اليوم العالمي للضمير... يوم للتأمل في حال البشرية

كل خطوة صغيرة نحو الرحمة تُحدث فرقا

AFP
AFP

اليوم العالمي للضمير... يوم للتأمل في حال البشرية

"فلنتخيل عالما تنبع فيه الأفعال من معين المحبة الإنسانية، ويهتدي فيه الناس بنور الضمير، ويُجل بعضهم بعضا في وئام تتفيأ ظلاله الإنسانية كلها، لتبني عالما لا يُحتكم فيه إلى المصالح الضيقة، بل إلى شعور صادق بالحق والخير، ونكران للشر في كل صوره، وإحساس عميق بما هو خير وعادل ونبيل".

هذا بعض ما جاء في موقع الأمم المتحدة لمناسبة اليوم العالمي للضمير الذي يصادف في الخامس من أبريل/ نيسان من كل عام. أسست الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في 25 يوليو/ تموز 2019 وتبناه قرار الأمم المتحدة 73/329. واحتفل باليوم الدولي الأول للضمير في 2020.

ويتابع الموقع خطابه متطرقا إلى الشعوب التي تعاني درجات مختلفة من الانقسام المجتمعي والتهتك القيمي، كما سوريا بعد عقود من القمع والفساد والاستبداد، وسنوات من العنف فيذكر بـ"الدور الجوهري للضمير في دفع النفوس إلى دروب السلم والصفح والاحترام المتبادل. وهو يوم ما أُعلن عنه إلا ليوقظ فينا جذوة التأمل الأخلاقي، ويستحث فينا الرحمة، في زمن تشتد فيه الأزمات وتتقاطع فيه التحديات على امتداد الأفق".

رومانسية

في الواقع، يبدو هذا الكلام منطقيا، إنما رومانسي بامتياز، بقدر حصر مفهوم الضمير حاليا بالأخلاق وحدها وعلى محتوى الضمير وروافده الأخلاقية والمعرفية. إذ أن مفهوم الضمير يتداخل مع مفهوم الوعي، بل إنه يمثل الوعي، وهو مفهوم مركزي في علم النفس والفلسفة، انطلاقا من قدرة العقل على أن يكون على دراية بنفسه وبيئته. إنه يشمل جميع التجارب الذاتية والأفكار والعواطف والأحاسيس التي تشكل واقع البشر والمجتمعات. ويعبر عن قدرة العقل على أن يكون على دراية بنفسه وبيئته، أي أنه يدور في مجال التجربة الذاتية، بما في ذلك الأفكار والعواطف وإدراك العالم الخارجي. لكن يمكن القول إن الوعي ليس حالة ثابتة، بل هو عملية ديناميكية ومستمرة تحدث بمرور الوقت. هذا التدفق المستمر للتجارب الداخلية هو الذي نسميه "تيار الوعي".

مفهوم الضمير يتداخل مع مفهوم الوعي، بل إنه يمثل الوعي، وهو مفهوم مركزي في علم النفس والفلسفة

لذلك فإن الوعي هو مجال دراسة معقد يطرح أسئلة أساسية حول طبيعة العقل والواقع. فهم الوعي هو فهم ما يجعلنا بشرا وما يسمح لنا بتجربة العالم بطريقة فريدة وشخصية. هذا في حالة الاستقرار، فكيف بحالة الوعي الواقع تحت ضغط الموروثات المتكلسة، من دون معالجتها وفسح طرق العقل الجمعي ليكون فاعلا ومنتجا ومواكبا للحضارة الإنسانية؟ فالوعي عملية ديناميكية دائمة التطور. الأفكار والعواطف والأحاسيس في حركة دائمة، تتغير باستمرار، وتستجيب للمؤثرات الخارجية، وطرق إنتاج معارفها أو أدوات المعرفة لديها. ولا يمكن إغفال دور الثورة الرقمية والميديا المتعددة الحالية، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي في التأثير بالوعي العام وصناعته، وبالتالي إحياء الضمير وقيمه من أجل أن يكون هدفا مجديا ورافعا، تتوجه به الأمم المتحدة إلى شعوب الأرض وأنظمتها.

يدرك كل فرد العالم من حوله ويفسره من خلال منظور تجاربه وقيمه ومعتقداته وعواطفه، فما هو مهم لفرد قد يكون ضئيلا بالنسبة لفرد آخر، والأحاسيس والأفكار التي يختبرها المرء فريدة من نوعها في إطار تجربته الخاصة. إنما لا يمكن فصل هذه التجارب الفردية والخاصة عن مجموع القيم والأفكار والمعارف التي يتلقاها الفرد في بيئته المتدرجة من الضيقة إلى الأوسع، حتى يتشكل لدينا ما يسمى الوعي العام، أو الجماعي.

Hannah McKay/Reuters
ركّاب يعبرون جسر لندن عند شروق الشمس

مفهوم اجتماعي

هو مفهوم اجتماعي أساسي يشير إلى مجموعة المعتقدات والأفكار والمواقف والمعرفة المشتركة والجمعية بين مجموعة اجتماعية أو مجتمع. يعلّم الوعي الجماعي الإحساس بالانتماء والهوية والسلوك. وكان عالم الاجتماع المؤسس إميل دوركايم طرح هذا المفهوم لشرح كيفية ارتباط الأفراد الفريدين معا في وحدات جماعية مثل المجموعات الاجتماعية أو المجتمعات الصغيرة ضمن مجتمع كبير.

ما الذي يحافظ على تماسك المجتمع؟ كان السؤال المركزي الذي شغل دوركايم عندما كتب عن المجتمعات الصناعية الجديدة في القرن التاسع عشر. من خلال النظر في العادات والسلوك والمعتقدات الموثقة للمجتمعات التقليدية والبدائية، ومقارنتها بما رآه حوله في حياته الخاصة، طور دوركايم بعضا من أهم النظريات في علم الاجتماع. وخلص إلى أن المجتمع موجود لأن الأفراد الفريدين يشعرون بالتضامن بعضهم مع بعض. لهذا السبب يمكن البشر تشكيل مجموعات والعمل معا لتحقيق وحدات مجتمعية وظيفية، والضمير الجماعي، هو مصدر هذا التضامن.

طرح دوركايم هذا المفهوم لشرح كيفية ارتباط الأفراد الفريدين معا في وحدات جماعية مثل المجموعات الاجتماعية أو المجتمعات الصغيرة

قدم دوركايم نظريته في الوعي الجماعي لأول مرة في كتابه عام 1893 "تقسيم العمل في المجتمع" (في وقت لاحق، اعتمد أيضا على المفهوم في كتب أخرى، بما في ذلك "قواعد المنهج الاجتماعي" و"الانتحار" و"الأشكال الأولية للحياة الدينية"). في ذلك، يوضح أن الوعي الجماعي هو "مجمل المعتقدات والمشاعر المشتركة بين الأعضاء العاديين في المجتمع"، ملاحظا أنه في المجتمعات التقليدية أو البدائية، تفضل الرموز الدينية والخطب والمعتقدات والطقوس الوعي الجماعي. في مثل هذه الحالات، حيث كانت المجموعات الاجتماعية متجانسة إلى حد ما (لا تتميز بالعرق أو الطبقة، على سبيل المثل)، أدى الوعي الجماعي إلى ما أسماه دوركايم "التضامن الميكانيكي" - في الواقع، اتصال تلقائي بين الناس في مجموعة من خلال علاقاتهم التي تتشارك القيم والمعتقدات والممارسات.

AFP PHOTO / LUDOVIC MARIN
رجل يسير في شارع ريفولي بجانب متحف اللوفر عند غروب الشمس

لاحظ دوركايم أنه في المجتمعات الصناعية الحديثة التي ميزت أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية الفتية في الوقت الذي كان يكتب فيه، والتي كانت تعمل من خلال تقسيم العمل، ظهر "تضامن عضوي"، قائم على الثقة المتبادلة التي يتمتع بها الأفراد والجماعات في ما بينهم للسماح للمجتمع بالعمل. في مثل هذه الحالات، لا يزال الدين يؤدي دورا مهما في إنتاج الوعي الجماعي بين مجموعات من الناس المنتمين إلى ديانات مختلفة، لكن المؤسسات والهياكل الاجتماعية الأخرى كانت تعمل أيضا على إنتاج الوعي الجماعي الضروري لهذا الشكل الأعقد من التضامن والطقوس. بصرف النظر عن الدين، سيؤدي الوعي دورا مهما في إعادة تأكيده.

الفرد والمؤسسة

في الواقع الحالي، تنتج المؤسسات الاجتماعية وعيا جماعيا، تشمل هذه المؤسسات الأخرى الدولة (التي تشجع الوطنية والقومية)، والأخبار ووسائل الإعلام الشعبية التي تنشر جميع أنواع الأفكار والممارسات، والتعليم (الذي يجعلنا مواطنين وعمالا مطيعين)، والشرطة والنظام القضائي (اللذان يشكلان المفاهيم حول الصواب والخطأ ويوجهان السلوك من خلال التهديد أو القوة البدنية الفعلية)، من بين أمور أخرى. وهذا أمر معروف ومضبوط بقوة في الأنظمة الشمولية. كما حال سوريا خلال العقود الفائتة، لذلك فإن الوعي الجمعي، في ظل هذه الظروف كان شديد التأثر بالمرحلة السابقة التي اتسمت بالحد الأقصى من العنف والتضليل الإعلامي من قبل مجمل الأطراف الضالعة بالشأن السوري، فكانت النتيجة هذا التهتك المجتمعي، وانفجار معظم أشكال الغوغائية وغريزة القطيع، ونكوص المجتمعات الصغيرة التي ازداد تماسكها تحت ظروف الحرب التي طالت، نحو الماضوية، في مظهر لافت من غياب الوعي الجمعي والضمير.

لعل أكثر ما تحتاج إليه البشرية، في عصرنا الحالي، هو إعادة الحياة إلى ثقافة الحوار ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز

هذا له أسبابه الكثيرة والمتنوعة، قد يكون من أبرزها تردي التعليم إلى مستويات شديدة الانحدار بسبب الأزمات الاقتصادية وظروف اللجوء ودخول شريحة واسعة من الشعب في حالة عطالة إنتاجية شديدة، بالإضافة إلى انعدام أو تخلخل معظم المبادئ والقيم التي كان الشعب يتباهى بها كحالة من الهوية التاريخية التي تدعو إلى الفخر، بالإضافة إلى أمور كثيرة يمكن ملاحظتها وشرحها، مما يقع على مجتمعات تعاني هذه الظروف من مخرجاتها

GettyImages
حشود في تقاطع طرق في نيويورك تظهر في صورة ظلية

لعل أكثر ما تحتاج إليه البشرية، في عصرنا الحالي، هو إعادة الحياة إلى ثقافة الحوار ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز، وإيقاف الحروب الصغيرة والكبيرة، وإلقاء السلاح من اجل أن يجد العقل مساحته الخاصة بعيدا من ضجيج البنادق، وتستريح الأرواح المنهكة والمتعبة من التجييش والحشد العنصري، من أجل الوصول إلى السلام المنشود، البيني والداخلي، على الصعد الحيوية، فتعيد وصل ما انقطع من شرايين الحياة والوعي.

وإذ رأت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن "يوم الضمير" جدير بأن يكون يوما للتأمل، فإنه يمثل فرصة لكي يتأمل البشر في كيفية الإسهام في بناء عالم أكثر لطفا وشمولا، إذ يذكرنا بأن كل خطوة صغيرة نحو الرحمة تحدث فرقا.

font change