الحقيقة تحررنا

الحقيقة تحررنا

لطالما كانت صورة الجامع يعانق الكنيسة مستفزة بالنسبة لي، بقدر عبارة "لم نكن نعلم لأي طائفة ينتمي جارنا"، كنت أرى في هذين الأمرين محاولة للتجميل كما التسخيف، فالمواطنة تبنى على المساواة بالحقوق والواجبات بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والعرقية، أما العواطف وخصوصا في بلاد كبلادنا فليست سوى محاولة تغطية وتعمية الواقع الطائفي بعبارات المعانقة على قرع أجراس الكنائس مصحوبة بصوت الآذان يصدح من الجوامع.

في سوريا المشكلة الطائفية متجذرة في المجتمع، يحاول كثيرون التعالي عليها بينما البعض الآخر يحاول ترسيخها، والحديث عن "أحداث الساحل" لا يصح دون الحديث عن مجازر ارتكبها النظام الساقط بحق السوريين على مدى 14 عاما، كما أن الحديث عن المصالحة لا يصح دون المصارحة، ولا سلم أهليا دون عدالة انتقالية.

في الأسبوع الأول من مارس/آذار وقعت مجازر على أساس طائفي في الساحل السوري بحق المدنيين، وقد بدأت القصة بمحاولة لفلول النظام بالقيام بتمرد مسلح ضد السلطة الجديدة، يومها وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (مصدر موثوق ومعتمد من كثير من المؤسسات الدولية) مقتل ما لا يقل عن 803 أشخاص، وذلك في الفترة الممتدة من 6 إلى 10 مارس/آذار 2025. وسجَّلت الشَّبكة مقتل 172 عنصرا على الأقل من القوات الأمنية والشرطية والعسكرية (قوات الأمن الداخلي ووزارة الدفاع) على يد المجموعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة المرتبطة بنظام الأسد، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 211 مدنيا، بينهم أحد العاملين في المجال الإنساني، جراء عمليات إطلاق نار مباشرة نفَّذتها هذه المجموعات.

كما وثَّقت الشَّبكة مقتل ما لا يقل عن 420 شخصا من المدنيين والمسلحين منزوعي السلاح، بينهم 39 طفلا و49 سيدة و27 من الكوادر الطبية، وذلك على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية، أي إن الـ420 ينتمون إلى الطائفة العلوية.

وقد شكلت السلطات السورية لجنة تحقيق وتوعدت بملاحقة المرتكبين، كما شكلت لجنة تعني بالسلم الأهلي، إلا أن الانتهاكات بحق أبناء الطائفة العلوية لم تتوقف، وإن كان هناك غياب شبه تام للمعلومات الدقيقة وتحديدا من قبل السلطات الرسمية، فعلى سبيل المثال كل يوم نسمع عن كمائن وقتلى من قوات الأمن العام ولكن لا نملك رقما رسميا لأعداد هؤلاء القتلى، كما نسمع عن اعتقالات في صفوف الفلول ولكن يتوقف الخبر عند اعتقالهم ولا نسمع عن محاكمات أو اعترافات، عدد الضحايا المدنيين أيضا غير معروف، ننتظر تقارير المنظمات المحلية والدولية لتكوين صورة عن واقع الحال.

وإذا أردنا تأكيد المؤكد من أن التعدي على كرامة وحياة أي مدني هو فعل مدان ومستنكر ويجب محاكمة مرتكبيه أيا يكن، لا بد أيضا من حديث شفاف وصريح موجه لأبناء الطائفة العلوية.

حكم حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار سوريا لمدة 54 عاما بالحديد والنار، ويصر البعض على إيمانهم بأن حكم الأسدين كان حكما علويا موجها ضد الأغلبية السنية، هذه ليست حقيقة مطلقة ولكنها وجهة نظر تحمل بعض الصواب وبعض الخطأ، وهذا ليس موضوع مقالي اليوم.

حكم حافظ الأسد ومن بعد ابنه بشار سوريا لمدة 54 عاما بالحديد والنار، ويصر البعض على إيمانهم أن حكم الأسدين كان حكما علويا موجها ضد الأغلبية السنية. هذه ليست حقيقة مطلقة ولكنها وجهة نظر تحمل بعض الصواب وبعض الخطأ، وهذا ليس موضوع مقالي اليوم

في زيارتي الأولى لطرطوس بعد سقوط النظام الأسدي بأيام، كان لسان حال من التقيتهم من الطائفة العلوية يقول: "قاتل بنا وقتل أولادنا وهرب"، كانت النقمة على الأسد كبيرة بعضهم بسبب هروبه وبعضهم بسبب جرائمه التي اعتبروا أنه ارتكبها باسمهم، وهو غير صحيح. كان هناك فرصة يومها لإطلاق مشروع العدالة والمواطنة، قبل أن يستغل الوقت أعداء سوريا الجديدة في الداخل والخارج.

قبل أيام التقيت بدبلوماسي أوروبي في بيروت أخبرني أن مجموعة من "الناشطين" العلويين أبلغوا عددا من المسؤولين الأوروبين عن سقوط بين 30 و50 ألف مدني في الشهر الفائت وأن الإعلام العالمي كله يرفض الحديث عن الأمر، تعليق الدبلوماسي نفسه كان أن الرقم كاف لدحض هذه الرواية، ولكن من يدفع ثمن هذه المبالغات هم الضحايا أنفسهم.

نعم هناك ضحايا مدنيون قد يتجاوز عددهم الألف بأسوأ تقدير، ولكن الحديث يدور عن خمسين ألف قتيل و30 ألف سبية أخذت من الساحل إلى إدلب ولم يرهم أحد، إضافة إلى حملات التخوين التي يتعرض لها أبناء الطائفة العلوية أنفسهم على يد هذه الفئة المستحدثة من "النشطاء" وهم في الواقع بقايا نظام الأسد وبعض من تحركهم إيران بعد هزيمتها الكبرى في سوريا.

كل ما يقوم به "الفلول" يزيد من الشرخ والانقسام العمودي في المجتمع السوري، ولكن غياب العدالة الانتقالية هي العامل الرئيس في زيادة هذا الشرخ

كل ما يقوم به "الفلول" يزيد من الشرخ والانقسام العمودي في المجتمع السوري، ولكن غياب العدالة الانتقالية هي العامل الرئيس في زيادة هذا الشرخ، فمن دون عدالة لمئات آلاف الضحايا الذين قتلهم نظام بشار الأسد سنكون يوميا أمام مشهد ضحايا جدد يسقطون على مذبح وطن يحاول النهوض بعد كل ما عاناه.

اليوم السلطة مطالبة بالتعاطي بشفافية مع ما يحصل هناك، فهذه السلطة هي لجميع السوريين وليست لفئة دون سواها، والمطلوب من العقلاء، لأي جهة مذهبية انتموا، فتح حوار حقيقي، حوار صريح لطي صفحة الأسد و"البعث" بكل مآسيها، وكل ذلك لا يستوي دون العدالة، العدالة لجميع السوريين، والحوار الذي نتحدث عنه يجب أن لا يكون على أساس مذهبي بل على أساس كل منطقة، فكل مدينة وقرية يجب أن تقوم بحوار حقيقي فيما بين أبنائها ومن دون أي شكليات لتحاول أن تعرف كيف انزلقت سوريا إلى هذه البركة من الدم، لأن الاكتفاء بخلاصات تقول إن السبب كذا أو كذا هو في حقيقته تثبيت لأفكار مسبقة ومقولات قد لا يعبر عنها واقع الأمور.

font change