الربط بين أفريقيا والخليج العربي عبر المحيط الهندي جزء من منظومة تجارية حضارية تاريخية طويلة، صنعت عولمة المحيط الهندي، منذ أن لعبت الرياح الموسمية دور المحرك الأساسي لهذه الشبكة الممتدة منذ آلاف السنين، فالرياح الموسمية هي بمثابة تكنولوجيا طبيعية بين الخليج العربي وشرق أفريقيا بالتحديد، في دفعها للسفن الشراعية شتاء إلى زنجبار وممباسا ومقديشو ولامو، لتعود تلك السفن صيفا محملة بالبضائع إلى الخليج مع تغير اتجاه الرياح.
وفي هذا الإطار تكونت الأدلة الأثرية والمادية، فكما صدر الخليجيون التمور واللؤلؤ إلى أفريقيا، فإنهم بالمقابل استوردوا الأخشاب الضخمة الصالحة لبناء السقوف، والتي افتقرت إليها سواحل الخليج، وبالأخص أخشاب الجندل، من غابات المانغروف المعروفة بأشجارها الطويلة، ولقرون ظلت مادة أساسية لعمارة مدن الخليج.
وهناك الفخار الأفريقي المحلي، وهذا كان من أهم الدراسات التي قام بها الآثاري الإريتري أويت أرايا، وكان موضوع كتابه الصادر عن دار "بار" البريطانية، وتناول فيه الحضور الأفريقي في البحرين، من القرن السابع إلى العشرين. وكان البحث قد انطلق من شظايا فخار أفريقي، مؤرخة بالقرنين السابع والثامن، اكتشفت في المحرق عام 2018، قادت الباحث إلى مشروع دكتوراه ببحثه في فجوة محددة، فالدراسات الأثرية حول الحضور الأفريقي في الخليج، وحتى حول شبكات التجارة والهجرة عبر المعبر التجاري الخليجي، قلما تناولته الكتابات التاريخية. فمنحته الخبرة في الآثار والتنقيب أدوات للنظر إلى الضفتين ضمن مجال بحثي مترابط، ليصبح الوجود الأفريقي في الخليج أو البحرين، عنوان رسالته لنيل الدكتوراه في المملكة المتحدة.
ركز أرايا في بحثه على تحليل تقاليد صناعة الفخار، في منطقة القرن الأفريقي والساحل السواحلي، وكل الفخاريات المرتبطة بجذور شرق أفريقيا. وقد سعى من خلال أطروحته إلى سد فجوة المصادر المكتوبة، وإثبات كيف يمكن للثقافة المادية من اللقى الأثرية المستخرجة من التنقيبات والمجموعات المتحفية في البحرين، أن تعيد إحياء وتوثيق الحضور الأفريقي في الفترات التاريخية التي صمتت أو غابت فيها المصادر والوثائق المكتوبة، واستعاد الربط الإثنوغرافي والأنثروبولوجي، أي بين الانسان وثقافته، ودراسة الأماكن والمواقع في البحرين لربطها بالهجرات وحركات العمالة والتجارة عبر المحيط الهندي منذ العصر الإسلامي المبكر حتى العصر الحديث.
وما يثير الانتباه هنا هو أهمية الانتقال من الوثيقة المكتوبة إلى الأثر المادي، فالميناء بسجله قد يخبرنا بما وصل، لكن البحث في الاستعمال المنزلي يفتح سؤالا عمن استخدم الأشياء وكيف أدخلها في حياته. وبين الوصول والاستعمال تقع مساحة اجتماعية واسعة، من العادات المكتسبة والمعارف المتوارثة والفنون، والتكيف مع بيئة جديدة. وكما نعلم تحتاج هذه المساحة إلى تفسير يجمع الأدلة، لأن انتقال الأشياء لا يطابق بالضرورة انتقال أصحاب تقاليدها.
بين الوصول والاستعمال تقع مساحة اجتماعية واسعة، من العادات المكتسبة والمعارف المتوارثة والفنون، والتكيف مع بيئة جديدة
وفي ندوة في جمعية الآثار في لندن، حضرتها نخبة من علماء الآثار والباحثين من البحرين والخليج والمملكة المتحدة، ونخبة من الباحثين، عرض أرايا أطروحته المدعومة بالرسوم التوضيحية والخرائط الملونة والخرائط المصورة، ليفتح مجالا دراسيا كان مهملا لفترات طويلة في عالم الآثار بمنطقة الخليج. ويناقش كتاب أرايا مسألة الاندماج، وكيف سهلت اللغة العربية والهوية الإسلامية المشتركة انخراط الأفارقة في مجتمعات الخليج، مع تراجع ظهور أصولهم بوصفها علامة اجتماعية منفصلة، ليثبت أن الخليج شارك في تبادل متعدد الاتجاهات أسهمت فيه جماعات أفريقية وعربية في تشكيل ممارسات مشتركة.
وبعد كل هذا، يمكن قراءة هذه الفكرة اليوم، باعتبارها دعوة إلى التمييز بين تاريخ الأصل والهوية المعاشة، فالبحث في الصلات الأفريقية لا يستلزم إعادة تصنيف الناس وفق أنسابهم، أو حتى افتراض أن الانتماء المعاصر يخفي حقيقة أقدم منه. كما يستطيع التاريخ الاعتراف بتعدد المسارات التي تشكل منها المجتمع الخليجي، مع احترام الطريقة التي يعرف بها أفراده أنفسهم. ويصبح السؤال عندئذ متعلقا بتكوين المشترك، وبالمساهمات التي قد يستوعبها المجتمع دون أن يحتفظ بسجل واضح لأصحابها.