رسوم ترمب الجمركية... إنعاش واشنطن أم عزلتها؟

الإعلان يمثل تحولا جذريا عن نهج ترمب في ولايته الأولى

رسوم ترمب الجمركية... إنعاش واشنطن أم عزلتها؟

فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مجموعة من الرسوم الجمركية العالمية المتبادلة بهدف إنعاش الاقتصاد الأميركي وتعزيز ثروة المواطنين، إلا أن هذا القرار الجريء لا يخلو من تداعيات خطيرة، لعل أبرزها ما قد يؤدي إليه من تعميق عزلة واشنطن على الساحة الدولية، إلى جانب ما سببه من اضطراب واسع في الأسواق المالية العالمية.

وقد أطلق ترمب على هذا الإعلان اسم "يوم التحرير" للاقتصاد الأميركي، كاشفا عن حزمة غير مسبوقة من الرسوم التي ستُفرض على الدول التي تعتبرها إدارته قد نسجت علاقات تجارية غير منصفة مع الولايات المتحدة.

من الصين إلى الاتحاد الأوروبي، لم تفرّق هذه الإجراءات بين البلدان التي يُنظر إليها كمنافسة للهيمنة العالمية طويلة الأمد للولايات المتحدة، وبين تلك الدول التي يُفترض أنها حليفة مقربة لواشنطن، مثل المملكة المتحدة وفرنسا.

وفي خطابه من حديقة الورود بالبيت الأبيض، عقب إغلاق الأسواق الأميركية، صرّح ترمب أنه خطط لهذه الخطوة منذ ثمانينات القرن الماضي، حين بدأ يشعر بالقلق لما وصفه بالتفاوت غير العادل في العلاقات التجارية بين بلاده والعالم الخارجي.

وقال ترمب: "لطالما تحدثت عن نهب هذه الدول لنا"، مضيفا: "في الواقع، لا شيء يتغير كثيرا. كل ما يتغير هو أسماء الدول، أما الجوهر فيبقى كما هو".

ووصف الدول التي تتمتع، من وجهة نظره، بميزة تجارية غير عادلة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض من أقرب حلفائها، بأنها "مخادعة" و"انتهازية".

وأضاف: "عند النظر إلى التفاصيل، فإن المشهد يبدو غير مُرضٍ، ونحن لا نقبل بذلك، فهو غير منصف لنا"، مؤكدا: "لن نتحمل هذا بعد الآن".

ورغم أن بعض الرسوم المفروضة جاءت أقل من التقديرات السابقة، فإن الإعلان بلا شك يمثل تحولا جذريا عن نهج ترمب في ولايته الأولى، حين أبدى مرونة أكبر في إبرام اتفاقيات تجارية جديدة، كما فعل مع كندا والمكسيك والصين.

ترمب عازم الآن على استخدام أداة الرسوم الجمركية العالمية الصارمة لمعالجة ما يعتبره اختلالات في الترتيبات التجارية بين الولايات المتحدة وبقية العالم، مع التركيز على إعادة توجيه الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية المستقبلية إلى داخل البلاد بدلا من الاستعانة بمصادر خارجية في دول ذات تكاليف إنتاج أقل.

تزايدت المخاوف من أن تجد إدارة ترمب نفسها في عزلة دبلوماسية، مع بدء بعض الحلفاء التقليديين في أوروبا وغيرها إعادة النظر بجدية في الحفاظ على علاقاتهم التقليدية مع واشنطن

وتعد صناعة السيارات مثالا بارزا على ذلك، حيث يرى ترمب أنها تأثرت بشكل كبير بسبب الاتفاقات التجارية غير التنافسية مع الدول الأخرى، التي تتيح لمصنّعي السيارات، وخاصة في أوروبا، منافسة الشركات الأميركية بأسعار أقل.
وقد تجلت عزيمة ترمب في إعادة بناء قاعدة تصنيع السيارات في أميركا من خلال فرضه رسوما جمركية بنسبة 25 في المئة على واردات السيارات إلى الولايات المتحدة، محذرا الشركات الأجنبية من أنه إذا كانت ترغب في الاستفادة من تصفير الرسوم، فعليها تصنيع منتجاتها داخل أميركا.
وقال ترمب: "إلى جميع الرؤساء، ورؤساء الحكومات، والملوك، والملكات، والسفراء، وكل من سيتواصل قريبا لطلب إعفاءات من هذه الرسوم الجمركية، أقول: أوقفوا رسومكم الجمركية، وأزيلوا حواجزكم التجارية".
ورغم ثقته بأن هذه السياسة المثيرة للجدل ستسهم في تصحيح الخلل القائم في العلاقات التجارية الأميركية، فإن اتساع نطاق الرسوم المفروضة على عدد كبير من الدول أثار مخاوف جدية من إمكانية دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود.
ويُعد قرار ترمب بفرض رسوم بنسبة 34 في المئة على الواردات الصينية، إلى جانب رسوم بنسبة 20 في المئة على السلع الأوروبية، من أبرز الخطوات التي تهدد بزعزعة الاستقرار في الأسواق العالمية.
وقد قوبل إعلان ترمب بردود فعل غاضبة من قادة العالم، من بينهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، التي وصفت هذه الخطوة "بالضربة القاسية للاقتصاد العالمي"، محذّرة من أن الضرائب الجديدة على الواردات ستُطلق "دوامة من عدم اليقين" وتُخلّف "عواقب وخيمة لملايين الأشخاص حول العالم".
وأكدت فون ديرلاين على التأثير السلبي لهذه الإجراءات على الدول الأضعف، مشيرة إلى أن بعضها أصبح الآن خاضعا لأعلى الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة. وفي ردها، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي يستعد للرد بإجراءات مضادة، قائلة: "إذا استهدفت أحدنا، فأنت تستهدفنا جميعا".
كما أعربت الصين عن غضبها من الخطوة الأميركية، محذّرة من أنها تعتزم اتخاذ "إجراءات مضادة حازمة" ضد الولايات المتحدة.
وقد شهدت الأسواق المالية العالمية تراجعا كبيرا بعد استئناف التداول عقب إعلان ترمب، حيث انخفض مؤشر "فوتسي 100" البريطاني  (مؤشر "فايننشيال تايمز" للأسهم) بنسبة 1.61 في المئة، وتراجع مؤشر "كاك 40" الفرنسي بنسبة 1.7 في المئة. أما الأسواق الآسيوية فقد شهدت هبوطا ملحوظا، وفي المقابل، ارتفع سعر الذهب، الذي يُعتبر من الأصول الأكثر أمانا في أوقات الاضطرابات المالية، إلى مستويات قياسية.
إضافة إلى ردود الفعل السلبية في الأسواق العالمية، تزايدت المخاوف من أن تجد إدارة ترمب نفسها في عزلة دبلوماسية، مع بدء بعض الحلفاء التقليديين في أوروبا وغيرها إعادة النظر بجدية في الحفاظ على علاقاتهم التقليدية مع واشنطن.

حتى إسرائيل، التي تُعد من أقرب حلفاء ترمب، قد تبدأ في تقليص دعمها لأجندة سياسته الخارجية بعد أن شملتها العقوبات الجمركية القاسية

وفي وقت تقود فيه إدارة ترمب جهودا للتفاوض على وقف إطلاق النار في أوكرانيا، وتسعى لإعادة فتح المحادثات النووية مع إيران، فإن فرص التوصل إلى حلول لهذه القضايا العالمية الملحة وغيرها ستكون أكبر بكثير إذا تمكنت واشنطن من التعاون مع حلفائها لتحقيق النتائج المرجوة.
ولكن حتى إسرائيل، التي تُعد من أقرب حلفاء ترمب، قد تبدأ في تقليص دعمها لأجندة سياسته الخارجية بعد أن شملتها العقوبات الجمركية القاسية. فقد قوبل قرار ترمب بفرض رسوم بنسبة 17 في المئة على المنتجات الإسرائيلية بامتعاض كبير في الدولة العبرية.
ورغم أن ترمب يرى في سياسة الرسوم الجمركية وسيلة لإعادة بناء الاقتصاد الأميركي، فإنه في المقابل يخاطر بعزلة بعض من أهم حلفاء الولايات المتحدة وأقدمهم.

font change