فيما يسعى الحوثيون إلى السيطرة على مدينة تعز والالتفاف على القوات الحكومية في محور باب المندب، تتقدم القوات المسلحة اليمنية عبر مواقع شديدة التحصين ومليئة بالألغام تسيطر عليها الجماعة في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن. وقد حققت القوات الحكومية خلال الأسبوع الماضي تقدما سريعا في المحافظة. فبعد استعادة جبل الحواشيان أواخر أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت قوات الطوارئ عن مكاسب إضافية في محيط الدحيضة ومليفيفة يومي 3 و4 نوفمبر/تشرين الثاني، ضمن عملية أوسع للسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية، بدعم جوي كثيف من التحالف العربي وإسناد من المقاومة الشعبية القبلية المتحالفة مع القوات الحكومية.
ومع انتقال المعارك إلى الأراضي المكشوفة، يكمن المعيار الرئيس لقياس الفاعلية العسكرية للحملة الحالية في تثبيت السيطرة على المرتفعات الحاكمة ومواصلة التقدم نحو بئر المرازيق وصولا إلى الحزم. فإذا حافظ الهجوم على وتيرته، ونجحت القوات الحكومية في توحيد القيادة واختراق تحصينات الحوثيين واستعادة الحزم، أمكن أن تعيد المعركة تشكيل ميزان القوى العسكرية وتقطع خطوط إمداد الحوثيين على امتداد الجبهة الشمالية الشرقية.
الأهمية الاستراتيجية للجوف والحملة العسكرية
تحتل محافظة الجوف موقعا استراتيجيا يربط معاقل الحكومة في مأرب وحضرموت بأجزاء من الحدود السعودية، وبصنعاء وعمران ومناطق من مأرب الخاضعة لسيطرة الحوثيين. واستعادة المحافظة ستعزز العمق الاستراتيجي للقوات المسلحة اليمنية وقدرتها على الدفاع عن مواقعها في مأرب، وتحد من التهديدات الأمنية على الحدود السعودية، وتوسع نطاق العمليات الهجومية في اتجاهات متعددة تشمل جبهات المتون والمطمة وحيوان وفرضة نهم وصرواح. كما ستتيح تهديد خطوط دفاع الحوثيين وإجبارهم على تحويل جزء من قواتهم ومواردهم للدفاع عن صعدة.
سياسيا، ستعزز استعادة الحزم موقف الحكومة، وإن لم تعوض انتكاساتها على الجبهة الساحلية. وستبعث برسالة واضحة مفادها أن استعادة الأراضي من قبضة الحوثيين ممكنة، إذا توافرت الوسائل المناسبة وحسن اختيار الأساليب وتحديد الأهداف.
ولا تقل أهمية الرصيد الاجتماعي للجوف عن موقعها الاستراتيجي. فشبكاتها القبلية تتيح إمكانات واسعة للتعبئة، وتوفر روابط ممتدة بين المناطق، وتشكل رافعة للمقاومة المناهضة للحوثيين. وقد سعت الجماعة إلى احتواء هذه الشبكات بمزيج من القسر والترهيب والإغراء والاستمالة وتوزيع المنافع. وأظهرت التحركات القبلية التي شهدتها المحافظة في وقت سابق من العام، ولا سيما اعتصام الريان، حجم الاستياء الشعبي المتراكم نتيجة قمع الحوثيين واحتكارهم السلطة والثروة، وإمعانهم في إهانة الوجهاء والتدخل في الأعراف القبلية وصلاحيات المرجعيات التقليدية.

ومن شأن تحقيق تقدم عسكري ملموس، في ظل السخط المحلي المتنامي، أن يوسع التحالف المناهض للحوثيين الذي تقوده الحكومة، ويشجع على إعادة تشكيل الاصطفافات خارج الجوف، ويساعد على ترميم الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة.
غير أن استثمار أي نجاح عسكري يقتضي المسارعة إلى تثبيت الاستقرار، وبناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الحكم الرشيد، وتوحيد سلسلة القيادة، ودعم التنمية المحلية. وفي هذا السياق، تكتسب تعبئة الرصيد الاجتماعي للجوف وتحويله إلى حركة شعبية واسعة ومستدامة تتحدى حكم الحوثيين أهمية حاسمة في التقدم نحو صنعاء.
ومع ذلك، تبقى التوازنات القبلية عاملا حاسما في فهم موازين القوى المحلية وتقدير فرص نجاح الهجوم. فقد واجه التوسع الحوثي في مراحل سابقة مقاومة من مجتمعات قبلية، بينها فرعا ذو حسين وذو محمد من قبيلة دهم المنضوية في اتحاد قبائل بكيل. لكن معارضة حكم الحوثيين لا تعني بالضرورة تأييد الحكومة اليمنية تأييدا مطلقا.
فزعماء القبائل، ومنهم العكيمي، يحتفظون بمصالح وحسابات خاصة، وقد يعارضون تسلط الحوثيين وسلطة الحكومة على السواء إذا استُبعدوا من ترتيبات الحكم ولم يحصلوا على نصيب من السلطة والثروة.
وفي الجوف، كما في مناطق يمنية أخرى، تشكلت التحالفات والاصطفافات تاريخيا وفق موازين قبلية ومصالح متغيرة، وخصومات محلية، ومظالم أو طموحات شخصية، فضلا عن طبيعة العلاقات مع السلطات الحاكمة. وفي زمن الحرب، لا تقل أهمية التكتيك عن أهمية الاستراتيجية.



