنها غير قادرة على تنفيذ عمليات إرهابية واسعة في أوروبا، في أعقاب ما تنفذه الشرطة والاستخبارات في دول أوروبا من عمليات تفكيك لخلايا التنظيم بين فترة وأخرى، في خطة جديدة لمواجهة الإرهاب وهي تنفيذ عمليات استباقية وربما وقائية، وكانت فرنسا وألمانيا من أكثر الدول التي اعتمدت هذه الخطة خلال عام 2018 وخلال عام 2019»، معتبرا أن «تنظيم القاعدة بالفعل تراجع أمام تنظيم داعش، وما زال حتى بعد خسارة داعش إلى آخر معاقله في الباغوز، شرق سوريا، ما زال تنظيم داعش يعيش على (إرث ووهج) حققهما، يمكن أن يستمرا سنوات طويلة، وهو لا يصب في صالح تنظيم القاعدة»، مشيرا في نفس الوقت إلى أن «تنظيم القاعدة تحول إلى ظاهرة صوتية، لتعزيز معنويات التنظيم، والذي فقد مركزيته ومصادر التمويل، وتحول إلى آيديولوجيا متطرفة، وتنظيمات (فروع) غير مركزية، وكأننا اليوم أمام إرهاب بلا قيادة».
إلا أن كثيرا من المحللين يرون أن خطر حمزة يكمن في أن الكثير من أتباع «داعش» ومقاتليه، وهم عشرات الآلاف، سوف يبحثون عن لافتات جديدة للانضواء تحت ظلها للقتال، خاصة أن حمزة عكس الظواهري لم يدخل في جدال مباشر مع داعش.
أيمن الظواهري، الرجل الثاني في القاعدة ظل قائمًا على مهمة قيادة التنظيم، بينما ظل حمزة مبتعدًا عن الأنظار حتى أغسطس (آب) من عام 2015. وبعدها بعث حمزة رسالة، ومن ثم بعث برسالتين، الأولى في أغسطس 2016، والثانية في مايو 2017، ومن اللافت للنظر في الرسالتين أن حمزة كان يسعى لخلق مساحة تمايز عن تنظيم داعش، كما أنه لم يورط نفسه في صراعات علنية مفتوحة مع تنظيم داعش».
الوريث المدلل
يعتقد خبير في الجماعات المتطرفة ومكافحة الإرهاب والتطرف هشام الهاشمي أن العلاقــة بــين تنظيم القاعدة وبيئته المتخادمة لم تضمن له استمرار الصعود بقــدر مــا استغلته وقدمته كقربان مقابل مواقف سياسية إقليمية ودولية، لتحييد تهديده للغرب وتجفيف موارد التمويــل وعرقلة تدفق المتطوعين، مــا يعنــي أن تهديــد الإرهاب الوظيفي بقــدر مــا هــو ظاهــرة عقائدية ومتوحشة، وإن فهــم أسباب التخادم الوظيفي كشرط لهزيمتــه».
ويقول لـ«المجلة»: «اختير أيمــن الظواهــري زعيمــاً جديــداً لتنظيــم القاعــدة، منتصــف يونيــو 2011، وذلــك خلفــا لأســامة بن لادن الــذي أعلنــت القــوات الأميركيــة مقتلــه مطلــع مايــو 2011 فــي باكســتان بعــد نحــو عشــر ســنوات مــن ملاحقتــه، وعلــى الرغــم مــن أن الظواهــري الــذي يوصــف بـالجهــادي المخضــرم ليــست لديــه الكاريزمــا التــي كانــت لــدى ســلفه، وأقــل شــعبية بالمقارنــة، والأمــر الــذي تراجــع معــه الاهتمــام بتنظيــم القاعــدة حتــى وصــل الأمــر ببعــض المراقبيــن والباحثيــن إلــى الحديــث عــن نهايــة حقبة القاعــدة وأفــول هيمنتها، فيما رأى باحثــون آخرون أن هنــاك تســرعا فــي الحكــم علــى نهايــة القاعدة».
ويضيف: «بدأ التنظيــم الترويج لنجــل أســامة بن لادن حمزة بن لادن لوراثة قيــادة التنظيــم مــن الظواهــري، ويعتقــد أن شــخصية حمــزة، واسم عائلتــه، يســتقطبان مزيــدا مــن الاهتمــام كزعيــم للتنظيــم فــي العالم الغربــي، ليظهر حمزة بن لادن (30 عامًا) في مايو عام 2017، بمقطع فيديو بثته مؤسسة (السحاب)، عد فيه أن (العمليات التي تستهدف الغرب من أعظم القربات)، وفي 2008. ظهر شريط فيديو لحمزة يهاجم فيه بريطانيا والولايات المتحدة والدنمارك وفرنسا، وكان حمزة قد ظهر عام 2005 في أول مقطع مرئي له، ضمن قوة من مقاتلي طالبان استهدفت جنودًا باكستانيين في وزيرستان الجنوبية، وقبل ذلك، في 2003. خرجت رسالة صوتية منسوبة إليه، يحض فيها أتباع التنظيم على إعلان الجهاد».
ويشير إلى أن «حمزة بن لادن نشر عبر الإنترنت منذ عام 2015. على الأقل، رسائل صوتية دعا فيها المتطرفين في سوريا إلى التوحد، قائلاً إن القتال في سوريا يمهد الطريق لتحرير فلسطين، وأنه يقود تنظيم أنصار الفرقان التي تستقطب في سوريا مقاتلين من تنظيمي القاعدة وداعش»، لافتا إلى أن «ظهور حمزة بن لادن في شمال سوريا أثبت أنه ليس فقط وريثا قويا لقيادة تنظيم إرهابي معولم بل ويمتلك خطابا وكاريزما مؤثرة وبقوة أيضا»..
ويرى أن «موت حمزة بن لادن بالنسبة للقاعدة ثلمة كبيرة لاستراتيجيتهم للعقد القادم ورهانهم الأبرز على التجديد الذي يمكن أن يحدثه حمزة بن لادن، لكن هذه ليست بالضرورة أنباء سيئة فالقاعدة ليست مجرد تنظيم، بل هي فكرة وآيديولوجيا جذابة للكثيرين من الجهاديين الإسلاميين، وفي مرحلة معينة أصبحت تهديدا دوليا كبيرا أيضا»، مضيفا أنه «كما كان واضحا بأن فكر تنظيم القاعدة لا يمكـن تـصفيته بالعمليات العسكرية العنيفة ولا بملاحقات الاستخبارات الذكية والقذرة، وأن تنظيم القاعدة المعولم سيواصـل كونه حافزا مستندا لفتاوى دينية محرفة للانتقام من (طغيان الغرب) في أرجاء العالم»..
ويختم معنا مؤكداً على أنه «لا توجد أي مؤشرات على تفاهمات بين فروع القاعدة وفروع داعش في أي جغرافيا، ولكن هناك تهدئة وعدم مباشرة الهجمات بعضهم على بعض، وكلا الطرفين حذر من الاقتراب نحو الآخر».
وأسقطت السعودية، يوم 2 مارس 2019. الجنسية عن حمزة أسامة بن لادن، من السجلات الرسمية، حسب ما نشرته الصحيفة الرسمية «أم القرى»، نقلاً عن وكالة وزارة الداخلية للأحوال المدنية. وكانت الولايات المتحدة أدرجت منذ عامين حمزة نجل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، على لائحة الإرهاب.
وأعلنت في حينها وزارة الخارجية الأميركية أن حمزة بن لادن، مدرج على قائمة الإرهابيين الدوليين، بعد التأكد من أنه يتبع خطى والده للانضمام لتنظيم القاعدة.
إيران... محاولات بعث القاعدة مجدداً
الحديث يتزايد حاليا حول محاولات بعث تنظيم القاعدة من جديد، وما يثير الاستغراب الإشارة إلى الدور الإيراني في بعث التنظيم مجددا وهو ما كان كشفه تقرير من خبراء الأمم المتحدة أواخر عام 2018 بأن «زعماء تنظيم القاعدة في إيران أصبحوا أكثر نفوذا»، ويعملون مع زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري للتأثير على الأحداث في سوريا، ما يعني أن وجود زعماء تنظيم القاعدة في إيران لا يقتصر على توفير الملاذ الآمن، بل يتخطى ذلك، حيث تسعى طهران للاعتماد عليهم والتواصل مع تنظيم القاعدة خارج إيران.
الباحثة في الشؤون الإيرانية سمية محمد تحدثت لـ«المجلة» عن أبعاد العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة في الشرق الأوسط، وتقول في هذا الصدد «تصاعدت المخاوف العالمية، خاصة الأميركية، من تنامي خطر الإرهاب في ظل تصاعد دور تنظيم القاعدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم مقتل زعيم التنظيم، أسامة بن لادن، ناهيك بالاتهامات الأميركية والغربية لعدد من الدول بدعم الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وعلى رأسها إيران».
وترى محمد أنه «منذ ما يقرب من 30 عامًا، تعاونت إيران والقاعدة في حربهما ضد (ما يسميانه) الشيطان الأكبر، أميركا... قادة تنظيم القاعدة ومساعدوهم الرئيسيون تمركزوا بأمان في لويزان، وهي إحدى ضواحي طهران، وتقاضوا الرواتب وتدربوا وخططوا ونفذوا هجمات على الولايات المتحدة، ومنهم ولي العهد حمزة بن لادن، والعقل المدبر العسكري سيف العدل، والمدير النووي للقاعدة عبد العزيز المصري... كما أن طهران تسمح للقاعدة بنقل الأفراد والأموال والاتصالات من جنوب آسيا وإليها، وخط الإمداد الأساسي هذا يربط القيادة العليا لتنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان بأذرع المنظمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط».
وتشير إلى أنه «من وجهة نظر إيران، فإنها توفر التأمين ضد أي هجوم محتمل للقاعدة داخل إيران، لأن أي محاولة للهجوم ستقود الإيرانيين إلى إغلاق الشبكة»، معتبرة أن «استهداف الحوثي مؤخرا لكمائن تابعة للشرعية اليمنية وضحت فيه بصمة القاعدة وبرزت في الطريقة التي تم بها الاستهداف، حيث إن أسلوب القاعدة في الاستهداف يعتمد على العمليات الانتحارية والتفخيخ، وبرز أيضا في طريقة استهداف ناقلات النفط بالقرب من ميناء الفجيرة وكذلك استهداف ناقلات النفط التي كانت ترفع علم بنما داخل مضيق هرمز».
وتضيف سمية محمد: «في ظل تزايد المخاوف العالمية والإقليمية من تطور القدرات النووية الإيرانية، وما يفرضه ذلك من توترات في العلاقات الخارجية الإيرانية، يتجلى بعد آخر لا يقل أهمية عن البعد النووي في السياسة الخارجية الإيرانية، هو علاقة إيران بتنظيم القاعدة، وهي العلاقة التي قد تبدو مستبعدة نتيجة للاختلافات الآيديولوجية والمذهبية ما بين الطرفين، غير أن اعتبارات المصالح المشتركة تجعل من التعاون فيما بينهما أمرا واردا وممكنا، وفي هذا الإطار، صدرت عن مؤسسة(IHS) لاستشارات الدفاع والمخاطر والأمن مقالة بعنوان (علاقة إيران السرية بتنظيم القاعدة تحالف مستبعد) لدانيال بايمان، الأستاذ في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، ومدير الأبحاث في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط بمؤسسة بروكينغز، وتدور المقالة حول علاقة إيران بتنظيم القاعدة من حيث طبيعتها وتطورها ومظاهر التعاون والصدام فيها، وهي العلاقة التي تتكتم عليها إيران وتضفي عليها نوعا من السرية، على عكس علاقتها بجماعات إرهابية أخرى تقدم لها دعما مادياً وعسكرياً ولوجيستياً، من بينها حزب الله».
وحول دلائل وجود علاقة بين إيران والقاعدة تشير إلى «تقرير لجنة 11 سبتمبر الذي نشر في 2004. وهو التقرير الرسمي الذي تم إعداده عقب أحداث 11 سبتمبر بطلب من الرئيس الأميركي والكونغرس، والذي أكد على أن إيران كانت تعمل مع تنظيم القاعدة في بداية التسعينات في الوقت الذي توجد فيه قيادات التنظيم في السودان، وذلك بالإضافة إلى كتابات سيف العدل، أحد قياديي القاعدة، والتي أشار فيها إلى دور إيران في دعم القاعدة، خاصة في السنوات السابقة لعام 2001»، مشيرة في نفس الوقت إلى التقرير الصادر عن مركز مكافحة الإرهاب في مايو 2012 بناء على الوثائق التي عثر عليها بعد الغارة الأميركية على مجمع بن لادن في باكستان، أن علاقة إيران بالتنظيم ليست علاقة تحالف، وإنما مفاوضات غير مباشرة بهدف الإفراج عن العناصر المعتقلة من تنظيم القاعدة في إيران، ومن بينهم أفراد من أسرة بن لادن».
وعن مصلحة إيران في دعم تنظيم القاعدة تقول: «إن إيران دائما ما كانت قادرة على تجاوز الخلافات الآيديولوجية لتحقيق مصالحها بالتعاون مع تنظيمات سنية، أبرزها حماس وتنظيم القاعدة، هذا الدعم الإيراني لتنظيم القاعدة بدا واضحا في مساعدة إيران في تدريب بعض نشطاء التنظيم، وتسهيل مرور عناصر القاعدة إلى أفغانستان من خلال إيران قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر، والسماح لقادة التنظيم بالبقاء تحت إقامة جبرية شكلية في إيران، وهو ما رأته القاعدة ملاذا آمنا لها، ويمكن تلخيص المصالح الإيرانية وراء هذا الدعم للقاعدة في ثلاث نقاط رئيسية، هي:
أولا: وجود عناصر تنظيم القاعدة في إيران تمنحها قوة تفاوضية، خاصة في علاقتها مع الولايات المتحدة، إذ يصبح بإمكانها أن تسهل من انتقال هذه العناصر إلى العراق أو أفغانستان أو أن تزيد من الخناق عليهم، إذا ما أرادت ذلك تبعا لمسار المفاوضات مع الولايات المتحدة.
ثانيا: تستطيع إيران استغلال علاقتها بالقاعدة في القيام بعمليات ضد بعض الدول، في حال توتر العلاقات فيما بينها، وعلى رأسها السعودية، وذلك من خلال التعاون مع الجماعات المناهضة للنظام السياسي.
ثالثا: توفير الدعم اللوجيستي للقاعدة وتوفير ملاذ آمن لعناصرها، قد مكن إيران من حماية نفسها من أي هجمات محتملة يقوم بها التنظيم داخل الأراضي الإيرانية. وذكر الكاتب دليلا على ذلك، مشيرا إلى الخطاب الذي أرسله الظواهري إلى أبو مصعب الزرقاوي، والذي كان وقتها قائد القاعدة في العراق، يطالبه فيه بعدم التعرض للشيعة والإيرانيين، نظرا لوجود أكثر من (100) من أعضاء القاعدة تحت قبضة النظام الإيراني.
وتشير إلى أنه «بعد أن اضطرت عناصر التنظيم إلى ترك السودان والتوجه إلى أفغانستان في 1996. فلقد سمحت إيران لعناصر القاعدة بأن يقيموا معسكرات التدريب في أفغانستان على حدودها لتسهيل وصول المجندين إليها من خلال إيران، كما سمحت لهم أيضا بالانتقال من أفغانستان إلى دول أخرى، وعلى رأسها العراق من خلال الأراضي الإيرانية».
وتؤكد على أن «هذا الدعم الإيراني للقاعدة في أفغانستان، وتسهيل حركة عناصر التنظيم من خلال أراضيها مستمر حتى الآن، وبالرجوع إلى الأسماء التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية لعناصر من تنظيم القاعدة في فترات مختلفة، نجد أنهم على صلة مباشرة بإيران، وأن منهم من كان وسيطا بين القاعدة والحكومة الإيرانية، ومن بين الأسماء التي تم إعلانها: (عادل محمد عبد الخالق في 2008، ومصطفى حامد في 2009. وياسين السوري في 2011)»، مشيرة إلى أنه «في فترة التسعينات، سمحت إيران لأعضاء القاعدة بإجراء اجتماعاتهم داخل أراضيها، وهو الأمر الذي تغير لاحقا بعد الغزو الأميركي لأفغانستان، والدور الإيراني الداعم للولايات المتحدة في تلك الفترة، وبعد غزو أفغانستان، وانقسام القاعدة إلى مجموعتين، لجأت إحداهما إلى إيران، وضمت أبو حفص الموريتاني وسليمان أبو غيث وغيرهما، قامت إيران بوضعهم تحت الإقامة الجبرية، ولم تسمح لهم بالعمل داخل إيران».
وتضيف: «لكن بعد توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران من جديد، وخطاب جورج بوش في 2002. والذي وصف فيه إيران بأنها مركز (محور الشر)، بدأت إيران ترفع قبضتها عن القاعدة، وسمحت لها باستخدام أراضيها لمواجهة القوات الأميركية في فترة الغزو الأميركي للعراق. وتمكنت عناصر القاعدة في إيران من استخدام هذا الدعم الإيراني في التواصل والتنسيق مع خلايا تابعة لها في دول أخرى كتلك التي قامت بهجمات على مجمع سكني في الرياض في مايو 2003».
وبتاريخ مايو 2019 وفي تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، أشارت خلاله إلى أن سعيد قاسمي، المتحدث الرسمي والضابط السابق المتقاعد بالحرس الثوري الإيراني، قال في تصريحات إعلامية إن الحرس الثوري نشر جنودًا سريين في البوسنة والهرسك أثناء حرب التسعينات تحت ستار أنهم أعضاء في الهلال الأحمر الإيراني».
ولكن السؤال حول الساحة البديلة التي ستكون أرض المعسكر الجديد للقاعدة والخيارات المتاحة والمنافسين المحتملين له.
حركة طالبان ودور الضامن
ينتقد مراقبون قرار أميركا باجتياح العراق قبل الانتهاء من حرب أفغانستان معقل طالبان والقاعدة في الوقت ذاته، واليوم لم تجد إدارة دونالد ترامب أمامها سوى التفاوض مع طالبان من أجل الحد من خسائرها في أفغانستان، ولتتفرغ لقتال داعش والقاعدة، وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قال إن الولايات المتحدة تقترب من التوصل إلى مسودة اتفاق مع طالبان بشأن ضمانات مكافحة الإرهاب كما عبر عن أمله في التوصل إلى اتفاق سلام بحلول الأول من سبتمبر المقبل.
وبحسب منير أديب الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي، فإن «الولايات المتحدة الأميركية ستبرم صفقة قريبا مع حركة طالبان الأفغانية، والصفقة الأميركية تتحدد ملامحها في سحب واشنطن قواتها مقابل دخول طالبان في تفاوض مباشر مع الحكومة الأفغانية وعدم السماح بنشاط للقاعدة وداعش في أماكن تمركزها.
وإذا صحت الأنباء في سياقات الصفقة فإنه برأي أديب يؤكد فشل» الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الإرهاب في أفغانستان منذ قرار غزوها، فضلا عن عدم رغبتها في مواجهة تنظيمات العنف والتطرف إذا ارتبط بمصلحة سياسية وأن أميركا تفصل بين مواجهة الإرهاب ومصالحها الخاصة وتقدم الأخيرة إذا تعارضت مع ضرورات المواجهة، وتقارن بين السيئ والأسوأ في جماعات العنف والتطرف واختارت التعامل مع طالبان مقابل القضاء على القاعدة وداعش».
ويعتبر أن «خروج دونالد ترامب من أفغانستان بقواته التي وصلت إلى 14 ألف جندي سوف يكون خروجا فوضويا يعبر عن تصورات العم سام المتصالحة مع الإرهاب، وأن مواجهة الإرهاب جهد عربي يصطدم بمصالح الولايات المتحدة الأميركية فتلجأ الأخيرة إلى اللعب على مصالحها حتى ولو صب ذلك في مصلحة الإرهاب والتطرف»، مؤكدا على أن «مواجهة الإرهاب مهمة عربية خالصة، ومن يراهن على الجهود الدولية أو الأميركية فهو واهم ولن يقبض بيدية سوى الهواء».
الساحة البديلة عن أفغانستان
إذن، هل من موقع أو مكان بعينه حول العالم مرشح لأن يضحى أرض المعسكر الجديد؟ المكان المقصود بالتأكيد قد لا يكون أفغانستان، وقد يكون السبب وجود مساحات واسعة وشاسعة مسيطر عليها من قبَل طالبان في دولة متسعة، وتسيطر طالبان أو تقاتل للسيطرة على نصف أفغانستان، وهي مساحة أكبر من أي وقت مضى منذ أطاحت قوات بقيادة أميركية بالحركة في أواخر عام 2001.
لكن أيضا طالبان لن تجد لها موطء قدم في قيادة الجهاد العالمي، بل إن الطالبان اليوم ليسوا أولئك الذين استولوا على كابول في 1996، وهناك قناعة أن طالبان وحدها قادرة على هزم تنظيم داعش، ففي 2015 عند ظهور الوحدات الأولى من جهاديي تنظيم داعش وإعلان قيام الدولة الإسلامية في خراسان، كان هناك اعتقاد بأنهم سيسحقون طالبان، لكن شيئا فشيئا اتضح أن الأمر ليس كذلك، ففي شمال أفغانستان أجبروا على الاكتفاء ببعض الجيوب كما هو الحال في ولاية جوزان ـ حيث هزموا في يوليو (تموز) الماضي».
وفي الجانب الآخر كان لافتًا في الفترة الماضية أن تنظيم القاعدة تمكن من تكوين أفرع موالية له داخل القارة السمراء، على غرار حركة «تحرير ماسينا» أو «جماعة أنصار الدين»، وهو ما أسفر في النهاية عن ظهور جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التي تم تأسيسها في مارس (آذار) 2017. وتمثل أكبر تحالف قاعدي في العالم، وقد أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ العمليتين اللتين استهدفتا القوات الأممية في مالي «مينوسما»، في 17 و21 أبريل 2019. وأسفرتا عن مقتل جندي وإصابة 4 آخرين، فضلاً عن تدمير أو إعطاب 5 شاحنات.
الدكتورة هبة البشبيشي، المتخصصة في الشؤون الأفريقية، تقول لـ«المجلة» عن علاقة القاعدة بالتنظيمات المسلحة في أفريقيا: «بداية كانت هناك علاقات متعددة ومتشعبة وفي كثير من البلدان الأفريقية، وذلك بهدف إحداث نوع من الإحلال والتبديل وليس هذا وفقط بل كان الهدف الأهم هو خلق سياقات جديدة للأفكار المتطرفة وجعلها تأخذ حيزا أكثر اتساعا ليس فقط في المنطقة العربية، بل والانتقال إلى أفريقيا حيث متسع من البشر والموارد الطبيعية والقدرة على التنفيس الفكري في عدد كبير من البلدان والاستفادة من قاعدة السكان الشبابية الكبيرة في أفريقيا... وبالتالي أدى ذلك إلى خلق ما يعرف بالحزام الإرهابي في شمال وغرب أفريقيا ولعل هذا هو أكبر إنجاز أو منتج واقعي أو حقيقي على أرض الواقع».
وحول امتدادات القاعدة في أفريقيا تكشف البشبيشي «توجه القاعدة إلى أن يكون لها تواجد في أفريقيا قطعا وطبعا فالقاعدة لها امتدادات في أفريقيا ولعل على رأسها:
1- تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وهو من أشهر التنظيمات التابعة للقاعدة وهي منشقة عن الجماعة الإسلامية في الجزائر.
ثم توالت التنظيمات التابعة للقاعدة أو المنشقة عنها أو حتى التي أعلنت ولاءها للقاعدة ومنها:
1- حركة الجهاد والتوحيد في شمال مالي
2- حركة أنصار الدين أيضا في مالي
3- بوكو حرام وهي الأشهر والتي بايعت تنظيم داعش في بداية 2014
4- تنظيم شباب المجاهدين في الصومال
5- تنظيم الهوسا الإسلامي المتشدد في نيجيريا
وتشير البشبيشي إلى أن «كل هذه التنظيمات على علاقة فكرية وتنظيمية وتكتيكية بالقاعدة، وعلاقة كل من الظواهري وحمزة بن لادن بهذه التنظيمات هي علاقة فكرية وتنظيمية عنقودية ومتشابكة للغاية، وذلك لانتمائهم الفكري والعقدي لمحور فكري وآيديولوجي واحد وهو الحركة السنية الإسلامية المتطرفة وتهدف بصورة أو بأخرى لإقامة دولة الخلافة».
وحول الصراع بين داعش والقاعدة على القارة السمراء عبرت البشبيشي عن قناعتها بأنه ليس هناك صراع حقيقي بين داعش والقاعدة ولكن ما يوجد هو اختلاف في تكنيك التنفيذ لكن التكيف الفكري الآيديولوجي هو واحد بل وثابت في التنظيمين».
وعن سؤالنا حول تأثير مقتل حمزة بن لادن إن صحت وأنباء مرض الظواهري، على التنظيمات المتفرعة عن القاعدة في أفريقيا ترى «أن التنظيمات العقائدية لا تتأثر بأفكار الزعماء والقادة وذلك ظهر جليا عقب الإعلان عن مقتل بن لادن وأيضا أثناء فترة اختفاء البغدادي»، موضحة: «لأن هذه التنظيمات تقوم على أساس من العقيدة، والفكر المنظم لا ينهار بمجرد اختفاء القائد ولكن يستمر تحت أي ضغوط يقابلها والدليل على ذلك تشعب تلك الجماعات في أفريقيا دون حتى معرفة أسماء قياداتها، بدليل عدم معرفة قائد بوكو حرام أو قائد تنظيم الهوسا».
وحول دور الدول الإقليمية في تمكين التطرف في أفريقيا كدعم إيران للقاعدة من طرف ودعم تركيا لداعش من طرف آخر تجيب قائلة: «نعم، لأن العلاقة بين تركيا والجماعات المتطرفة باتت مفهومة ولها تفسير وهو الارتباط بصورة كبيرة بين مفهوم الخلافة العثمانية وبين مفهوم الخلافة الإسلامية الذي تطرحه تلك الجماعات المسلحة وبالتالي الارتباط بين تركيا وهذه التنظيمات يعد منطقيا، أما دخول إيران على خط الدعم لهذه التنظيمات فهو المثير للجدل والاستغراب الشديد وذلك لأن الأساس الآيديولوجي والفكري والعقائدي مختلف كليا وجزئيا عن بعضهم البعض، فلا تلاقي أبداً بين الشيعة والسنة على مر السنين وذلك الخلاف جذري ودائم وسيستمر ولا حديث عن فكرة التلاقي أو إمكانية حدوث تلاقٍ في المستقبل قريبا أو بعيدا ولذلك فدعم إيران لتلك الجماعات له مستهدف آخر، وهو نشر المذهب الشيعي في غرب أفريقيا بناء على دعم الجماعات المسلحة السنية التي تؤدي بدورها إلى كراهية المسلمين السنة لهذا المذهب والخروج إلى المذهب الشيعي، ولذلك نرى انتشار المذهب الشيعي في غرب أفريقيا وأشهر الجماعات التي تلقت دعما هي جماعة أو تنظيم الهوسا».
ولا ترى البشبيشي أنه من الممكن أن تتحول أفريقيا إلى ساحة بديلة لأفغانستان وتقول بهذا الصدد: «لا يمكن أن تكون أفريقيا هي المكان البديل لمفهوم الخلافة وذلك لأسباب مختلفة، فلن تقبل تركيا إذا ما تحقق موضوع الخلافة بأن يكون مكانها أفريقيا أو أي مكان آخر غير تركيا كذلك العراق صاحبة تاريخ الخلافة العباسية وبالتالي مكان الخلافة محسوم، أما أفريقيا فهي كما ذكرت في البداية عبارة عن مخزون بشري وموارد طبيعية تتيح القوة والإمداد للخلافة، وسيكون دورها التاريخي كمستعمرات غنية تمد دولة الخلافة بما تحتاج وأعتقد أن الأفارقة لن يقبلوا بهذا مجددا».
تحليلات حصرية وآراء تثير التفكير ومنظورات داخلية من مجلة المجلة.