مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

AlMajalla
AlMajalla
مرصد الأفلام

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة، بالإضافة إلى إعادة تقديم فيلم من ذاكرة السينما الكلاسيكية.

Rich Flu

تأليف: بدرو ريفيرو، غالدر غاستيلو أورتيا، سام ستاينر، ديفيد ديزولا

إخراج: غالدر غاستيلو أورتيا.

بلد الإنتاج: إسبانيا، تشيلي، الولايات المتحدة الأميركية

الفكرة الأساسية التي يدور حولها هذا الفيلم، هي حقا مثيرة للاهتمام، عن نوع من الوباء لا تفسير علميا له، يشبه الإنفلونزا القاتلة التي تصيب الأثرياء فقط، وعلامتها تحوّل أسنان من يصابون به إلى لون أبيض ناصع ومضيء ومميت كذلك. يستند العمل الى أجواء الذعر التي عاشها العالم مع انتشار وباء كوفيد19، لكن بدلا من ديمقراطية الوباء الحقيقي ومساواته بين الضحايا، يركز على إصابة أثرياء الكوكب فقط أصحاب الملايين والمليارات الذين لا يقرأون الكتب، ولا يهتمون بسوى أنفسهم وثرواتهم، كما يقدمهم الفيلم.

الشخصية الرئيسة التي تخوض الرحلة هنا هي لورا (ماري إليزابيث)، التي كانت تتنقل على متن طائرات رجال الأعمال بين برشلونة في إسبانيا إلى الولايات المتحدة لخدمة مصالحهم. وكانت حتى ظهور هذا الوباء الغريب، مجرد موظفة كادحة، تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، إلى أن يتغير مصيرها ويتهدد، وتثرى فجأة، تزامنا مع انتشار الوباء غير المعروفة أسبابه، في جميع أنحاء العالم، مما يجبرها، هي وأسرتها المكونة من والدها وابنتها المراهقة ووالدتها، على خوض رحلية عكسية من أوروبا إلى أفريقيا. أي من حياة الرفاه، إلى حياة الفقر، التي تبدو هنا الوسيلة الوحيدة للنجاة.

لا يسعنا سوى الاعتراف بضعف سيناريو الفيلم إذ يبدو مبعثرا بين عدد من التفاصيل والشخصيات

مخرج هذا الفيلم هو صاحب الفيلم الشهير "المنصة" أو "الحفرة" The platform من إنتاجات "نتفليكس". وكان أحد همومه البحث عن مفهوم العدالة الاجتماعية المفقود والمساواة بين الطبقات أو طوابق المنصة نفسها وسكانها، وهو بحث لم يصل إلى النتيجة المنشودة في جزءي الفيلم.

في "إنفلونزا الأغنياء" علينا أن نعترف بنبل القضية التي يطرحها، وشجاعته في تحميل المواطن الأوروبي الأبيض ضمنيا مأساة نهاية العالم، بسبب جشعه وطمعه. غير أنه لا يسعنا أيضا سوى الاعتراف بضعف سيناريو الفيلم، الذي يشترك في العمل عليه أكثر من كاتب مع ذلك، إذ يبدو مبعثرا بين عدد من التفاصيل والشخصيات التي تظهر في النصف الأول من الفيلم، ثم تختفي تماما في نصفه الثاني. في الواقع، تتركز كل قوة الفيلم، وقدرته على جذب الانتباه منذ بدء رحلة البطلة، في الهرب العكسي إلى الجنوب، مرورا بمشهد المعاملة القاسية التي تتعرض لها وأسرتها بصفتها لاجئة أوروبية على أرض أفريقية، وكأنه مشهد انتقامي مقلوب لنرجسية أوروبا وتعنتها مع المهاجرين. ولعل أكثر ما يبقى في الذاكرة من هذا الفيلم، هو مشهد النهاية، الذي يقضي على كل أمل في أن يتخلص الإنسان من آفة الطمع، ورغبته في الامتلاك بأي ثمن.  

مشهد من فيلم "Rich Flu"

The Monkey

تأليف: أوسغود بيركنز (عن قصة قصيرة للكاتب ستيفن كينغ)

إخراج: أوسغود بيركنز

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، إنكلترا، كندا

أحد الأفلام المنتظرة هذا العام، سواء من محبي عالم كاتب الرعب الأشهر ستيفن كينغ، أو من محبي نوع الرعب عموما، لا سيما أن مخرجه وكاتب السيناريو السينمائي أوسغود بيركنز، هو صاحب فيلم Longlegs أحد أنجح أفلام الرعب الأميركية التي عُرضت العام الماضي. من الطبيعي إذن، أن يرتفع سقف توقعاتنا، وأن نطمح إلى تجربة مشاهدة مثيرة للاهتمام، لهذا الفيلم الذي يتخذ عنوانه "القرد" من لعبة أطفال، كنا نلهو بها في كل أنحاء العالم: القرد الخالد على وضع الاستعداد للاحتفال وقرع الطبول. ولطبيعة النوع، يرتبط هذا الاحتفاء للدمية بمصيبة الموت التي تتنزل على أحد المحيطين باللعبة، سوى الذي أدار المفتاح، وشغلها.

يتوزع فيلم "القرد" بين عالمين. في النصف الساعة الأولى، نحن إزاء عالم ستيفن كينغ بمفرداته الشهيرة والمتكررة: الطفل الهش (هال)، الذي يتعرض للتنمر، والذي يوقظ بحسن نية، قوى شريرة، لا يستطيع التصدي لها. لاحقا، بعد النصف ساعة، ينتقل الفيلم إلى عالم أوسغود برينكز، بالتحديد هذا الذي تجلى في "الأرجل الطويلة"، حيث الأسرار العائلية المدفونة، وصفقات أفرادها مع الشرير في محاولة للنجاة من الأذى، عبر تسليطه على الآخرين. يقرر بيل، الشقيق التوأم لهال (يؤدي الدورين ممثل واحد هو ثيو جيمس)، أن يستعمل لاحقا الدمية لإشباع انتقامه من الحياة التي اختطفت أمه، مقترفا عبر هذا القرد المزيد من الميتات المريعة.  

راهن أوسغود على خيار أسلوبي معين: هو تقديم فيلم رعب يسخر من أفلام الرعب

في فيلم العام الماضي، قدم نيكولاس كيدج أداء بارعا لذلك الكيان الهجين والمرعب بين الإنساني والشيطاني. أما في "القرد"، فمن الصعب أن نشهد أداءات سينمائية لافتة، ربما باستثناء القرد الأصم نفسه، الذي لن نعرف حتى النهاية لا أصل لعنته ولا فصلها. في المقابل، راهن أوسغود على خيار أسلوبي معين: هو تقديم فيلم رعب يسخر من أفلام الرعب. وتصوير ميتات مريعة بالدم، لكنها فانتازية تسخر من الدم، والميت والحي على حد سواء. خيار بدا محاولة يائسة لإنقاذ فيلم تمزق بين فكرين، ولم يعثر لنفسه على هوية واضحة بين العالمين، عالم كينغ وعالم أوسغود. فيلم صُنع على عجل، كما يظهر، من أجل شباك التذاكر، وكان يمكن أن يحقق إيرادات أكبر، فقط لو حظي باعتناء حقيقي على مستوى الكتابة.

مشهد من فيلم "The Monkey"

Sugarcane

إخراج: جوليان بريف نوازكات، إيميلي كاسي

بلد الإنتاج: كندا، الولايات المتحدة الأميركية

بدءا من 1894، أجبرت الحكومة الكندية أبناء السكان الأصليين على ارتياد مدارس داخلية منفصلة، كانت تديرها الكنيسة الكاثوليكية. أُنشئت هذه المدارس بهدف التخلص مما أسمته الحكومة الاستعمارية آنذاك "المشكلة الهندية". مدرسة إرسالية سانت جوزيف، إحدى هذه المدارس، وكانت تقع ضمن منطقة محمية "شوغركين"، الذي يحمل هذا الفيلم التسجيلي عنوانها. بعد سنوات اكتُشف في موقع مدرسة الإرسالية، أكثر من مائتي مقبرة مجهولة لصبية وبنات من أبناء السكان الأصليين. حاليا قرر مجموعة من الهنود الكنديين الذين خضعوا بشكل مباشر لانتهاكات القساوسة ورجال الدين الكاثوليك، أن يعيدوا فتح هذا الملف، واستئناف التحقيقات التي أُجريت أثناء حدوث تلك الانتهاكات، وأغلقت في حينها، لأن أحدا من أصحاب السلطة، لم يبد اشمئزازه مما يحدث. "كانوا يقولون إنه مجرد طفل هندي آخر يموت".

عبر صناعة هذا الفيلم، يشارك جوليان بريف نوازكات، وهو شاب هندي كندي، أحد مخرجي هذا الفيلم، في التحقيقات التي تبنتها الدولة الكندية ورئيس وزرائها في محاولة للوصول إلى صيغة مصالحة مع الماضي الوحشي. جوليان، لم يكن طالبا في هذه المدارس، لكن جدته كانت، هناك أنجبت ابنها إد، والد جوليان، الذي لا يعرف عن حياته الأولى إلا أنه كان "طفل سلة المهملات"، حيث تخلصت منه جنينا إحدى الراهبات، لكنه بقي بإعجاز على قيد الحياة. كان اعتداء رجال الدين على فتيات وفتيان المدرسة مسألة متكررة، كذلك كان التخلص من الصغار المولودين عن هذه الانتهاكات، مرة بالحرق، ومرات بالإلقاء في المهملات.

تاريخ أسود، لا يستطيع الهنود الذين شهدوه حتى وهم وهن في السبعين والثمانين من العمر، أن يرووه بلا بكاء، ولا أن يتعايشوا معه بسلام

تاريخ أسود، لا يستطيع الهنود الذين شهدوه حتى وهم وهن في السبعين والثمانين من العمر، أن يرووه بلا بكاء، ولا أن يتعايشوا معه بسلام. ومع ذلك، لا تتوقف نتائج ما حدث على نفوس الضحايا، بل نرى كيف انتقلت من جيل إلى آخر، بما في ذلك إلى الأجيال التي لم تولد ولا عاشت في تلك المؤسسات. يحاول جوليان اليوم ألا ينقل هذه الصدمة إلى أولاده، لذا لا يجد بدا من مراجعة الماضي، ماضي علاقته الخائبة بأبيه، وماضي علاقة أبيه الأشد سوءا بوالدته. ينقل "شوغركين" جانبا من فجائع الأمس، من دون أن يستبعد الأمل في الغد. تبقى الكاميرا مرتبطة بالمكان، وتلتقط بحساسية جمالياته، ولو مجرد لفتة لكلبين وديعين، أو إعادة أداء لطقس ديني مرح مقدس عند السكان الأصليين، رغم كل قسوة في الماضي. إنها حياة جوليان أيضا وأولاده التي تستحق التفاؤل. فيلم آسر وعذب، على قسوة موضوعه، يبدأ بسؤال شخصي، وينتهي بالنحيب، كإجابة وحيدة ممكنة، لا تسد مع ذلك باب الحياة.

مشهد من فيلم "Sugarcane"

الفيلم: تيتا

تأليف: أحمد سمير

إخراج: أحمد سمير

بلد الإنتاج: مصر

مع أن هذا الفيلم القصير، يحمل عنوان "تيتا"، وهي تسمية الجدة في اللهجات العربية، يمكن القول إن الموضوع الأساس له هو الأمومة، بأنوارها وظلالها كافة، ووجهيها المتتابعين، الطيّب المعطاء العطوف، والشرير والمخيف والملتهِم حتى. يدور الفيلم بالكامل في ديكور داخلي، شقة ضيقة، تعيش فيها الأم (تؤدي دورها منى هلا) وهي في أواخر شهور الحمل، وابنها العالق معها (يؤدي دوره الطفل شمس حجاب). بسبب اكتئاب الحمل، وقرب الولادة، ونتيجة للحالة الجسدية والذهنية الحرجة، تعيش الأم الشابة الوحيدة على أعصابها، وتختلط لديها لحظات الصحو بالمنام.

بينما يعيش ابنها، الذي يمثل بالنسبة إليها في لحظات محددة عبئا فوق أعبائها، حالة حداد تتجاوز إدراكه بعد رحيل جدته "تيتا" الطيبة التي لم تدخر حنانا تعطيه لحفيدها. أي أن بطلي هذا الفيلم القصير، شبه الحبيسين في الشقة الضيقة، في عزلة نفسية عن الناس، يعانيان بالمثل من حالة وجدانية غير مستقرة تجعل رؤيتهما للعالم، محل شك من وجهة نظر المشاهد.

فيلم يمتلئ بالعلامات والتفاصيل والذكريات التي تخلق تجربة فرجة مثيرة للتأمل

يرفض الولد تصديق موت الجدة، أو أنه غير قادر على استيعاب فكرة الموت في ذاتها، وفي محاولة للتحايل على عجزه عن الفهم، يعتقد أن جدته لم ترحل تماما، وأنها تعيش في بطن والدته، ويقول حين توبخه الأم وتسيء إليه أو تقسو عليه، أن أمه قد ابتلعت جدته. أي أن الأم الشريرة قد ابتلعت الأم الطيبة، أو استحوذت عليها بالكامل، حسب تفسير الطفل. ويستجدي الصغير الأم أن تعيد إليه جدته، ويبالغ مؤكدا حضور روح الجدة، في الشقة نفسها. تستثير حالة الابن وكأنه الآن عالق في منطقة بين حالة الجنين والخروج إلى العالم، لا فقط كوابيس الأم لكن احتياجها هي الأخرى الى أم ترافقها في حدادها وحياتها وعجزها عن لعب دور الأم. هل كانت أم الأم رفيقة في تعاملها مع ابنتها، كما كانت مع حفيدها؟ لا يجيب الفيلم، لكن ربما انفعال الشابة المستمر يصف علاقة مختلفة مع السيدة نفسها. فيلم يمتلئ بالعلامات والتفاصيل والذكريات التي تخلق تجربة فرجة مثيرة للتأمل، حتى بعد انتهاء المشاهدة.

مشهد من فيلم "Teta"

Hard Truths

تأليف: مايك لي

إخراج: مايك لي

بلد الإنتاج: بريطانيا، إسبانيا

بعد ساعة وعشر دقائق تقريبا من بداية فيلم "حقائق مرّة" نرى بطلته بانزي (تؤدي دورها ماريان جان باتيست) تبتسم لأول مرة، وتضحك ضحكة قصيرة بعد جهد من شقيقتها شانتال (ميشيل أوستين).

السيدة الغاضبة من العالم أجمع، المستاءة من مقدمي الخدمات، سواء طبيبة شابة أو الباعة في المحلات، تجد دائما ثغرة في تعاملات الآخرين وأحاديثهم، تجعلها لا فقط تنفجر فيهم، لكن أيضا تتأكد أنها لا يمكن أن تغادر تعاستها، وتخرج للقاء الحياة الحقيقية، الحياة السعيدة التي تتحدث عنها شقيقتها، وتظهر في علاقتها بابنتيها، أو التي تشهد عليها أحاديث السيدات في صالون الحلاقة. المشكلة أن تعاسة بانزي، تنعكس على من حولها، ابنها موساس (توواين باريت) الذي يتلقى انتقادا على مدار الأربع وعشرين ساعة من والدته. وهو عاطل عن العمل، ومنسحب تقريبا من المجتمع، وكذلك زوجها كورتلي (ديفيد ويبر) الذي ينخرط في أعمال صيانة مهلكة، لم يعد يتحملها جسده، ويستسلم لديناميكية العلاقة الباردة والمقلقة مع زوجته في البيت.

الفيلم يجعلنا نميل إلى رؤية أفراد الأسرة مضطربين كلهم بصورة ما، لنتقبلهم إذن كما هم تقريبا كما نتقبل أفراد عائلاتنا

هذه الابتسامة المتأخرة لبانزي تواسينا، لأن "حقائق مرة" يقدم في الأخير صورة مقربة بشدة عن العلاقات الأسرية، وعن القلق والغضب والاكتئاب لا بصفتها معاناة شخصية، بل كأنها معاناة مجتمع أكبر تتجسد في أشخاصه الأشد هشاشة. في الفيلم مع ذلك، مشاهد خفيفة الظل، فحتى انفجارات بانزي اليومية مع الناس، غالبا ما تثير الضحك، لأنها متوقعة من جانب، ولأنها متخلصة من سوء النية من جانب آخر. صحيح أن مايك لي، يقدم لنا في مناسبة عيد الأم الذي تضطر بانزي إلى حضوره مع شانتال، نبذة عن علاقتها بوالدتها الراحلة، والتي اتسمت بالقسوة وكثرة الانتقاد، مما شكّل في النهاية شخصيتها، إلا أن الفيلم يجعلنا نميل إلى رؤية أفراد الأسرة  مضطربين كلهم بصورة ما، لنتقبلهم إذن كما هم تقريبا كما نتقبل أفراد عائلاتنا. فيلم حميمي جميل تقدم فيه ماريان جان باتيست أداء كان يستحق المنافسة على أرفع جوائز التمثيل.

مشهد من فيلم "Hard Truths"

من ذاكرة السينما

الزردة وأغاني النسيان (صدر عام 1983)

سيناريو: آسيا جبار ومالك علولة

إخراج: آسيا جبار

بلد الإنتاج: الجزائر

هذا الفيلم الوثائقي الذي لا يتجاوز زمنه الساعة الواحدة وهو بالأبيض والأسود، يحاول أن يعيد تركيب الحكاية التي تخيلها الاستعمار عن البلاد المستعمَرة، حين استلب الطقوس والصور والوجوه والهمهمات اليومية والأشغال الشاقة التي يؤديها يوميا أصحاب الأرض، وصوّرها مع بداية اختراع الآت التصوير، كي يحكيها على نحو ما يريد هو، وانطلاقا من معرفته الناقصة بالبلاد، ونظرته المشوِّهة لناسها. تعتمد آسيا جبار على لقطات وصور أرشيفية، ترتبها وتعيد بثها مصحوبة بإلقاء مختلف للحكاية من عين المستعمَر، وبلغتين هما العربية والفرنسية.

فيلم يبرز قدرة السينما على أن تكون تجربة تأملية لا فقط للتاريخ إنما كذلك للذات

يتخذ الفيلم طابعا تجريبيا مع هذا اللعب المستمر بالصور إن جاز التعبير، وعدم اعتماده على قصة أو خط محدد يتطور بالمعنى المعروف، وطوافه الحر بين المدن، عربية وغريبة، ثم عودته كل مرة للتوقف على وجوه الناس كبارا وصغارا. من العبارات التي لا تُنسى وتتكرر مرات عدة في الفيلم: "الذاكرة جسد امرأة ملثمة. عينها الطليقة وحدها تركز حاضرنا". الإلقاء مع الأداء المسرحي الرفيع لمجموعة من المؤدين من النساء والرجال يعطي الفيلم حيوية، ويساهم في صياغة السردية المضادة للسردية الاستعمارية بلغة جمالية، شعرية غير مباشرة. تجعل الكلمة المكتوبة، سواء بالعربية أو الفرنسية، أداة معبرة في فيلم سينمائي من نوع خاص.

الزردة

يستعرض الفيلم مشاهد من مدن عربية عدة في لحظات تعقب أو تسبق إعلان الاستعمار عليها، مثل مدينة فاس في المغرب عام 1911، وتونس عام 1912، وحتى القاهرة في الآونة نفسها. وبين آن وآخر، ينقل الفيلم صورا من باريس (بصفتها سفيرة لدول الاستعمار في هذا السياق)، ليصف جانبا آخر من العلاقات الجزائرية الفرنسية. مثلا المحاصيل التي كانت تصدرها الجزائر ويأكل منها الشعب الفرنسي، واعتماد فرنسا على الجزائريين ليقاتلوا في صفها أثناء الحرب العالمية. وسط هذا التتابع البصري، نشاهد افتتاح مسجد في باريس لأول مرة، ثم مجموعة أخرى من الافتتاحات التي يأتي التعليق بالفرنسية عليها: "إنهم يفتتحون ماذا سوى المزيد من البؤس؟" يعرض الفيلم صورا للمقاومين كعمر المختار وهو على المشنقة، وكلما طغى علينا الشعور بالألم مما نرى، أعادنا إلى وجوه النساء وظهورهن بالأزياء الشعبية المميزة. "الزردة وأغاني النسيان"، فيلم يُبرز قدرة السينما على أن تكون تجربة تأملية لا فقط للتاريخ إنما كذلك للذات، وبمساعدة من شريط صوته المميز.     

font change

مقالات ذات صلة