الحرب التجارية الأميركية الأوروبية... معركة كسر عظم

عدم التكافؤ بين قطبي المحيط الأطلسي يكاد يخرج القارة العجوز من التاريخ

براين ستوفر
براين ستوفر

الحرب التجارية الأميركية الأوروبية... معركة كسر عظم

دخلت العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حربا تجارية وديبلوماسية غير متكافئة، سببها المعلن معالجة العجز التجاري الأميركي، ووقف الحرب في أوكرانيا، وهدفها الباطني بناء تحالفات جديدة مع قوى صاعدة من الجنوب، بعد بداية أفول قوة أوروبا، التي لم تعد تمثل سوى 55 في المئة من حجم أميركا اقتصاديا، وهي تتوجس أساسا من التنين الصيني، المنافس المباشر، وتريد عزله عن حليفه الدب الروسي.

يقول توماس غومار، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إن "الخلاف بين ضفتي المحيط الأطلسي، مرده الى ضعف الأوروبيين عسكريا واقتصاديا، وتفقير القارة العجوز خلال العشرين سنة الأخيرة، بعدما كانت متساوية مع الولايات المتحدة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 14 تريليون دولار"، لكن "أوروبا اليوم باتت تمثل أقل من 17 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي الإجمالي".

وذهبت صحيفة "لومانيتي" الشيوعية إلى أبعد من ذلك، وكتبت "دونالد ترمب يُخرج أوروبا من بوابة التاريخ". من جهتها اعتبرت "لي زيكو" (Les Echos) "أن ترمب يكسر عظام الاقتصاد الأوروبي، بإعلانه الحرب التجارية، التي تؤثر سلبا في النشاط الإنتاجي والنمو الاقتصادي". كلمة "التاريخ" المتكررة في وسائل الإعلام الأوروبية هذه الأيام، تذكّر بمقولة "نهاية التاريخ" للفيلسوف فرنسيس فوكوياما بعد سقوط حائط برلين، ونهاية الحرب الباردة عام 1992.

ترمب يكسر عظام الاقتصاد الأوروبي، بإعلانه الحرب التجارية، التي تؤثر سلبا في الإنتاج والنمو الاقتصادي

صحيفة "لي زيكو"

لم تتفاجأ الأسواق العالمية بقرار المفوضية الأوروبية، تطبيق رسوم جمركية، على بعض واردات السلع والمنتجات الأميركية مطلع أبريل/نيسان الماضي، ردا على قرار مماثل اتخذه الرئيس دونالد ترمب، ودخل حيز التنفيذ في 12 مارس/آذار، يقضي برفع التعريفة الجمركية بنسبة 25 في المئة على الفولاذ والألمنيوم المستورد من الاتحاد الأوروبي. وتشمل الرسوم المقدرة من 10 إلى 25 في المئة، أسواقا أخرى في كندا والصين واليابان وأستراليا والمكسيك ومناطق أخرى حول العالم. وتُعتبر هذه المنتجات التي تدخل في الصناعات التحويلية والعربات والآليات المختلفة، ضرورية للصناعات الأميركية، التي تراجع حضورها في الأسواق الدولية خلال العشرين سنة الأخيرة.

رويترز
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل، بلجيكا، 2018.

برر الرئيس ترمب زيادة التعريفات الجمركية على بعض الواردات، بالحاجة إلى معالجة الخلل في المبادلات التجارية الخارجية، المقدر بـ918 مليار دولار في نهاية عام 2024، من مجموع واردات بلغ 4,1 تريليونات دولار، وصادرات بقيمة 3,2 تريليونات دولار، وفق بيانات وزارة التجارة الأميركية.

العجز مع الاتحاد الأوروبي 236 مليار دولار

يقُدّر العجز مع الاتحاد الأوروبي بنحو 236 مليار دولار، من مبادلات تجارية إجمالية مع أميركا بقيمة 975 مليار دولار. وخلال الشهور الـ11 الأولى من العام المنصرم، بلغت المبادلات مع الصين 518 مليار دولار، بعجز وصل إلى 269 مليار دولار، وفق أرقام أميركية رسمية، مما يجعل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة قبل بكين، وفق البيانات المقدمة من المكتب البيضاوي. السؤال إذن: لماذا الخلاف مع الشريك التجاري الأكبر، وما سره؟

على مدى عقود طويلة، بقيت العلاقات بين ضفتي الأطلسي نموذجية، تستند إلى روابط ثقافية، وتحالف استراتيجي وأيديولوجي، ضمن ما يعرف بالعالم الحر الداعم لتحرير التجارة والمبادلات

صحيح أن الصين تحقق أكبر فائض تجاري مع أميركا بنحو 296 مليار دولار، ومسموح أيضا لواشنطن باستخدام الآليات الجمركية لتقليص العجز التجاري من دون الإخلال بقوانين المنظمة العالمية للتجارة في جنيف، لكن مع الأوروبيين الأمر يختلف بوجود حجم استثمارات ضخمة في الاتجاهين، على مدى عقود طويلة، تستند إلى شراكة تجارية وسياسية وثقافية وعسكرية قديمة.

خلافات الحلفاء إلى أين؟

تاريخيا، ارتبط الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة بأكبر علاقات تجارية واقتصادية واستثمارية ثنائية منذ الحرب العالمية الثانية. وقد ساعدت الاستثمارات والتمويلات الأميركية السخية (عبر خطة مارشال) الأوروبيين، في إعادة إعمار وترميم ما هدمته الحرب. وحتى عهد قريب، اعتُبرت الشراكة بين الجانبين مثالية، يكمل بعضها بعضا في العديد من القضايا والمواقف، بما فيها الدفاع العسكري المشترك من خلال ميثاق حلف شمال الأطلسي (المادة الخامسة). وخلال السنوات الثلاث من الحرب الروسية الأوكرانية، قدمت الدول الأعضاء مساعدات عسكرية ومالية لكييف، تجاوزت قيمتها 246 مليار يورو، بحسب المصادر الأوروبية.

AFP

كما بقي التنسيق الاقتصادي والمالي والنقدي قائما في شأن العقوبات الاقتصادية على موسكو، عبر مجموعة السبع الكبار، التي تأسست بمبادرة أميركية عام 1973، عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول، وقطع النفط العربي عن المعسكر الغربي.

وعلى مدى عقود طويلة، بقيت العلاقات بين ضفتي الأطلسي نموذجية، تستند إلى روابط ثقافية، وتحالف استراتيجي وأيديولوجي، وتبادل مصالح، ضمن ما يعرف بالعالم الحر الداعم لتحرير التجارة والمبادلات وتدفق رؤوس الأموال.

تقدر قيمة السلع الأميركية المشمولة بالتعريفات الأوروبية الجديدة بنحو 26 مليار يورو حتى الآن... وكانت صادرات الاتحاد من الفولاذ والصلب بلغت 78 مليار يورو العام المنصرم، منها 32 مليار يورو نحو الولايات المتحدة

وسجل الميزان التجاري فائضا لصالح الاتحاد الأوروبي قُدّر بـ198 مليار يورو عام 2024. وصدّر الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة مواد طبية وصيدلية بنسبة 22 في المئة، وسيارات وعربات بنسبة 10 في المئة، ومنتجات زراعية وغذائية ومشروبات بنحو 11 في المئة. في المقابل، صدرت الولايات المتحدة النفط والغاز ومشتقات الطاقة، التي تمثل نحو نصف الصادرات الأميركية إلى الأسواق الأوروبية، تضاف إليها معدات التكنولوجيا الرقمية، والطائرات، والآليات العسكرية، بقيمة إجمالية قدرت بـ363,7 مليار دولار. 

هل بالغ ترمب في تقدير العجز؟

من وجهة نظر بروكسل، يبالغ ترمب في تقدير عجز الميزان التجاري الأميركي، لتبرير رفع التعريفات الجمركية على الواردات الأوروبية. وهي تعتقد أن صادرات الخدمات التي تقدمها شركات التكنولوجيا الرقمية، مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"إنفيديا" و"ميتا" و"أبل" و"أمازون" وغيرها، تعوض فارق عجز المبادلات السلعية، حيث تجاوز الفائض التجاري للخدمات 113 مليار دولار، لصالح الولايات المتحدة عام 2023.

يتهم ترمب الاتحاد الأوروبي بفرض ضريبة "القيمة المضافة" على السلع الأميركية بنسب تتراوح من 16 إلى 27%، مما يجعلها مرتفعة الثمن وأقل تنافسية، على الرغم من ارتفاع سعر صرف اليورو أمام الدولار

من ضمن مبرراته، يتهم الرئيس ترمب الاتحاد الأوروبي بفرض ضريبة "القيمة المضافة" على السلع الأميركية بنسب تتراوح من 16 إلى 27 في المئة، مما يجعلها مرتفعة الثمن وأقل تنافسية، على الرغم من ارتفاع سعر صرف اليورو أمام الدولار. وهو ما يفسر في رأيه "إحجام الأوروبيين (في غالبيتهم) عن شراء المنتجات الأميركية مثل السيارات (تراجع مبيعات "تسلا" بعد الأزمة بين الطرفين)، عكس تنامي الطلب على السيارات الألمانية في السوق الأميركية ("مرسيدس"، "أودي"، "بي. إم. دبليو"، و"بورش"). كما ينتقد المراجعات الضريبية على الخدمات المالية، والتضييق على نشاط شركات التكنولوجيا الرقمية، عبر ضرائب أرباح يعتقد أنها مرتفعة.

خسائر شركات التكنولوجيا تريليونية في شهرين

تكبدت أسهم مجموعة شركات "الروائع السبع" (The Magnificent Seven)، التي تضم كبريات شركات الخدمات الرقمية العالمية، خسائر في بورصة نيويورك بلغت 750 مليار دولار في يوم واحد، (10 مارس المنصرم) سُمي بـ"الاثنين الأسود". ومنذ بداية السنة، خسرت أسهم الشركات (العاملة في التكنولوجيا الرقمية المدرجة في البورصة) ما يوازي 1,57 تريليون دولار، في مقدمتها "تسلا" للسيارات الكهربائية التي فقدت 50 في المئة، و"إنفيديا" 22 في المئة، ومن 10 إلى 15 في المئة، بالنسبة إلى كل من "غوغل" و"أمازون"، و"مايكروسوفت"، وفق مؤسسة "ويدبوش سكيوريتيز".

براين ستوفر

ويعتقد محللون أن مستقبل الاقتصاد الأميركي أصبح مرتبطا بقطاع الاتصالات الرقمية، أكثر منه بالاقتصاد الحقيقي أو الإنتاجي، الذي يوفر فرص عمل أكثر، ومداخيل أكبر، من خلال الصادرات الصناعية (التجربة الألمانية والصينية واليابانية). وغالبا ما تحقق هذه الأنشطة نموا أعلى في الاقتصاد الكلي، وعدالة في توزيع الثروة. عكس ما يجري حاليا في أميركا، حيث تتجمع الثروة في يد مالكي شركات التكنولوجيا، مثل إيلون ماسك صاحب "تسلا" و"إكس"، الذي تتجاوز ثروته 300 مليار دولار، في حين يلتهم التضخم أجور العمال والطبقات الوسطى (زادت القيمة السوقية لشرائح "إنفيديا" 3 تريليونات دولار بين 2022 و2025 بفضل ثورة السيارات الكهربائية). وتصنّع غالبية أشباه الموصلات حاليا في تايوان، وهو سبب إضافي للصراع بين الولايات المتحدة والصين.

منذ بداية السنة، خسرت أسهم شركات التكنولوجيا المدرجة في البورصة ما يوازي 1,57 تريليون دولار، في مقدمتها "تسلا" للسيارات الكهربائية التي فقدت 50 في المئة و"إنفيديا" 22 في المئة

سيكون صعبا على الإدارة الحالية معالجة كل أعطاب الاقتصاد بمراجعة معدلات الرسوم الجمركية، حتى لو تمت إعادة التوطين الصناعي في أميركا، لأن الصين تفوقت في صناعة السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية خلال ربع قرن، في وقت كانت أميركا منشغلة بحروب أفغانستان والعراق والشرق الأوسط و"الربيع العربي"، وكانت أوروبا منقسمة ومنغلقة على نفسها حول قضايا داخلية مثل الهجرة.

أميركا المزود الأول لأوروبا بالغاز

ليس صحيحا أن الحرب الروسية على أوكرانيا كانت ضد مصالح الولايات المتحدة في أوروبا كما تقول بروكسل. لكنها ربما أضعفت الاتحاد الأوروبي، وكبدته خسائر اقتصادية كبيرة، أثرت في النمو  وحجم المديونية. وقُدرت تكلفة الحرب في أوكرانيا بـ 132 مليار يورو، على شكل مساعدات عسكرية ومالية أوروبية. وأعلنت واشنطن أنها لن تدعم هذه الحرب بل تعمل من أجل إنهائها.

رويترز

فوائد الحرب بالنسبة إلى واشنطن، هي أن أميركا أصبحت المزود الرئيس لأوروبا بالطاقة، بعد إغلاق أنابيب مرور الغاز الروسي التي كانت تضخ 155 مليار متر مكعب سنويا، خصوصا نحو ألمانيا المتضرر الأول (تراجعت أرباح سيارات "بي. إم. دبليو" 37 في المئة).

تقول بيانات "يوروستات" إنه "خلال العام المنصرم، شكل النفط والغاز ومشتقات الطاقة والبترول، أهم صادرات الولايات المتحدة إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، بما يعادل نصف إجمالي الواردات المقدرة بـ370 مليار دولار". 

تضاعفت الصادرات الأوروبية نحو الأسواق الأميركية مرتين بين 2013 و2024، وانتقلت من 246 مليار يورو إلى 532 مليار يورو (605,7 مليار دولار) في 11 سنة

وقد احتاجت أوروبا التي عانت من طقس بارد، إلى من يعوّض الغاز الروسي، ووجدت في الولايات المتحدة البديل الموثوق به، مما ساعد أيضا في تطوير الأنشطة المتعلقة بالطاقات المتجددة خصوصا تلك الصديقة للبيئة. لكن هذه البرامج مرشحة للتوقف في المرحلة المقبلة، بعد إنسحاب ترمب من إتفاق باريس للمناخ.

الصادرات الأوروبية الى أميركا 606 مليارات دولار

تضاعفت الصادرات الأوروبية نحو الأسواق الأميركية مرتين بين 2013 و2024، وارتفعت من 246 مليار يورو إلى 532 مليار يورو (605,7 مليار دولار) في 11 سنة. بينما لم تتمكن الصادرات الأميركية من معالجة الفارق التجاري بينهما، الذي انتقل من 165 مليار يورو إلى 333 مليار يورو العام المنصرم، مما جعل الاقتصاد الأميركي يراكم العجز التجاري مع كل الأسواق الكبرى، خصوصا الاتحاد الأوروبي والصين ودول جنوب شرق آسيا واليابان، وكندا والمكسيك وغيرها. ولعل السؤال الذي لم يُطرح على الرئيس ترمب: هل المشكل يكمن في تطور الاقتصادات الناشئة أم في ضعف الصادرات الأميركية؟ 

خلال العام المنصرم، بلغت التجارة العالمية للسلع 33 تريليون دولار، بزيادة تريليون دولار، أي 3,3 في المئة، مدفوعة أساسا بقطاع الخدمات الذي ساهم بـ500 مليار دولار. وتعتبر تجارة الاتصالات والملابس الجاهزة الأكثر تطورا في العالم بزيادة بين 13 و14 في المئة على التوالي، وفق تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد".

AFP
سيارة تيسلا تُشحن في محطة شحن بموقف سيارات في برلين، ألمانيا، في 3 أغسطس 2023

وحققت مبيعات الهواتف الذكية رواجا تجاريا قُدر بـ 1,24 مليار جهاز، معظمها يعمل بنظام تشغيل "أندرويد". وتستفيد أميركا من كل تقدم في قطاع التكنولوجيا والاتصالات والخدمات الرقمية والمالية، لكنها تواجه ضعفا في تصريف صادراتها الصناعية داخل الأسواق الأوروبية الأكثر إنفاقا، مقارنة بالصين. وخلال العام المنصرم، زادت الصادرات الأميركية إلى الأسواق الأوروبية 4 في المئة، في المقابل ارتفعت الواردات من منطقة اليورو 5,5 في المئة.

من المهم الإشارة إلى أن ورقة التعريفات الجمركية "سيف ذو حدين"، وبإمكانه إعادة رفع التضخم في الولايات المتحدة، لأن الرسوم قد تتحول بحكم الواقع إلى ضريبة إضافية على المستهلك، وترفع الأسعار، وتحد من تطور السوق الداخلية. وهي معادلة ثلاثية الأبعاد، ويمكن أن ترتد على الاقتصاد الأميركي نفسه، لكن الرئيس ترمب يرفض في الوقت الحالي التعاطي مع هذه المخاوف، بما فيها أخطار الانكماش الاقتصادي.

تراجع النمو في الاقتصاد الأميركي بسبب حرب الرسوم

توقع تقرير لمصرف "غولدمان ساكس" أن يتراجع النمو في الاقتصاد الأميركي من 2,4 في المئة (كانت توقعات بداية السنة الجارية 1,7 في المئة فقط لعام 2025)، وذلك بسبب حرب الرسوم الجمركية. حتى هذه الفرضيات تظل أقل من واقع الأسواق، بالنظر إلى مستوى عدم اليقين الذي يخيم على الأسواق، ومنها البورصة العالمية، وأسعار المواد الأولية، وصرف العملات، وكلها تعتقد أن خيارات التعريفات الجمركية ليست مجدية، وقد يكون ضررها أكثر من نفعها. ويحتاج الاقتصاد الأميركي إلى نمو مستقر بين 2,5 و3 في المئة سنويا، لتحقيق هدف تجاوز الناتج المحلي الإجمالي سقف 35 تريليون دولار في أفق 2030، والبقاء كقوة أولى في ترتيب الاقتصاد العالمي.

القلق الأوروبي ليس اقتصاديا فقط، بل عسكري أيضا، لأن القارة العجوز تفتقر إلى القوة العسكرية والقدرة الإنفاقية الحربية ( نحو800 مليار يورو)

القلق الأوروبي ليس فقط اقتصاديا، بل عسكري أيضا، لأن القارة تفتقر إلى القوة العسكرية والقدرة الإنفاقية الحربية (800 مليار يورو)، لمواصلة الحرب ضد روسيا. ويصعب أوروبيا إنفاق 3 في المئة من الناتج الإجمالي على المجهود الحربي، في ظل ظرفية اقتصادية ومالية غير مساعدة. وهذا ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المطالبة بتعديل ميثاق 1992، الخاص بالعجز في الموازنة، والسماح بتجاوز 3 في المئة، وسقف مديونية فوق 60 في المئة.

خلل المديونية الفيديرالية الأميركية

في الضفة المقابلة من المحيط الأطلسي، الوضع ليس أفضل حالا، لأن المديونية الفيديرالية الأميركية زادت 26 تريليون دولار منذ أزمة 2008. ولا يملك ترمب حلولا سريعة لمشاكل العجز المالي، حتى لو استخدم الخيارات النقدية بدولار ضعيف لزيادة الصادرات، لكنه قد يصطدم بارتفاع الأسعار على الواردات. كما أن فكرة إعادة توطين الصناعات الأميركية قد تحددها تكلفة الإنتاج، في ظل عولمة سلاسل الإمدادات.

Shutterstock

للمزيد إقرأ: الدين الفيديرالي الأميركي "بجعة ناصعة البياض"

ثم ليس مضمونا ألا يؤدي ارتفاع الأسعار بسبب الحروب التجارية، إلى جولة جديدة من التضخم الدولي، بعدما تجاوز العالم بصعوبات كبيرة، خمس سنوات من الأزمات والحروب والصراعات. وهناك اليوم أكثر من 100 دولة (منها 7 أوروبية) لديها تحديات مالية ومديونية مرتفعة. ولا يملك البنك الدولي، ولا صندوق النقد الموارد المطلوبة، لمعالجة كل الخلل المالي والتنموي العالمي، وتحمل تكلفة إعادة إعمار مناطق الحروب والصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا وأفريقيا، وهي تكلفة بعشرات مليارات الدولارات.

لعل أكثر ما ينطبق على الإدارة الأميركية هذه الأيام، هي المقولة الشهيرة للمفكر الأميركي أبراهام ماسلو: "إذا كانت الأداة الوحيدة المتوفرة لديك هي المطرقة، فإنك ترى كل المشاكل في المسمار".

font change