ترمب يعيد سياسات التجارة الأميركية إلى القرن التاسع عشر

يبني "جدار الحماية" ويرفع الرسوم الجمركية على جميع الدول

رويترز
رويترز
أحد المتداولين في بورصة نيويورك للأوراق المالية في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، في 3 أبريل 2025

ترمب يعيد سياسات التجارة الأميركية إلى القرن التاسع عشر

لم يتوقع الكثيرون أن يجلس دونالد ترمب متفرجا حتى الآن. ففي تحول مذهل في استراتيجية الاقتصاد الأميركي، قام بزيادة التعريفات الجمركية على جميع الواردات. في الثاني من أبريل/نيسان، وخلال حديثه من حديقة الورود في البيت الأبيض، أعلن أن أميركا ستفرض رسوما بنسبة 10 في المئة على جميع الواردات بالإضافة إلى زيادات "مقابلة" أعلى بكثير في بعض الحالات، للانتقام من الدول التي يرى أنها تعامل أميركا بشكل غير عادل. ومع إضافة هذه التعريفات إلى تلك التي جرى الإعلان عنها منذ عودته إلى البيت الأبيض، فإن النتيجة هي أنه في غضون عشرة أسابيع، بنى جدارا من الحماية حول الاقتصاد الأميركي يشبه ذلك الذي كان قائما أواخر القرن التاسع عشر.

بالنسبة للرئيس ترمب، تمثل هذه الإجراءات محاولة لإنهاء حقبة طويلة من التجارة العالمية الحرة المتزايدة بشكل حاسم. وقد جادل بأن هذا الانفتاح أتاح للدول الأخرى "استغلال" أميركا. وقال في خطابه: "لسنوات، اضطر المواطنون الأميركيون المجتهدون إلى الجلوس على الهامش بينما أصبحت دول أخرى أكثر ثراء وقوة، وكان ذلك في الغالب على حسابنا... الآن حان دورنا للازدهار". وأعلن ترمب أن التعريفات الجمركية الجديدة- وهي الأوسع نطاقا على الإطلاق التي فرضها- تشكل "إعلان الاستقلال الاقتصادي".

ستواجه دول الاتحاد الأوروبي رسوما جمركية بنسبة 20 في المئة، والهند 26 في المئة، وفيتنام 46 في المئة. أما الصين، فستواجه تعريفات لا تقل عن 54 في المئة

تجاهل ترمب بشكل ملحوظ حقيقتين أساسيتين: الأولى أن العولمة جلبت لأميركا ازدهارا غير مسبوق، والثانية أن الولايات المتحدة نفسها كانت المهندس الرئيس للقواعد التي تقوم عليها التجارة الدولية. أما الآن، فإذا نجح ترمب في تحقيق مبتغاه، فسيكون النظام الاقتصادي الذي بُني ببطء وثبات بعد الحرب العالمية الثانية قد طوى صفحته نهائيا. وبدلا من ذلك، أشاد ترمب بازدهار أميركا في أواخر القرن التاسع عشر، وهي فترة كانت فيها البلاد أفقر بكثير مما هي عليه اليوم. وقال: "يمكننا أن نصبح أكثر ثراء من أي دولة أخرى، لدرجة لا تُصدق".

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة "حواجز التجارة الخارجية" أثناء إلقائه كلمة بشأن الرسوم الجمركية في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 2 أبريل 2025

لا يزال رجال الأعمال والمستثمرون والدبلوماسيون يحاولون استيعاب تفاصيل الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترمب. لكن عند النظر إليها ككل، تبدو أشد قسوة مما كان متوقعا حتى في أسوأ السيناريوهات المحتملة لسياساته التجارية قبل أيام قليلة فقط. ووفقا لشركة الأبحاث "إيفركور آي إس آي"، ستواجه الواردات إلى أميركا الآن معدل تعريفة جمركية متوسطا مرجحا يقارب 24 في المئة، وهو ارتفاع هائل مقارنة بنحو 2 في المئة العام الماضي.

بالنسبة للأميركيين وبقية العالم، هناك وقت ضئيل جدا للتكيف. فمن المقرر أن تدخل التعريفة العامة بنسبة 10 في المئة على جميع الدول حيز التنفيذ في 5 أبريل/نيسان، بينما ستبدأ التعريفات "المعاملة بالمثل" التي تستهدف الدول ذات الفوائض الكبيرة في تجارتها الثنائية مع أميركا، في 9 أبريل/نيسان.

أشارت إدارة البيت الأبيض إلى أنها حددت هذه التعريفات من خلال مقارنة الرسوم الجمركية التي تفرضها كل دولة على أميركا مع تلك التي تفرضها أميركا عليها، إلى جانب عوامل أخرى مثل التلاعب بالعملة والحواجز التجارية، قبل قسمة الرقم إلى النصف تقريبا- وهو ما وصفه ترمب بأنه "تصرف كريم للغاية". لكن البيانات تشير إلى أن النهج المستخدم ربما كان أكثر بدائية، حيث يبدو أن البيت الأبيض قد اكتفى بحساب العجز التجاري الثنائي لأميركا كنسبة من وارداتها من كل دولة، ثم استخدم هذا الرقم لتحديد الرسوم المتبادلة.

نتيجة لهذا النهج، ستواجه دول الاتحاد الأوروبي رسوما جمركية بنسبة 20 في المئة، والهند 26 في المئة، وفيتنام 46 في المئة. أما الصين، فستواجه تعريفات لا تقل عن 54 في المئة، حيث ستُضاف رسومها "المتبادلة" فوق التعريفات القائمة بالفعل.

في بادرة رحمة صغيرة، ستُعفى بعض القطاعات من الرسوم المفروضة على الدول، بما في ذلك الرسم الجديد البالغ 25 في المئة على السيارات

بالإضافة إلى ذلك، تعهد ترمب بإغلاق ثغرة تتيح للمصنّعين الأجانب- وخاصة الصينيين- إرسال منتجات إلى أميركا تقل قيمتها عن 800 دولار دون فرض أي رسوم جمركية، وهي خطوة قد تتسبب في فوضى بقطاع التجارة الإلكترونية.

وفي بادرة رحمة صغيرة، ستُعفى بعض القطاعات من الرسوم المفروضة على الدول، بما في ذلك الرسم الجديد البالغ 25 في المئة على السيارات، ما يعني أن السيارات المصنّعة في ألمانيا، على سبيل المثال، ستخضع فقط لهذه الزيادة دون إضافة الرسوم المفروضة على الاتحاد الأوروبي. وينطبق المنطق نفسه على واردات الألومنيوم والصلب. كما ستُعفى البضائع القادمة من المكسيك وكندا- وهما أكبر شريكين تجاريين لأميركا- من الرسوم، شريطة امتثالها لاتفاقية التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة، التي أعاد ترمب التفاوض بشأنها خلال ولايته الأولى. أما المنتجات التي لا تستوفي المعايير، فستظل خاضعة لرسوم بنسبة 25 في المئة. ولم تكن هناك استثناءات أخرى تُذكر. وقال ترمب: "إذا كنت تريد أن يكون معدل التعريفة الجمركية لديك صفرا، فعليك تصنيع منتجك هنا في أميركا".

أ ب
الرئيس دونالد ترامب يتحدث خلال الإعلان عن "يوم التحرير" والرسوم الجمركية الجديدة في حديقة البيت الأبيض، 2 أبريل 2025

حتى وقت قريب، تمسك الكثير من المراقبين بتفسيرين متفائلين لنهج ترمب المتشدد. الأول هو أنه كان يستخدم التعريفات الجمركية بشكل أساسي كوسيلة ضغط في المفاوضات للحصول على تنازلات من الدول الأخرى. أما الثاني، فكان أن ترمب سيلتزم بضوابط سوق الأسهم، الذي كان يهتم به بشدة، وبالتالي سيتراجع عن الحواجز التجارية العقابية إذا أثارت قلق المستثمرين.

لكن هذين التفسيرين، اللذين أضعفتهما بالفعل موجة الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب منذ توليه منصبه في يناير/كانون الثاني، ظهرا أكثر هشاشة بعد تصريحاته في 2 أبريل/نيسان. فقد أوضح الرئيس مستشهدا بمقاطع من مقابلات تلفزيونية أجراها قبل 40 عاما، أنه كان دائما متشككا في التجارة الحرة، معتقدا أن الدول الأخرى تستغل أميركا. لكنه لم يلقِ باللوم على القادة الأجانب، بل اعتبرهم يتصرفون بذكاء. وبدلا من ذلك، وجه أصابع الاتهام إلى أسلافه في البيت الأبيض. أما بالنسبة لسوق الأسهم، فقد بدا أنه يقلل من أهميتها، مؤكدا أن الدليل الحقيقي على نجاحه سيكون في إحياء المصانع الأميركية.

يرى ترمب أن التعريفات ستدر على الحكومة "تريليونات الدولارات"، ما يمكنها من خفض الضرائب وسداد الدين الوطني. لكن هذه التوقعات تبدو غير واقعية: فالضرر سيفوق أي فوائد محتملة

بطبيعة الحال، يثير ذلك تساؤلات حول مدى سوء الأوضاع في الأسواق، وفي نهاية المطاف، في الاقتصاد الحقيقي خلال الأيام والأشهر المقبلة. فقد تراجع مؤشر "S&P-500"، الذي يضم كبرى الشركات الأميركية، بنحو 10 في المئة منذ أن بلغ أعلى مستوى له أواخر فبراير/شباط. وقبيل الإعلان عن التعريفات الجديدة، استقرت السوق إلى حد ما، لكن مع بدء ترمب حديثه، بعد وقت قصير من إغلاق التداول، تراجعت العقود الآجلة، مما يشير إلى انخفاض حاد في 3 أبريل/نيسان. ومن المرجح أن تواجه الأسواق المالية حول العالم موجة قوية من عمليات البيع.

قد تكون هذه التقلبات مجرد لمحة أولية عن الألم الذي ينتظر الأفراد والشركات بشكل عام. نظرا لاتساع نطاق التعريفات الجمركية، لا سيما على الدول الآسيوية، من بنغلاديش إلى فيتنام، التي تزود أميركا بالسلع الأساسية، فمن المؤكد أن أسعار المستهلك ستشهد ارتفاعا. ووفقا لشركة "كابيتال إيكونوميكس" للأبحاث، فإن التضخم، الذي كان يتجه ببطء نحو معدل 2 في المئة سنويا، قد يتجاوز 4 في المئة قبل نهاية العام.

في الوقت نفسه، من المرجح أن يكون الضرر الذي سيلحق بالنمو الاقتصادي أشد بكثير مما كان متوقعا. قبل فرض التعريفات الجديدة، كانت مؤشرات ثقة المستهلك قد بدأت تتراجع، بينما ارتفع منسوب الشكوك بين الشركات. ومع ذلك، كان معظم الاقتصاديين يعتقدون أن زخم الاقتصاد الأساسي لا يزال قويا، وأن التأثير سيقتصر على تباطؤ في النمو. لكن هذا التفاؤل قد يكون في غير محله. إذ يعتقد مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، أن الركود الاقتصادي أمر لا مفر منه إذا ما جرى تنفيذ السياسات التجارية الجديدة بالكامل.

على المدى القصير، يبدو أن ترمب مستعد لدفع هذا الثمن لتحقيق رؤيته لأميركا. فإلى جانب إعادة إحياء الصناعة المحلية، يرى أن التعريفات ستدر على الحكومة "تريليونات وتريليونات الدولارات"، ما يمكنها من خفض الضرائب وسداد الدين الوطني. لكن مثل هذه التوقعات تبدو غير واقعية: فالضرر الناتج عن جدار جمركي دائم لحماية الشركات غير التنافسية سيفوق أي فوائد محتملة.

ومع ذلك، فإن ترمب مقتنع بأنه أدرك زيف التجارة العالمية. وقال بحزم: "علينا أن نبدأ بالاعتناء ببلدنا الآن". ففي رؤية ترمب، تبدو أميركا ضحية، رغم كونها الدولة الأغنى والأقوى في العالم، وقد حان الوقت للرد.

font change