تأثيرات رسوم ترمب على الدول العربية... ماذا وراء استثناء النفط؟

صعوبات في التصدير نظرا لارتفاع كلفة الانتاج والحل في الأسواق البديلة

المجلة
المجلة

تأثيرات رسوم ترمب على الدول العربية... ماذا وراء استثناء النفط؟

لا تزال الأسواق العالمية تترقب التبعات "الوخيمة" لـالرسوم الجمركية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في "يوم التحرير". ويتضمن "الهجوم الجمركي" الذي شنه البيت الأبيض، وهو غير مسبوق منذ ثلاثينات القرن العشرين، تعريفات جمركية بنسبة 10 في المئة حدا أدنى على كل الواردات، ونسبا أعلى على البلدان التي تعتبر معادية بشكل خاص في المسائل التجارية. ورغم تفاوت نسب الرسوم المفروضة، فإن تداعياتها على اقتصادات الدول المعنية بحسب مراقبين، حتمية، وهي خطوة تصعيدية من شأنها أن تُشعل حربا تجارية عالمية.

ولكن البيت الأبيض استثنى قطاعا وحيدا من هذه الرسوم، وهو قطاع النفط والغاز الطبيعي ومنتجات الطاقة التي أُعفيت من الرسوم الجديدة، ما جنبها تأثيرا مباشرا على تدفقات الوقود. وبحسب مراقبين فإن هناك عدة أسباب دفعت ترمب لاستثناء النفط من التعريفات الجمركية، أبرزها يعود لحماية المستهلك من ارتفاع أسعار الوقود، ودعم الصناعات الأميركية المعتمدة على النفط، وتجنب الصدام مع الأسواق المالية.

وتقول خبيرة النفط والغاز لوري هايتايان لـ"المجلة": "إنه منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض اعتمد سياسات واضحة، خصوصا حول قطاع النفط والغاز، فتوجهاته دائما كانت السعي لخفض أسعار النفط، وليس رفعها، لأنه يعتبر أن أساس الاقتصاد، وخفض التضخم، يعتمد على سعر برميل النفط، وبالتالي هو يعلم أن رفع التعرفة الجمركية على النفط، سيؤثر سلبا على قطاع النفط الأميركي، ولأن هذا القطاع يدعم ترمب في فرض سيطرته السياسية والاقتصادية، خاصة بواسطة الغاز الأميركي، الذي أصبح يصدر إلى أوروبا وغيرها من الدول. لذلك عمل على تحييد هذا القطاع في الرسوم التي فرضها".

تضيف هايتايان: "خطوة ترمب أثرت عكسيا، خصوصا بعد المخاوف الحقيقية التي يشهدها العالم، والتي خلقت حالة من عدم اليقين الاقتصادي، والتباطؤ في النشاط الصناعي العالمي، ما قد يقلل الطلب على موارد الطاقة مثل النفط والغاز الطبيعي، الأمر الذي يؤدي حتما إلى انخفاض سعر برميل النفط كما يحدث، وهذا الانخفاض هو ما يسعى إليه ترمب".

من جهته رأى الباحث في "المعهد اللبناني لدراسات السوق" خالد أبو شقرا، في حديث مع "المجلة"، أن "الولايات المتحدة هي أكبر مستورد للنفط في العالم، بالرغم من أنها من أكبر المصدرين والمنتجين أيضا". وأشار إلى أن "صناعة النفط تدخل تقريبا في كل الصناعات داخل الولايات المتحدة، في النقل والإنتاج الصناعي والطاقة... وأي فرض لرسوم جمركية على قطاع النفط، قد يؤدي إلى أسوأ مؤشرات على التضخم، وبالتالي سينعكس سلبا على الصناعة، والسياحة، والتدفئة، وصناعة السيارات، والتبريد... وغيرها من الصناعات الكبيرة إلى المستلزمات الحياتية اليومية للمستهلك، وهذه الخطوة لن يستطيع ترمب أن يتحمل أكلافها وعواقبها".

رسوم ترمب تستهدف بالدرجة الأولى أبرز المنافسين الاقتصاديين لأميركا، الصين والاتحاد الأوروبي، إلا أن الدول العربية لن تكون بمنأى عنها ولو بنسب متفاوتة 

قرار ترمب أدى إلى انخفاض سعر برميل برنت إلى أدنى مستوياته منذ 2021، الأمر الذي سينعكس سلبا على الدول التي تعتمد في إيراداتها على قطاع النفط، فماذا عن الدول العربية؟ في هذا السياق تقول الخبيرة الاقتصادية ليال منصور لـ"المجلة" إن "فرض ترمب للرسوم على قطاع النفط، لن يؤثر بشكل مباشر على الدول العربية وتحديدا الخليجية، لأن صادرات النفط من هذه الدول، لا تعتمد بشكل مباشر أو كبير على السوق الأميركية".

وأضافت: "لكن هناك تداعيات غير مباشرة على انخفاض أسعار النفط على الدول العربية، لأن هناك تركيزا أساسيا في اقتصادات هذه الدول على قطاع النفط. فمثلا أكثر الدول التي من الممكن أن تتضرر هي دولة الكويت التي تعتمد بنسبة 90 في المئة تقريبا في موازنتها على إيرادات النفط، على اعتبار أنّ أي انخفاض في سعر النفط سيؤدي حتما إلى عجز في الميزانية العامة للدول التي تعتمد على إيرادات النفط بشكل أساسي في موازنتها السنوية".

التداعيات المباشرة وغير المباشرة على الدول العربية

يؤكد مراقبون أن خطوة ترمب تستهدف بالدرجة الأولى، أبرز المنافسين اقتصاديا لأميركا، الصين والاتحاد الأوروبي، إلا أن الدول العربية لن تكون بمنأى عن الرسوم الجمركية ولو بنسب متفاوتة. وتتراوح نسبة التعريفات التي فرضها ترمب على الدول العربية من 10 في المئة على السلع القادمة من مصر والسودان ولبنان واليمن والسعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين والمغرب وموريتانيا وعُمان وجزر القمر، إلى 41 في المئة على واردات سوريا، و39 في المئة على السلع العراقية، ونسبة 20 في المئة على المنتجات الأردنية، في حين فرض 28 في المئة على تونس، و30 في المئة على الجزائر، و31 في المئة على ليبيا.

أ.ف.ب.
متداولون في بورصة نيويورك خلال جلسة التداول الصباحية في 1 أبريل 2025 وقد انخفضت أسعار الأسهم عند افتتاحها

ووفقا للأرقام ففي عام 2024، بلغ إجمالي الاستيراد الأميركي من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 80.4 مليار دولار، بزيادة بنسبة 5.8 في المئة (4.4 مليار دولار) مقارنةً بعام 2023، وفقًا لبيانات الممثل التجاري للولايات المتحدة.

أما صادرات الدول العربية إلى الولايات المتحدة الأميركية، فقد كانت على النحو التالي: المملكة العربية السعودية بقيمة 12.8 مليار دولار، الإمارات العربية المتحدة 7.5 مليار دولار، الأردن بقيمة 3.4 مليار دولار، الجزائر ومصر بقيمة 2.5 مليار دولار، المغرب بقيمة 1.9 مليار دولار، قطر 1.8 مليار دولار، الكويت 1.6 مليار دولار، وتونس 1.1 مليار دولار. وبحسب البنك الدولي، تستورد واشنطن من المنطقة النفط والمواد الخام بشكل أساسي، حيث تستهلك تجارة النفط نصف الميزانية الأميركية المخصصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة لـ"المجلة": "إن الانعكاس سيكون بنسب مختلفة على الدول العربية، خصوصا أن هناك بعض الدول مثل الأردن والعراق، فرضت عليهما رسوم عالية مقارنة بالدول العربية الأخرى، وبالطبع ستتأثر الصادرات من تلك البلدان إلى الولايات المتحدة، فعندما ترتفع أسعار سلعها داخل السوق الأميركية سيلجأ المستهلك إلى سلع بديلة، وبالتالي سينخفض الطلب عليها، وتقل إمكانية وصولها للأسواق الأميركية".

ووفقا لعجاقة، "فإن التفاوت بفرض الرسوم الجمركية على بعض الدول مثل سوريا، لا يمكن ربطه إلا بالبعد السياسي، فهناك خيط رفيع بين ما يسمى سياسة حمائية وعقوبات، وعندما يكون هناك بعد سياسي للرسوم الجمركية، تصبح تسمية عقوبات ملاءمة أكثر من تسمية سياسة حمائية. وإذا نظرنا إلى أسماء الدول التي فرضت عليها رسوم عالية، نرى أن هناك ضغوطات سياسية موراء هذه الرسوم، بسبب محاولة الإدارة الأميركية فرض ضغوط معينة على هذه الدول من أجل تحقيق مكاسب سياسية".

الأخطر من وجهة نظر اقتصادية، أن تتحول الحرب التجارية إلى حرب عملات، الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من التعقيدات

يضيف عجاقة: "من المتوقع أن يتأثر النمو الاقتصادي لمعظم دول العالم، لأن السياسة الحمائية التي فرضها ترمب تلقائيا تؤدي إلى خفض التبادل التجاري العالمي، وبالتالي خفض الناتج المحلي الإجمالي، وهذا سيشمل الدول العربية بالتأكيد. ولكن الأخطر من وجهة نظر اقتصادية، أن تتحول الحرب التجارية إلى حرب عملات، الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من التعقيدات، فتاريخيا كل حرب تجارية كان وراءها حرب عملات".

بدوره يرى أبو شقرا أن "اقتصادات الدول العربية ستتأثر ولو بشكل متفاوت، وفي بعض الأحيان بشكل غير مباشر من فرض الرسوم. ولكن إذا أدت خطوة ترمب إلى التضخم العالمي، وهذا الأمر متوقع، سيدفع ذلك بالمصارف المركزية، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي إلى اتباع سياسة رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، أو بأفضل الاحتمالات عدم تخفيضها كما كان متوقعا، وسنصل إلى الانكماش التضخمي، وهو أكثر النماذج الاقتصادية سوءا، وبالتالي ستكون هناك صعوبة في الوصول إلى مصادر التمويل والاقتراض، لا سيما من الدول العربية التي تعتمد على الاقتراض لدعم اقتصادها".

أسوشيتد برس
الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال الإعلان عن "يوم التحرير" والرسوم الجمركية الجديدة في حديقة البيت الأبيض، 2 أبريل 2025

ولفت أبو شقرا إلى أن "الخوف حاليا هو أن تكون تداعيات قرار التعريفات الجمركية اقتصاديا شبيهة لما شهده العالم في زمن (جائحة كورونا) خصوصا مع كل ما يحدث من اشتباكات في البحر الأحمر، والعرقلة في سلاسل التوريد، وغيرها من الأحداث التي قد تؤدي إلى انخفاض في النمو العالمي، أو أقله لن ترفعه إلى المستويات التي كانت تطمح إليها بعض الدول للدخول في مرحلة التعافي".

ستواجه الدول العربية النامية صعوبة في تصدير منتجاتها، خصوصا أنها تعاني أصلا من كلفة إنتاج مرتفعة

وبالنسبة للدول العربية النامية يقول أبو شقرا: "هذه الدول ستعاني من الوصول إلى الأسواق المالية، الأمر الذي سيدفعها إلى الاقتراض بكلفة فوائد عالية جدا، لأن الفوائد لن تنخفض. أيضا هذه الدول ستتأثر سلبا باستيراد التضخم، لأنها دول تعتمد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج، وإذا ضرب التضخم اقتصادات الدول، فتلقائيا ستستورد التضخم مع السلع المستوردة. أيضا ستواجه هذه الدول مشكلة في تصدير منتجاتها، خصوصا أنها تعاني أصلا من كلفة إنتاج مرتفعة، وبالتالي أي إضافة على الرسوم الجمركية، يعني ارتفاع أسعار السلع، وبالتالي انخفاض الطلب عليها".

من جهتها ترى منصور أن "الدول العربية غير الخليجية التي تعتمد على تصدير سلع غير نفطية إلى الولايات المتحدة، مثل الملابس والتمور والمجوهرات والمواد الغذائية، من الممكن أن تبحث عن أسواق أخرى بديلة. فارتفاع الأسعار سيؤثر بقوة على صادراتها إلى الولايات المتحدة، لكنها تستطيع أن تجد أسواقا أخرى بكل سهولة،  لأن نسبة السلع العربية التي تصدر إلى الولايات المتحدة ليست كبيرة".

font change

مقالات ذات صلة