لا يوجد أي مبرر، لا سياسي ولا أمني، للضربات القاسية والمتوالية التي توجهها إسرائيل ضد لبنان وضد سوريا، إذ لا يوجد ما يهددها في هذين البلدين، أقله في المدى المنظور، لشن ما قد تعتبره حربا استباقية، علما أن ذلك ينطبق على حرب الإبادة المهولة التي تصر على مواصلة شنها منذ 18 شهرا، ضد فلسطينيي قطاع غزة، وحتى ضد فلسطينيي الضفة الغربية، بخاصة، مع سعيها في سحق ومحو مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فيها.
القصد أنه لا يمكن إحالة العدوانية الإسرائيلية المتوحشة إلى رغبة بنيامين نتنياهو في التملص من المحاكمة والمحاسبة، أو إطالة عمره السياسي، في الفوز بأية انتخابات قادمة، كما يعتقد بعضهم، كما أنه ليس لذلك علاقة بالضغط لتحرير الرهائن، فهؤلاء لم يعودوا ورقة ضغط منذ أشهر عديدة، لأن كل ذلك استنفذ منذ زمن طويل، بعد أن بات نتنياهو بمثابة الزعيم اللامنازع للإسرائيليين.
أيضا، فإن توحش إسرائيل، ضد الفلسطينيين وضد سوريا ولبنان، لا يمكن تفسيره حتى باعتباره بمثابة رد فعل على عملية "طوفان الأقصى" (أواخر 2023) فقط، إذ إن تلك العملية خلقت الفرصة السانحة لإسرائيل للقيام بما تقوم به، لكن ما فعلته إسرائيل يفوق ردة الفعل على ذلك الحدث، وعلى مختلف الجبهات.
وهذا حصل في مواجهات سابقة، إذ يقول دان شيفنون (رئيس مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا): "ليست (حماس)، ولا غزة، ولا القسام أهداف الحرب ومعيار نجاحها. في غزة نحن نحارب للبت بمصير التطرف في المنطقة وأسطورة المقاومة. هذا ما يعرفونه جيدا في طهران وبيروت ودمشق" (يديعوت أحرونوت- 15/1/2009).
تفسير وحشية إسرائيل يكمن في أننا إزاء حكومة أيديولوجية لديها تصور معين لإسرائيل، ولمكانتها في محيطها، وهي حكومة متطرفين حتى ضد اليهود فيها المختلفين معها
أيضا أورن يفتاحئيل، أستاذ الجغرافيا السياسية، أكد ذلك في بداية الحقبة الثانية لنتنياهو في رئاسة حكومة إسرائيل (2009-2021)، بقوله: "هذه الحرب استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفا متشددا ووحشيا يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد... إسكات التاريخ يشكل أيضا محوا للمكان الفلسطيني، ومعه الحقوق السياسية الكاملة... الغزو الإسرائيلي لغزة ليس فقط عملية لوقف الصواريخ، أو لتلميع شخصيات للانتخابات أو محاولة لترميم الردع. الغزو ليس فقط محاولة لإسقاط حكومة (حماس)، وليس مسعى إمبرياليا (إسرائيليا-أميركيا) للسيطرة، هو كل تلك الأمور" (المشهد الإسرائيلي- 18/1/2009).
على ذلك، فإن تفسير وحشية إسرائيل، وما تقوم به، في ظل حكومة المتطرفين (نتنياهو، سموتريتش، بن غفير)، يكمن في أننا إزاء حكومة أيديولوجية تضم اليمين القومي والديني، أي إن لديها تصورا معينا لإسرائيل، ولمكانتها في محيطها، وهي حكومة متطرفين أيديولوجيين حتى ضد اليهود فيها المختلفين معها.
في الواقع فإن تلك الحكومة وجدت في الظروف الدولية والإقليمية والعربية، الراهنة، فرصة مناسبة لها لإحداث تغييرات جوهرية في طبيعة إسرائيل، وتعزيز مكانتها إزاء محيطها وتموضعها في الإطار الدولي، إن بتغليب طابعها كدولة يهودية/دينية، على حساب طابعها كدولة ديمقراطية/ليبرالية (لمواطنيها اليهود)، مع تقويض، أو تهميش، السلطة القضائية فيها، من جهة، ومن الجهة الثانية، باستعادة مكانتها كقوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، على حساب إيران وتركيا أيضا، مع شطب الفلسطينيين من المعادلات السياسية.
إسرائيل تحاول استعادة دورها، كقوة إقليمية وحيدة في الشرق الأوسط، وربما أكثر، وهو الدور الذي فرضته بعد حرب 1967، بهزيمتها عدة أنظمة عربية
المهم أن إسرائيل تحاول، عبر تلك العدوانية، استعادة دورها، كقوة إقليمية وحيدة في الشرق الأوسط، وربما أكثر، وهو الدور الذي فرضته بعد حرب 1967، بهزيمتها عدة أنظمة عربية، بعد أن تضاءل هذا الدور، نتيجة التداعيات الناجمة عن حرب الخليج الثانية، وغزو الولايات المتحدة للعراق (2003)، مع صعود دور إيران في المنطقة، وتاليا ازدياد دور تركيا فيها.
ما عزز من ذلك التوجه لدى إسرائيل، حاليا أنها تلقى الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب اليمينية المتطرفة، والتي تحارب العالم، لفرض مصالحها وقيمها عليه، بما يشمل حتى الدول الصديقة لها، لذا حصل هذا التلاقي في الأهواء والمصالح والسياسات، الأمر الذي يشجع نتنياهو على شن كل حروبه وهو في غاية الارتياح.
كل ما تقدم يفيد بأن ما يفعله نتنياهو هو في صلب التفكير الأمني الإسرائيلي، وأنه فقط كان ينتظر الحكومة التي تتبناه، والظرف الذي يساعد عليه. مثلا، إبان مواجهات الانتفاضة الثانية، طرح البروفيسور مارتين فان-كرفيلد، أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ بالجامعة العبرية، وأحد كبار المتخصصين في الاستراتيجية العسكرية، طرح نظرية تدعو إلى توجيه ضربة قاسية للفلسطينيين، مفادها أنه "لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية. فصل مطلق على مدار جيل أو جيلين، أو وفقا لما يحتاجه الأمر... لإعادة ميزان الردع... هذه الأمور يجب أن ننفذها بسرعة مطلقة وبقوة دون أن نتأسف... أنا في هذه الحالة سأستعمل المدفعية، وليس الطيران، لأنني أريد أن أنظر إليهم في عيونهم إذ لا فائدة من هذه الحملة إن لم تبرهن بأعمالك أنك يمكن أن تفعل كل شيء... علينا أن نضربهم بقسوة بكل ما بوسعنا حتى لا نعود إلى ذلك، وحتى لا يهاجمونا من الخلف عند خروجنا، علينا أن نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية... من الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا" (إمتساع حضيرة- 8/3/2002).
إسرائيل تريد فرض مجال حيوي جغرافي في محيطها قدره عشرات الكيلومترات، وضمن ذلك منع وجود أية قوة عسكرية إقليمية وازنة، ليس إيران فقط
هكذا، فإن إسرائيل لا تقوم بحروبها ضد الفلسطينيين، ولبنان وسوريا، فقط على سبيل وأد أية إرادة للمقاومة مستقبلا، مهما كان شكلها أو مستواها، ولا على سبيل حرب وقائية، علما أنه لم يعد ثمة ممكنات لها في المدى المنظور، لا على صعيد دولتي ولا على صعيد ميليشياوي، وإنما تتوخى أيضا فرض مجال حيوي جغرافي في محيطها قدره عشرات الكيلومترات، وضمن ذلك منع وجود أية قوة عسكرية إقليمية وازنة، ليس إيران فقط، وهي باتت تحت التهديد، أميركيا وإسرائيليا داخل حدودها، وإنما ينطبق ذلك أيضا على تركيا، أي عدم إتاحة أي دور لتركيا في سوريا، في ظل النظام الجديد، باعتبار أن إسرائيل هي القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة، في إطار الهندسة الجديدة للشرق الأوسط.