محمد سويد راويا سيرة سينمائية لبيروت ونجمات أيقونيات

الفن الذي رافق نهوض المدن وانحدارها

AlMajalla
AlMajalla

محمد سويد راويا سيرة سينمائية لبيروت ونجمات أيقونيات

فيما كانت جرافات تقوّض أبنية متصدعة في وسط بيروت المهجور، وتنقل منه شاحنات ردمياته إلى البحر، تمهيدا لإعادة إعماره في أواسط تسعينات القرن الماضي، كان الناقد والمخرج السينمائي محمد سويد يكتب "سيرة صالات بيروت السينمائية الراحلة" منذ بدايات حروب لبنان (1975- 1990)، ويناديها النداء الذي اختاره عنوانا لكتابه: "يا فؤادي". وهو كتاب فريد في نوعه: مرثية روائية - سينمائية، ذاتية وعامة، لمدينة بيروت.

اليوم، بعد 50 سنة على بداية الحرب في لبنان (13 أبريل/ نيسان 1975)، تُصدر "دار رياض الريس" البيروتية طبعة ثانية للكتاب، فيستهلها سويد بمقدمة جديدة يستعيد فيها مشاهد تفجير مبنى سينما "ريفولي" وإزالته، لتصير ساحة الشهداء مفتوحة بصريا على البحر، رغم أن المبنى نجا من دمار الحرب، وكان أيقونة معمارية في طرف الساحة الغربي، وكانت صالة "ريفولي" الضخمة معلما بارزا على نهضة العروض السينمائية وكثافتها في قلب بيروت منذ الأربعينات.

ويزداد نداء "يا فؤادي" مرارة اليوم، فيشمل، إلى صالات السينما الراحلة، القتل الثأري لوسط بيروت الجديد منذ اغتيال رفيق الحريري في العام 2005. ومذاك، استمر موت قلب المدينة، كأنه صار قدر بيروت ولبنان الطبيعي، العادي والدوري، والذي قد يصير دائما في المدى المنظور.

مدينية منقوصة؟

كتاب محمد سويد هذا تحقيق موثّق وسيرة روائية للشغف بالسينما: شفف بها كفن بصري حركي، جديد ومعاصر، ينطوي على سحر احتفالي يجمع حشودا من الناس لا يقوم بينهم تعارف ولا رابط، سوى موعد عروض عمومية لمن يريد ويرغب. وكانت رغبة ارتياد صالات السينما في بيروت الخمسينات والستينات والسبعينات، مشبوبة جامحة الى تلك اللقاءات المؤقتة والعابرة، فيتبادل فيها من يلتقون مصادفة نظرات عابرة في بهوات الصالات قبل دخولهم إليها. نظرات سريعة مستطلعة، متحدثة بصمت ينطوي على اختبار جديد: زهو الناس الاحتفالي بأنفسهم، فيما هم يرسلون تلك النظرات ويستقبلون مثلها للحظات خاطفة، فينكشفون ويظلون مستترين غامضين في فضاء علانية عامة جامعة.

في خلفية السيرة الروائية السينمائية هذه، أصداء من خروج وسط بيروت التقليدي عن أسواره التاريخية القديمة، ليصير قلب مدينة إقليمية متوسطية مفتوحة

نعم، كان في إقبال اللبنانيين النهم على ارتياد صلات السينما آنذاك، شيء من شبق إلى زهو كرنفالي اجتماعي جديد يستعرضون فيه انفسهم بصريا في العلانية العامة المدينية. وهو زهو ينطوي على مدينيتهم المنقوصة أو الموقوفة، التي ظهّرتها الحرب بأعنف وأبشع صورها. أما سرد محمد سويد لشغفه بالسينما فيتخذ شكل تغريبة ذاتية لا أثر فيها لذاك الزهو الكرنفالي. وتحضر في الكتاب سير منشئي ومستثمري الصالات الكبرى في الثلاثينات والأربعينات، بعد تحولها من خانات للتجار والمسافرين إلى دور عروض ترفيهية - ثقافية في زمن الانتداب الفرنسي على لبنان منذ مطلع العشرينات.

Three Lions/Getty Images
بيروت في الخمسينات

في خلفية السيرة الروائية السينمائية هذه، أصداء من خروج وسط بيروت التقليدي - أي الخانات وأسواق طوائف الحرف والتجارات التقليدية - عن أسواره التاريخية القديمة المتداعية، ليصير قلب مدينة إقليمية متوسطية ومشرقية مفتوحة، استقطبت جماعات تحوّلت بعد إقامتها فيها إلى جاليات أو متحدات سكانية إثنية ودينية وثقافية، مذ صارت بيروت عاصمة ولاية عثمانية في العام 1888، وبعد الحرب العالمية الأولى.

تحضر في الكتاب أيضا: مشاهد خروج الناس من حارات وأحياء الأهل إلى الاختلاط والغفلية أو المجهولية المدينية المنقوصة: دخولهم مغفلين ومجهولين، من الجنسين والأعمار كافة، أفرادا وأصدقاء وأسرا، إلى صالات كبرى. جلوسهم الصامت، الحذر والحميم فيها، جنبا إلى جنب، لساعتين أو ثلاث، على مقاعد متلاصقة أمام الشاشات الفضية في العتمة. استسلامهم إلى رحلة أو سفرة خيالية في عالم من الصور، واستغراقهم الفردي والذاتي فيه، وإنشاؤهم حوارات شخصية معه أو مستوحاة منه. يحضر أخيرا مشهد خروجهم من عتمات تلك الأرحام الخيالية، وتفرقهم في شوارع المدينة ومقاهيها، صامتين أو متحادثين عما شاهدوه على تلك الشاشات.

هذا كله نشاهده في خلفية كتابة محمد سويد، وداخل سياقات روايته المتقطعة والمتقاطعة، عن شغفه بعوالم السينما وصالاتها البيروتية في وسطها القديم، بعدما عتقته صالات شارع الحمراء في الستينات. شغف سويد بالسينما، هو رحلة اندهاش بصري وذهني وشعوري صامت، منذ مراهقته ودخوله مرحلة الشباب في بدايات الحرب التي قد تكون السينما ودواره الشغوف بها من عوامل نجاته من الموت فيها، وتغيير مسار حياته ومصيره الشخصي.

سيرة الشغف والتشظي

في لقائنا محمد سويد ومحادثته قال إن نوع الشغف بالسينما اليوم اختلف كثيرا عما كان عليه بين الخمسينات والتسعينات، بل إن ذاك الشغف لم يعد موجودا اليوم. آنذاك كانت السينما والإقبال على مشاهدة أفلامها نشاطا جماعيا مثيرا في جدته وفرادته وجاذبيته، بتزامنه مع اتساع أدوار الحياة ومرافقها العامة. كانت صالات السينما أماكن عملاقة، تضم الواحدة منها 1200 مقعد وما فوق. وعندما شاع التلفزيون منافسا لها في الستينات، تضخم حجم صالاتها، وتوسعت مساحة شاشاتها، وضُخّمت الأصوات في كثرة من مشاهدها، إلى درجة إحداثها ارتجاجا في الصالة. واحتقار التلفزيون أدى إلى تسميته "الشاشة الصغيرة".

انفجار استهلاك الصور المهول على شاشات وسائط التواصل الفردي، أزاح السينما وحشود مشاهديها إلى هامش الحياة العامة

وفي مقابل حضور السينما وعوالمها في كتاب "يا فؤادي" حضورا مصيريا في حياة الشغوفين بها ومساراتهم، صارت اليوم – حسب سويد - نشاطا ضئيل الحجم وعابرا في حياة الناس المتشظية، خصوصا في العواصم العربية المشرقية والقاهرة التي كانت عاصمة إنتاج السينما العربية، وهي وبيروت عاصمتا استهلاكها الكثيف. فانفجار استهلاك الصور المهول، سريعا وآنيا، على شاشات وسائط التواصل الفردي، أزاح السينما وحشود مشاهديها إلى هامش الحياة العامة المتشظية، التي صارت افتراضية في وجه أساسي وواسع في وجوهها.

وبعدما أمضى محمد سويد مراهقته وشبابه في صالات السينما وفي كتابة النقد السينمائي في الصحف، بأسف يقول اليوم إنه - بعدما أخرج عددا من الأفلام السينمائية - يعمل في التلفزيون طوال النهار، ليقضي ساعات كثيرة من الليل في مشاهدة أفلام وقراءة كتب يحبها.

غلاف الطبعة الأولى من "يا فؤادي"

وعن علامات شغفه القديم بالسينما وصالاتها بين وسط بيروت وشارع الحمراء، قال إن الروائح في تلك الصالات عبقت في رأسه فيما هو يراجع كتابه تمهيدا لإعادة إصداره. فهو المولود في بيروت سنة 1959، لا يزال يتذكر ذلك السحر الذي غمره عندما دخل بصحبة والده للمرة الأولى في حياته صالة سينمائية في بيروت عام 1969. ولم يكن ارتياد الصالات وحده مدار شغفه بل شمل أيضا وقوفه وجلوسه في كابينات العرض الخلفية ومحادثته مشغلي آلاتها وبكرات الأفلام. وتتنقل روايته السينمائية بين الصالات وكابيناتها ومكاتب أصحاب دور العرض والعاملين فيها، فيروي سير بعضهم ويضمنها شيئا عن التحولات التي عرفها وسط بيروت، وصولا إلى رصد دلالات تخصص كل صالة بعرض نوع محدد من الأفلام واستقطابها جمهورا من فئات محددة.

الواجهة الجنوبية المدمرة لمبنى "البيضة"، وتظهر خلفه مسجد محمد الأمين. "البيضة" هو مبنى سينما غير مكتمل بدأ بناؤه عام ١٩٦٥ وتوقف مع اندلاع الحرب الأهلية

"زهرة سوريا"

روى سويد سيرة أقدم صالات السينما في بيروت، فإذا بها مرآة تختصر تحوّلات نمط العروض الفنية وأذواق جمهورها في المدينة منذ نهاية القرن التاسع عشر، الذي شهد افتتاح صالة عروض مسرحية باسم "زهرة سوريا".

حضور نجوم عصر السينما الذهبي في مصر، كان له تأثيره الكبير والمتنوع في مخيلات وأذواق وحساسيات أجيال عربية وتكوين قيمها

كان سليم آغا كريدية صاحب المشروع. وهو صديق والي بيروت العثماني خالد بيك البابان. وفي العام 1903 تحولت الصالة إلى العروض السينمائية لمدة 3 سنوات. وأثناء الحرب العالمية الأولى صارت مركزا لإمداد القوات العثمانية.

وفي العام 1927 تحولت "زهرة سوريا" إلى مقهى باسم "الكريون". لكن المقهى لم يصمد طويلا، إذ تحول مخزنا للمواد الغذائية. والأرجح أن بيروت شهدت نهضة مسرحية وسينمائية في بداية الأربعينات تأثرا بتلك النهضة في القاهرة. وحوّل الممثل البيروتي علي العريس وزوجته الممثلة ناديا شمعون، ذاك المخزن صالة عروض مسرحية بين العامين 1940- 1945.

ثم آلت "زهرة سوريا" إلى محمد سليم كريدية (1819- 1971) - المشهور بأبي عفيف كريدية، الشخصية البيروتية الفكاهية المعروفة، وراوي الأمثال الشعبية - فحوّل صالتها إلى مسرح سماه "مسرح فاروق" تيمنا بآخر ملوك مصر. لكن كريدية سرعان ما غيّر اسم مسرحه إلى "مسرح التحرير" بعد الانقلاب العسكري الناصري على الملكية في العام 1952. ولما تعرّض المبنى إلى حريق، ظل مهملا وزادته إهمالا بدايات الحرب وصدّعته، إلى أن أزاله مشروع رفيق الحريري لإعادة إعمار وسط بيروت، وشيد مكانه المسجد الأحدث والأضخم في لبنان، والذي سمّي "جامع محمد الأمين" ودفن قربه صاحب المشروع الإعماري بعد اغتياله سنة 2005.

من حفل توقيع كتاب محمد سويد "السينما المؤجلة"، في سينماتيك بيروت - "متروبوليس"

النجوم مثالات حية

من بين نجمات السينما المصرية والعربية الراحلات تستأثر سعاد حسني بشغف محمد سويد الفني. لكن حضور نجوم عصر السينما الذهبي في مصر، كان له تأثيره الكبير والمتنوع في مخيلات وأذواق وحساسيات أجيال عربية وتكوين قيمها ومثالاتها وملامح من سلوكها. ذلك أن نجوم الغناء والسينما يشكلون دائما مثالات حية في حياة الناس.

وفي هذا المجال سألنا محمد سويد عن الدلالات والمعاني التي كرسها حضور شخصيات 3 من نجمات السينما المصرية وأدوارهن: فاتن حمامة، سعاد حسني، وناديا لطفي.

فاتن حمامة: ملاك الرحمة

يرى سويد أن اللقبين الأصدق تعبيرا عن الصورة الأيقونية الشائعة لفاتن حمامة (1931- 2015) في المخيلة الجماهيرية العربية هما:

"ملاك الرحمة" المستوحى من شخصية الممرضة ودورها في واحد من أفلامها. لكن اللقب يتجاوز هذا التمريض إلى صورة أعم وأشمل للمرأة، مصدرها منظومة قيم تخرجها من تدافع الحياة الواقعية، لتجعلها ملاكا أو طيفا يسمو على تجارب البشر.

"سيدة الشاشة العربية" الذي يكمل اللقب الأول ويمنحه صفة اجتماعية محددة تعبر عن نموذج أو مثال المرأة في أخلاقيات فئات المحافظين "الشيك" الذين يغلّفون قيمهم التقليدية وسلوكهم التقليدي بحداثة شكلية أو مظهرية.

فُرض على فاتن حمامة أو هي فرضت على نفسها أن تتكرس نجمة سينمائية متعالية على ذاتها وعلى تدافع تجارب العيش، لئلا تنكسر صورها

ويتكامل هذان اللقبان في إخراجهما المرأة من الواقع الحي، كي لا يتعرض نموذجها أو مثالها للاهتزاز والتصدع في حال تعرضها لتجارب الحياة الفعلية التي تؤدي بها إلى انقسام ذاتها وتصدعها. وهذا يعني أن الأدوار والشخصيات التي أدتها فاتن حمامة مكتملة سلفا ومغلقة على نفسها ومحصنة. بل تعيش كطيف فوق الحياة والواقع والزمن والأعمار. وهي بذلك أقرب إلى صورة ومثال طوباوي، أو إلى رسالة اجتماعية وأخلاقية، منها إلى كائن بشري.

فُرض على فاتن حمامة أو هي فرضت على نفسها أن تتكرس نجمة سينمائية متعالية على ذاتها وعلى تدافع تجارب العيش، لئلا تنكسر صورها - المثال في حال أدائها أدوار شخصيات منقسمة، قلقة وحائرة. فهذه يتطلب أداؤها جرأة تخلت عنها "سيدة الشاشة العربية" في حياتها وأدوارها. لذا عاشت فاتن حمامة حياتها كلها، الفعلية والفنية والنجومية، خارج الاضطرابات الاجتماعية والأخلاقية والشائعات التي لابست حياة معظم نجمات السينما المصرية.

سعاد حسني في مشهد من فيلم "خلي بالك من زوزو"

سعاد حسني: نجمة انكسار جيل 67

على خلاف فاتن حمامة، بهرت سعاد حسني (1943- 2001) في شخصيتها وأدوارها محمد سويد الذي يرى أنها تمثل نجمة انكسار جيل 1967 وهزيمته. وينطوي الانكسار على انقسام النفس، خوفها، قلقها، وتشظيها. وهذا ما راح يتسع ويتصاعد في أدوار سعاد حسني السينمائية، لا سيما تلك المعقدة التي أدتها بإدارة المخرج علي بدرخان.

ويرى سويد أن سعاد حسني من نوع الممثلات اللواتي لا ينسين أنفسهن أو يتركنها جانبا، فيما هن يؤدين أدوارهن. فهي تعطي كل دور شيئا من نفسها، فيتلبسها الدور كما تتلبسه. لكن لقبها "سندريلا الشاشة العربية" أراد إبقاءها في نجوميتها وأدوارها صبية دون سن الرشد. صبية رقيقة يلابس لهوها اللطيف خجل ينطوي على شيء من خوف واضطراب. وهذه حال الصبايا الطامحات مع أسرهن إلى الارتقاء والانتماء إلى الفئات الوسطى في المجتمعات العربية.

تمثل سعاد حسني انكسار جيل 1967 وهزيمته، وينطوي الانكسار على انقسام النفس وقلقها وتشظيها

هذه الحالات كلها حاضرة في شخصية سعاد حسني وأدوارها. وتحضر علاماتها في ملامح وجهها ونظرة عينيها وابتسامتها المرتبكة الحائرة. ويرى سويد أن دورها وشخصيتها في فيلم "خلي بالك من زوزو" هو الأقرب إلى حالها ومشاعرها ونظرتها إلى نفسها ومغامرة حياتها التي تنطوي على شيء من التجارب المريرة والتمزق. وليس من قبيل المصادفة أن تكون، إلى جانب أحمد زكي وداليدا والناقد السينمائي سمير نصري، في حلقة صلاح جاهين الذي كتب سيناريو "خلي بالك من زوزو" وهو يفكر بسعاد حسني. وليس مصادفة أيضا أن تفضي حياة اثنين من رواد هذه الحلقة (داليدا وسعاد) إلى الانتحار الذي أقدم عليه رائدها صلاح جاهين (1930- 1986).

نادية لطفي في مشهد من فيلم "الناصر صلاح الدين"

ناديا لطفي: توازن الأضداد

ويرى محمد سويد أن نجومية ناديا لطفي (1937- 2020) وشخصيتها وأدوارها تمثل نموذجا ثالثا مختلفا عن فاتن حمامة وسعاد حسني. فلطفي ممثلة أدوار سينمائية كثيرة ومتعددة لا تجتمع في مثال أو نموذج واحد، خلافا لفاتن حمامة. وهي تختلف عن سعاد حسني في أن حياتها العامة والشخصية وتعدد أدوارها السينمائية يتسمان بالتوازن، أو بالمقدرة على إيجاد توازن في خضم التعدد وانقسام النفس المسيطر عليه. ثم إن نجوميتها وأدوارها السينمائية لم تبتلع حياتها كشخص في دوائر الحياة الاجتماعية التي كانت حاضرة وفاعلة فيها. وحتى أدوار الإغراء التي قبلت أن تؤديها، لم تؤثر على سمعتها التي ظلت محترمة في المجتمع وبين الجمهور السينمائي. وهي انطلقت من فهم لشخصية نجمة السينما يخالف ذاك الذي يرى أنها لا تُلمس ولا تمس، وغير موجودة في الواقع الحي.

استطاعت ناديا لطفي أن تكسر المحرّم الاجتماعي من دون أن توصم بالخطيئة

وهذه المواصفات مكنت ناديا لطفي أن تكسر صورة نمطية حاولت السينما أن تكرسها لها: دور المرأة الشقراء المغرية والمثيرة التي قبلت أن تؤديه من دون أن يسيطر على صورتها ويتكرس لها في المخيلة العامة لجمهور السينما. وقد تكون مقدرتها على ذلك ناجمة عن تحصيلها ثقافة شخصية وعامة ورؤية للحياة والعالم والمجتمع، على خلاف معظم نجمات السينما المصرية. فهي كانت مقربة من دائرة المخرج السينمائي النخبوي شادي عبد السلام (1930- 1986)، ومن نظرته إلى السينما والحياة. وثقافتها مكنتها من أن تكون شخصيتها وأحكامها على الأشياء والواقع على شيء من تحدٍّ للأحكام السائدة، وعلى مسافة دائمة من قيم الجمهور الأخلاقية العامة. لقد استطاعت ناديا لطفي أن تكسر المحرّم الاجتماعي من دون أن توصم بالخطيئة.

font change