"يوم التحرير" الذي أعلنه ترمب يجلب تعريفات جمركية أكبر مما كان متوقعا

تعريفات جمركية على معظم الشركاء التجاريين تنذر بردود انتقامية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمرا تنفيذيا موقعا بعد إلقائه كلمة حول الرسوم الجمركية المتبادلة في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 2 أبريل 2025

"يوم التحرير" الذي أعلنه ترمب يجلب تعريفات جمركية أكبر مما كان متوقعا

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أضخم حزمة تعريفات جمركية حتى الآن، وصفها خبراء اقتصاديون بأنها قد تمثل أكبر زيادة ضريبية في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، وذلك في خطوة طال انتظارها يُحتمل أن تُفضي إلى تباطؤ حاد في الاقتصاد الأميركي وتشعل ردود فعل انتقامية واسعة النطاق حول العالم.

وأعلن ترمب، في ما وصفه بـ"يوم التحرير"، خلال خطاب ألقاه من حديقة الورود بالبيت الأبيض، عن أوسع رسوم جمركية على الواردات تفرضها إدارته حتى الآن، تتمثل في تعريفات "متبادلة ظاهريا" على جميع الواردات القادمة من الخارج، تتراوح بين نسبة أساسية تبلغ 10 في المئة وتصل إلى 46 في المئة على واردات مثل تلك القادمة من فيتنام.

ومن المقرر أن تدخل التعريفة الأساسية الجديدة حيز التنفيذ في 5 أبريل/نيسان، وفقا لورقة معلومات صادرة عن البيت الأبيض، على أن تُضاف التعريفات الأعلى "المتبادلة" في 9 أبريل. وستُفرض هذه المجموعة الجديدة من الرسوم بموجب قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية الصادر في عهد الرئيس جيمي كارتر، حيث وصف ترمب العجز التجاري الحالي بأنه "حالة طوارئ وطنية".

من المرجح أن تُثير هذه الخطوة قلقا واسعا في الأوساط الاقتصادية، فضلا عن التحديات التي لا مفر منها في منظمة التجارة العالمية

من المتوقع أن تُضيف هذه التعريفات الجمركية، شكليا، ما بين 400  مليار إلى 800 مليار دولار أو أكثر إلى العبء الضريبي السنوي على الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة، إلى جانب تقلص فرص التصدير نتيجة الردود الانتقامية المتوقعة من دول في آسيا وأوروبا. وقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بعد الإعلان، حيث انخفض مؤشر "ناسداك" بأكثر من 2 في المئة.

وطرح ترمب هذه الخطوة على أنها وسيلة لـزيادة الإيرادات الضريبية (إذ تحدث عن "تريليونات وتريليونات الدولارات" من عائدات التعريفات) لتعويض التخفيضات الضريبية المخطط لها، إلى جانب إعادة توطين الصناعات الأميركية، وإعادة التوازن إلى ساحة التجارة العالمية التي قال هو وفريقه التجاري إنها، ومنذ سنوات، منحازة بشكل منهجي ضد الولايات المتحدة. (وفي الوقت ذاته، شهد دعم الرأي العام للتجارة الحرة ارتفاعا منذ تولي ترمب منصبه للمرة الثانية).

وقال ترمب: "لقد نهبت الدول الأجنبية أميركا وسلبتها واغتصبتها" من خلال فرض ممارسات تجارية غير عادلة. وأضاف: "هذا أحد أهم الأيام في تاريخ أميركا. إنه إعلان استقلال أميركي".وتابع: "الوظائف والمصانع ستعود بقوة، وستصبح أميركا ثرية من جديد".

وتُضيف الإجراءات الأخيرة التي أعلنها ترمب، واصفا إياها بأنها تعريفات جمركية متبادلة على جميع الشركاء التجاريين (وقال في هذا السياق: "في كثير من الحالات، الصديق أسوأ من العدو")، طبقة جديدة من الرسوم الجمركية على ما يزيد على أربعة تريليونات دولار من السلع والخدمات التي تستوردها الولايات المتحدة سنويا. وتأتي هذه الخطوة فوق الرسوم السابقة المفروضة على الصلب، والألومنيوم، والسيارات، فضلا عن الواردات من المكسيك، وكندا، والصين.كما يُتوقع أن تتبعها إجراءات إضافية، إذ ألمح ترمب إلى إمكانية فرض تعريفات قطاعية تستهدف واردات بعينها، مثل الأدوية والرقائق الإلكترونية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار هذه السلع.

وتبدو التعريفات الجديدة التي أعلن عنها ترمب أكثر صرامة بكثير مما كان متوقعا، إذ كانت معظم التقديرات في الأسواق تشير إلى احتمال فرض نسبة موحدة لا تتجاوز 15 في المئة على جميع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. إلا أن خطة ترمب تستهدف ليس فقط الحواجز الجمركية– أي الرسوم التي تفرضها الدول الأخرى على الواردات الأميركية– بل تمتد أيضا إلى إجراءات أصعب قياسا، مثل التلاعب بالعملة، والدعم الصناعي، والمعايير التنظيمية والصحية، وحتى الضرائب المحلية في الدول الأجنبية.

ومن المرجح أن تُثير هذه الخطوة قلقا واسعا في الأوساط الاقتصادية، فضلا عن التحديات التي لا مفر منها في منظمة التجارة العالمية.

عرض ترمب رسما بيانيا يُظهر بعض ما وصفه بالنسب المتبادلة التي قال إنها ستُطبق خلال هذا الشهر، وتشمل:  34في المئةعلى الصين، و20 في المئة على الاتحاد الأوروبي، و32 في المئة على تايوان، و24 في المئة على اليابان، و26 في المئة على الهند، و25 في المئة على كوريا الجنوبية، و36 في المئة على تايلاند. وتُعد جميع هذه الدول، باستثناء الصين، حلفاء رسميين أو اسميين للولايات المتحدة بموجب معاهدات أو شراكات أمنية. وذكر ترمب أن هذه النسب جرى احتسابها على أساس نصف معدل الرسوم التي تفرضها تلك الدول على الواردات الأميركية، رغم أن طريقة الحساب لم تكن واضحة بشكل مباشر.

من المتوقع أن ترتفع معدلات التضخم، على الأقل في المدى القصير، بسبب عدم قدرة الكثير من الشركات على تأمين بدائل محلية للبضائع، إلى جانب محدودية قدرتها، على تحمّل الزيادات الهائلة في تكلفة مستلزماتها

ومن شبه المؤكد أن تؤدي هذه الإجراءات إلى ردود فعل قوية من أوروبا، إذ حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، يوم الثلاثاء، من أن القادة الأوروبيين "لديهم خطة قوية للرد، وسنستخدمها إذا لزم الأمر".

وأضافت: "تمتلك أوروبا الكثير من أوراق القوة، من التجارة إلى التكنولوجيا إلى حجم سوقنا. لكن هذه القوة تقوم أيضا على استعدادنا لاتخاذ تدابير حاسمة عند الضرورة. وجميع الأدوات مطروحة على الطاولة".

وحتى قبل إعلان يوم الأربعاء، كان ترمب قد رفع متوسط التعريفات الجمركية الأميركية إلى أعلى مستوى لها منذ أربعينات القرن الماضي، أي منذ أن ساعد المسؤولون الأميركيون في بناء النظام التجاري العالمي بهدف تعزيز التجارة الحرة وتفادي الحروب التجارية المدمرة (والحروب الفعلية كذلك). أما الحزمة الأخيرة، فسترفع الرسوم الجمركية إلى مستويات لم تُسجَّل منذ التعريفات التي فُرضت في عهد هوفر في أوائل ثلاثينات القرن العشرين، وهي زيادات ضريبية وضربات تجارية يقول الاقتصاديون إنها فاقمت من حدة الكساد الكبير.وعلى الرغم من تصريحات ترمب في مؤتمر حديقة الورود، فإن متوسط التعريفة الجمركية المرجّحة للتجارة بين جميع أعضاء منظمة التجارة العالمية لا يتجاوز 3.8 في المئة.

رويترز
الرئيس دونالد ترمب خلال إعلان الرسوم الجمركية في حديقة الورود بالبيت الأبيض، 2 أبريل 2025

وقد بدأ الاقتصاديون بالفعل بخفض توقعاتهم للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم نتيجة الحرب التجارية المتصاعدة التي يقودها ترمب، حيث قدّرت بعض البنوك الاستثمارية الكبرى احتمال حدوث ركود اقتصادي بنسبة تتراوح بين 35 في المئة و40 في المئة.ووفقا لبعض المؤشرات، فإن مستوى عدم اليقين الاقتصادي في الولايات المتحدة اليوم يفوق ما كان عليه خلال جائحة "كوفيد-19".

ومن المتوقع أن ترتفع معدلات التضخم، على الأقل في المدى القصير، بسبب عدم قدرة الكثير من الشركات على تأمين بدائل محلية للبضائع، إلى جانب محدودية قدرتها، في الكثير من القطاعات، على تحمّل الزيادات الهائلة في تكلفة مستلزماتها.ويتوقع بعض الاقتصاديين أن تتضاعف معدلات البطالة تقريبا.

وقد فقدت الأسواق بالفعل جميع المكاسب التي حققتها عقب الانتخابات. وقد أجّل ترمب إعلانه المهم يوم الأربعاء حتى أغلقت الأسواق الأميركية، فيما تفتح الأسواق الآسيوية أبوابها بعد ساعات قليلة من إعلانه.

ويُميز هذه الجولة الأخيرة من التعريفات عن سابقاتها أنها لن تقتصر على قطاعات بعينها مثل الصلب والسيارات، بل ستطال الجميع تقريبا، رغم أن تلك الصناعات ستتحمل تكاليف إضافية جديدة. أما المزارعون، فسيواجهون ارتفاعا في أسعار الأسمدة مع اقتراب موسم الزراعة، فضلا عن احتمال أن تتحول أسواق التصدير الكبرى مثل الصين إلى مناطق محظورة.

وكان ترمب قد خاض حملته الانتخابية متعهدا برفع الرسوم الجمركية على الواردات بشكل حاد، ونفذ، خلال أشهر قليلة فقط من ولايته الحالية، إجراءات تتجاوز بكثير ما أُنجز خلال فترته الرئاسية الأولى

وكان روب لاريو، رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين، ثاني أكبر منظمة زراعية عامة في الولايات المتحدة، قد حذّر الشهر الماضي قائلا: "يشعر المزارعون على جانبي الأطلسي بالضغط وعدم اليقين بسبب التهديد بفرض التعريفات. فالتوترات التجارية سترفع التكاليف، وتُربك سلاسل الإمداد، وتُقيّد الأسواق، مما سيؤدي إلى زيادة معاناة المزارعين والمستهلكين والشركات على حد سواء".

حتى الملابس لن تسلم من ارتفاع الأسعار، إذ ستُفرض الآن رسوم جمركية على واردات الألبسة الأميركية، التي تبلغ قيمتها100  مليار دولار سنويا، ليس فقط على البضائع القادمة من الصين، بل أيضا من الدول التي أصبحت بدائل لها في سوق النسيج، مثل فيتنام.

وفي المقابل، من غير المرجح أن تشهد الصناعات الأميركية انتعاشا يُذكر على المدى القصير أو المتوسط نتيجة هذه التعريفات، التي- وفق تجارب سابقة- قد تُستخدم كورقة تفاوض ثم تُلغى بقرار مفاجئ من البيت الأبيض.إذ إن الكثير من المصانع، وخصوصا في قطاعي السيارات والألومنيوم، تتطلب استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات وسنوات من الإعداد. أما صناعات أخرى، فتعاني من نقص في العمالة الماهرة، أو لا يمكن إعادة توطينها محليا إلا عبر الاعتماد على مستويات أعلى من الأتمتة، ما قد يُلغي أي مكاسب محتملة في توظيف العمال.

وقال رايان بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة "فليكس بورت" المتخصصة في إدارة سلاسل الإمداد:"بالنسبة للشركات التي تبحث عن وضوح، ينبغي أن تعتبر هذه الخطوة بداية العملية لا نهايتها"، مشيرا إلى أن بعض هذه الرسوم قد تكون أوراقا تفاوضية أكثر منها قرارات نهائية.وأضاف: "الشركات تحتاج إلى وضوح كي تتمكن من اتخاذ قرارات استثمارية بشأن سلاسل الإمداد الخاصة بها... والواقع أنها ستضطر على الأرجح إلى الانتظار حتى تتضح معالم العملية لتتمكن من فهم المشهد الجديد للنظام التجاري العالمي".

قد لا تكون الرسوم الجمركية الشاملة التي فُرضت يوم الأربعاء أسوأ ما في الأمر، إذ أصبحت فكرة "الرسوم الجمركية الثانوية"الجديدة فجأة محور جدل واسع في واشنطن. فقد هدد ترمب بفرض رسوم على أي دولة تشتري النفط من فنزويلا، ما قد يُؤثر على واردات السلع الأميركية من الصين، كما طرح إمكانية فرض رسوم مماثلة على صادرات النفط الخام الإيراني.

وفي السياق ذاته، ينص تشريع قُدم إلى مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء على فرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المئة على أي دولة تشتري الغاز أو النفط الروسي، وهو ما قد يُعرّض الاتحاد الأوروبي، أو بعض دوله الأعضاء على الأقل، لعقوبات مالية ساحقة.

وكان ترمب قد خاض حملته الانتخابية متعهدا برفع الرسوم الجمركية على الواردات بشكل حاد، ونفذ، خلال أشهر قليلة فقط من ولايته الحالية، إجراءات تتجاوز بكثير ما أُنجز خلال فترته الرئاسية الأولى.وقد ألمح، في خطابه يوم الأربعاء، إلى وعوده بإعادة تشكيل ناجحة للاقتصاد الأميركي، الذي كان، حتى عام 2025، الأفضل أداء بين الاقتصادات الكبرى بعد جائحة كوفيد.

  • ساهمت ليلي بايك، وكريستينا لو، من فريق "فورين بوليسي" في إعداد هذا التقرير.
font change

مقالات ذات صلة