مارين لوبان... السياسية العنيدة بعد إدانتها بالاختلاس

تواجه تحديا غير مسبوق

سارة كرنفيل/المجلة
سارة كرنفيل/المجلة

مارين لوبان... السياسية العنيدة بعد إدانتها بالاختلاس

"أمر لا يصدق" هذا ما نطقت به مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني الفرنسي"، وهي تسرع في مغادرة قاعة محكمة باريس أواخر مارس/آذار. فقد غادرت المحكمة مبكرا، قبيل سماعها قرار منعها من الترشح لأي منصب مدة خمس سنوات، بعد إدانتها باختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي، وهو حكم يستبعدها على نحو شبه مؤكد من الترشح في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027. أُدينت لوبان باختلاس أموال من البرلمان الأوروبي على نطاق واسع، وحُكم عليها أيضا بالسجن مدة أربع سنوات بسبب هذه الإدانة، مع وقف التنفيذ مدة عامين، وقضاء عامين خارج السجن مع سوار إلكتروني. كما حكم عليها بدفع غرامة قدرها 100 ألف يورو (84 ألف جنيه إسترليني).

أدانت المحكمة لوبان و24 عضوا في حزبها، 9 منهم أعضاء سابقون في البرلمان الأوروبي و12 عضوا عملوا كمساعدين برلمانيين لهم، بتورطهم في مخطط استمر طيلة سنوات كثيرة، اختلسوا فيه أموالا من البرلمان الأوروبي، وذلك باستخدام الأموال المخصصة للعاملين كمساعدين في البرلمان الأوروبي، ودفعوها بدلا من ذلك رواتب لعاملين بالحزب في فرنسا.

غطّى ما يُسمى بـ"نظام الوظائف الوهمية" عقود العاملين كمساعدين في البرلمان بدءا من عام 2004، وهو ما ألحق خسائر قدرها 4.5 مليون يورو (3.8 مليون جنيه إسترليني) من أموال دافعي الضرائب الأوروبيين. حيث يفترض بالمساعدين الذين يتقاضون رواتبهم من البرلمان الأوروبي، أن يعملوا مباشرة في الشؤون البرلمانية في ستراسبورغ، وهو ما لم يحدث كما تبين للقضاة.

كان حظر ترشح لوبان حقيقيا وفوريا. أما الحكم بالسجن أربع سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ، فهو انتظار الاستئناف.

قالت القاضية الرئيسة بينيديكت دي بيرثويس "إن قرار القضاة، المؤيد بأكثر من 150 صفحة من المبررات القانونية، بعد محاكمة استمرت تسعة أسابيع، كان قرارا ضروريا، فلا أحد يتمتع بالحصانة في انتهاك سيادة القانون".

قرار القضاة، المؤيد بأكثر من 150 صفحة من المبررات القانونية بعد محاكمة استمرت تسعة أسابيع، كان قرارا ضروريا، فلا أحد يتمتع بالحصانة في انتهاك سيادة القانون 

ومع ذلك، فقد أثار الحكم اضطرابا سياسيا كبيرا في فرنسا، نظرا لأن لوبان كانت في خضم حملة رابعة على الرئاسة في فرنسا، التي تخوضها باسم حزبها، "حزب التجمع الوطني"، المناهض للهجرة. ومن المؤكد أن الحكم قد وضع زعماء الحزب في موقف صعب، ولا سيما أن الاحتمال بأن تتمكن لوبان من الترشح في انتخابات عام 2027 هو احتمال ضئيل.

جاء رد لوبان على الحكم بتقديم استئناف فوري، ضد ما وصفته بأنه قرار "سياسي" متهمة القاضية بارتكاب "انتهاك لسيادة القانون".

ثمة احتمال قوي بأن تُسرع جلسة الاستئناف، وأن تعقد في نهاية هذا العام أو أوائل عام 2026، مع إعلان الحكم في الربيع. وفي حال نقضت جلسة الاستئناف، الحكم القضائي الأولي أو عدّلته، فقد يُخفّف الحكم على لوبان أو يُلغى كليا، مما يعني أنه لا يزال بإمكانها الترشح. أما في حال تأييد الحكم، فسيفتح ذلك الطريق أمام غوردان بارديلا، رئيس الحزب البالغ من العمر 29 عاما فقط، ليكون المرشح البديل عنها.

بعد صدور الحكم، بقيت لوبان على تحديها، فقالت: "ملايين من الفرنسيين يؤمنون بي. وأنا منذ 30 عاما أكافح ضد الظلم. وسأواصل ذلك حتى النهاية". أما في الوقت الحالي فستتمكن لوبان من الاحتفاظ بمنصبها كعضوة في البرلمان الفرنسي عن منطقة بادو كاليه.

أثار الحكم أيضا ردود فعل دولية عنيفة. إذ صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الإدانة "حدثٌ جلل" مضيفا: "أعلم كل شيء عن ذلك، وقد اعتقد كثيرون بأنها لن تُدان بأي شيء. لكنها مُنعت من الترشح طيلة خمس سنوات، وهي المرشحة الأوفر حظا. وهذا يُشبه ما حدث في هذا البلد، يُشبهه تماما"، ذلك ما قاله ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، في إشارة واضحة إلى القضايا القانونية التي واجهته هو نفسه قبل توليه منصبه.

أما إيلون ماسك، الملياردير مالك شركة "تيسلا"، الذي دعم نشطاء اليمين المتطرف في ألمانيا، ويؤدي دورا رئيسا في إدارة ترمب، فزعم أن الحكم ضد لوبان قد "يأتي بنتائج عكسية" بالطريقة نفسها التي فشلت بها الهجمات القانونية ضد ترمب.

كانت مارين صبية صغيرة في الثامنة من عمرها فقط، عندما دمرت قنبلة شقة عائلتها في باريس، فيما اعتُبر على نطاق واسع على أنه محاولة اغتيال لوالدها


حزب متهم بالعنصرية

لا شك أن الأزمة السياسية الناجمة عن الحكم تشكل تحديا كبيرا أمام لوبان، وهي التي كرست معظم حياتها لبناء مسيرتها السياسية الخاصة، بعد ولادتها في عام 1968، لعائلة كانت تحيا على هامش السياسة الفرنسية.

في عام 1972، أسس والدها، جان ماري لوبان، "حزب الجبهة الوطنية"، الذي ادعى منتقدوه أنه حزب قام على العنصرية، ومعاداة السامية والحنين إلى إمبراطورية فرنسا المفقودة.

كانت مارين صبية صغيرة في الثامنة من عمرها فقط، عندما دمرت قنبلة شقة عائلتها في باريس، فيما اعتُبر على نطاق واسع أنه محاولة اغتيال لوالدها. لم يُصب أحد بأذى خطير، لكن الانفجار ترك أثره العميق طيلة حياتها. وولد في داخلها منذ ذلك الحين، كما تقول، شعورا دائما بأن عائلتها مكروهة، وأنهم لن يتلقوا معاملة كالآخرين.

درست القانون، وأصبحت محامية في سن الشباب. لكن بعد دخولها معترك السياسة، سرعان ما نفد صبرها، حتى إنها نجحت في انتزاع قيادة الحزب من والدها عام 2011.

في عام 2015، طردت والدها من الحزب الذي أسسه، بعد أن ألقى إحدى خطبه المسهبة المعهودة في إنكار "الهولوكوست". ثم أعادت لوبان تسمية الحزب بـ"التجمع الوطني" وباتت تتحدث عن العرق على نحو أقل، وعن أسلوب الحياة الفرنسي على نحو أكثر. كما حذّرت من "التهديدات الحضارية" ودعت إلى حظر الحجاب، ووعدت بأن تحتل العائلات الفرنسية المقام الأول عندها، وأن تكون مركز اهتمامها.

ازدادت شعبيتها الشخصية بعد أن نصّبت نفسها بطلة مدافعةً عن حقوق مجتمع الميم، وملأت دائرتها المقربة بمساعدين مثليين علنا، متجنبةً الاحتجاجات العامة ضد زواج المثليين، وتصوير نفسها كحامية للأقليات الجنسية من "الخطر الإسلامي" وقد وصف النقاد سياستها هذه بأنها مجرد استثمار لمصالحها السياسية، بادعائها دعم قضايا مجتمع الميم، إلا أن عددا مفاجئا من الناخبين المثليين، ولا سيما الشباب، بدأوا في دعمها. ورأى الكثيرون فيها القوة والوضوح ووعدا بالنظام.

ترشحت لوبان للرئاسة ثلاث مرات حتى الآن، في أعوام 2012 و2017 و2022. وحصلت في كل مرة، على نسبة من أصوات أعلى من سابقتها. وقد كانت في حملتها الأخيرة، واثقة من نفسها وهادئة ومتمكنة من التعامل مع وسائل الإعلام، مشددة على دورها كأم عزباء، والتقطت صورا  لها مع قططها الست، وكررت دعواتها إلى "الأولوية الوطنية".

وقد ساندها زعماء اليمين المتطرف وحظيت بدعمهم. فأصدر كل من المجري فيكتور أوربان وماتيو سالفيني وجورجيا ميلوني في إيطاليا وخيرت فيلدرز من هولندا تصريحات علنية داعمة لها.

رويترز
مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، في خطاب أمام أنصارها في باريس

من المؤكد أن ما تملكه لوبان من هذا المزيج القوي والمؤثر، الذي يمزج القومية الثقافية مع براعتها في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أثبت فعاليته الكبيرة، إلى حد أنها حتى في خسارتها عام 2022، التي فازت فيها بأكثر من 13 مليون صوت، قدمت لليمين المتطرف أعلى حصيلة أمكنه الحصول عليها في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

ونظرا لأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غير مؤهل لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2027، فمن المؤكد أن لوبان ستكون منافسة قوية للغاية للرئاسة، لولا أنها حظرت من المشاركة فيها.

لذا، قد يكون لقرار منعها من الترشح تداعيات خطيرة على مستقبل حركتها اليمينية المتطرفة، وعلى الأخص إذا تجاهل ماكرون الدعوات التي تطالبه بالتدخل وإلغاء الحظر. غير أن المرونة التي أبدتها لوبان وأتباعها في مواجهة انتكاسات أخرى، تجعل من المسارعة إلى كتابة نعيها السياسي الآن، أمرا في غاية التهور.

font change