وقف إطلاق النار "الوهمي" في غزة

دون أي منغصات سياسية أو قانونية

 أ.ف.ب
أ.ف.ب
فتاة تحمل بطانيات على رأسها تسير مع آخرين نازحين من بيت حانون شمال قطاع غزة، لدى وصولهم مع أمتعتهم إلى مدينة غزة في 18 مارس

وقف إطلاق النار "الوهمي" في غزة

بعد تصريحات عدة صدرت عن قيادات حركة "حماس" وإسرائيل، بعضها متفائل والآخر متشائم حول إمكانية التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وعملية تبادل الأسرى بين الطرفين، والتي ثبت فشلها بعد رفض كل طرف لمقترحات وتعديلات الطرف الآخر، بات من الواضح جدا أن الفجوة لا زالت قائمة وأنه لن يكون هناك أي اتفاق يفضي إلى وقف إطلاق النار خلال وقت قريب، ليس لأن "حماس" وإسرائيل لا يريدون ذلك، وإنما بسبب اختلاف أهداف ومحددات كل طرف بناء على وجهة نظره ومصالحه الحالية ورؤيته المستقبلية، وهو ما يعني أن استمرار الحديث عن إجراء المفاوضات وجلسات التفاوض لا هدف لها سوى تمرير الوقت حتى الوصول إلى تحقيق نتيجة كبيرة على الأرض واضطرار أحد الطرفين للتسليم للطرف الآخر.

وكان الوسطاء- مصر وقطر والولايات المتحدة الأميركية- قد نجحوا في التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار وتبادل أسرى في النصف الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي، وذلك بعد عام وثلاثة أشهر من حرب الإبادة الجماعية التي نفذها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، وعشرات الجولات من التفاوض حتى الوصول إلى اتفاق من ثلاث مراحل. واتفقوا في حينها على الخطوط العريضة للمراحل الثلاث والإجراءات الفنية الدقيقة فيما يخص المرحلة الأولى التي استمرت 42 يوما حتى نهاية فبراير/شباط الماضي ولم تلتزم إسرائيل بالمضي في تنفيذ المرحلة الثانية كما لم تلتزم بتطبيق ما هو مطلوب منها بشكل دقيق خلال المرحلة الأولى.

وبحسب الاتفاق السابق، كان من المفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفي- الشريط الحدودي الجنوبي بين قطاع غزة ومصر- مع بدء تطبيق المرحلة الثانية، إلى جانب الانسحاب من كافة المناطق الحدودية الشرقية والشمالية إلى ما بعد حدود القطاع، وذلك بالتزامن مع استمرار عملية تبادل الأسرى بين الطرفين، لكن ربما الأهم من ذلك، أنه كان من المفترض أن تشتمل تلك المرحلة على إعلان "حماس" وإسرائيل الانتقال إلى وقف إطلاق نار دائم بعد تطبيقه وإعلانه بشكل مؤقت خلال المرحلة الأولى، وصولا إلى البدء في تنفيذ عملية إعمار غزة وتحديد شكل الجهة الحاكمة في غزة خلال المرحلة الثالثة، إلا أن كل ذلك قد انهار بعد التراجع الإسرائيلي.

لماذا تراجعت إسرائيل؟

حتى تتضح الصورة بشكل أكبر، لا بد من التطرق إلى عامل الوقت وربطه بالأحداث البارزة خلال فترة المفاوضات الأولى، حتى الوصول لإعلان الاتفاق، حيث كانت فترة انتهاء ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن متزامنة بالطبع مع مرحلة تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب حديثا دونالد ترمب، حيث كانت الحرب على غزة وعمليات التفاوض، جزءا مؤثرا بين الرئيسين خلال مرحلة التنافس والدعاية الانتخابية، وكانت واحدة من أسباب موافقة إسرائيل- وكلفت الحكومة الكثير من الأثمان السياسية- ومحاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إرضاء ترمب الذي صرح أكثر من مرة أنه قادر على وقف الحرب بمجرد فوزه وتنصيبه.

واضطر نتنياهو لإرضاء وكسب أكبر داعم عسكري وسياسي له- ترمب- أن يتخلي عن وزير الأمن القومي الإسرائيلي واليميني المتطرف إيتمار بن غفير الذي قدم استقالته احتجاجا على وقف الحرب وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين مقابل تسليم "حماس" عددا من المعتقلين الإسرائيليين، في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات الإسرائيلية في تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى، قد اشتعلت بقيادة ذوي المعتقلين والمؤيدين لإطلاق سراحهم بعد أكثر من عام وهم في قبضة المقاومة الفلسطينية وتحت الخطر والقصف الإسرائيلي.

حتى تتضح الصورة بشكل أكبر، لا بد من التطرق إلى عامل الوقت وربطه بالأحداث البارزة خلال فترة المفاوضات الأولى، حتى الوصول لإعلان الاتفاق الأخير

وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومر الاتفاق، لكنه ترك لنفسه خيارا للتراجع، بعد أن ربط المرحلة الثانية بالتفاوض حولها وتنفيذ بنودها بشكل دقيق، بعد اليوم السادس عشر من المرحلة الأولى، وهنا بدأ المماطلة في إرسال وفد التفاوض متذرعا بالكثير من الحجج يوما بعد يوم حتى انقضاء الفترة دون عقد جلسة واحدة، مكتسبا خلال تلك المرحلة قيام الرئيس ترمب بمنحه الضوء الأخضر وفتح "باب جهنم" على غزة و"حماس" إن لم تسلم كافة المعتقلين الإسرائيليين دفعة واحدة.

هنا، سجل نتنياهو نقطة لصالحه أمام الإدارة الأميركية التي أكد على دعمها واستمرار التزامها بتقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، بذريعة القضاء على الإرهاب و"حماس"، ليعود متخذا قرار استئناف الحرب على غزة في 18 مارس/آذار الماضي، وتنفيذ جيشه اغتيالات طالت عددا من قيادات "حماس" السياسية والعسكرية والحكومية، إلى جانب العشرات من المواطنين المدنيين، وبمباركة ودعم أميركي، حتى إنه أعاد بن غفير وزيرا للأمن القومي لكسب أصوات حزبه في تمرير ميزانية الدولة في الكنيست حاميا حكومته من الانهيار.

رويترز
فلسطينيون يتظاهرون للمطالبة بإنهاء الحرب، في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، في 26 مارس

لكن هل انتهت أسباب إسرائيل؟ بالطبع لا، لأن السبب الأساسي والرئيس، تمثل في رفض وعمل الحكومة الإسرائيلية على عدم السماح بتمكين حركة "حماس" من استمرار حكمها لغزة والذي استمر 18 عاما، منذ عام 2007، حيث أكدت الحكومة الإسرائيلية على لسان نتياهو والكثير من وزراء حكومته وحتى قادة الجيش، عملهم المستمر والدائم بالقضاء على حركة "حماس"، وبالأخص جناحها العسكري "كتائب القسام" وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع، لضمان عدم تكرار ما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حينما اقتحمت المقاومة الحدود الشرقية والشمالية وقادت العشرات من المستوطنين والجنود والضباط الإسرائيليين للاعتقال في غزة، الأمر الذي ترفضه الحركة.

"حماس" لن تتنازل

في المقابل، ومنذ الأسبوع الثاني لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، أكدت حركة "حماس" على لسان رئيس مكتبها السياسي الأسبق إسماعيل هنية، أن حركته حددت أهدافها وأولويتها المتمثلة في: "وقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتحقيق وحدة الشعب، واستثمار نتائج طوفان الأقصى بإجراء عمليات تبادل أسرى. والعمل المشترك مع جميع مكونات الشعب الفلسطيني حتى إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وتحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين". وهو ما يعني أن "حماس" حددت شروطها وليس أهدافها فقط، في مقابل وقف الحرب.

وخلال الأشهر التي استمرت خلالها الحرب الإسرائيلية، ومع إطلاق الرئيس الأميركي ترمب اقتراحه بتهجير سكان قطاع غزة- البالغ تعدادهم أكثر من مليونين و300 ألف فلسطيني- لعدة دول، وتبني إسرائيل للمقترح حتى إعلان حكومة نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، تأسيس إدارة خاصة في الجيش الإسرائيلي تقوم مهمتها على تنظيم التهجير الطوعي للغزيين إلى الخارج، تبنت "حماس" موقفا متشددا في رفضها لعمليات تهجير وترحيل سكان غزة.

ترفض "حماس" أن يكون من مهام لجنة الإسناد أو أي جهة أخرى كانت سيتم الاتفاق عليها، أن تعمل مستقبلا على نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، وهي المعضلة الأساسية

أما عن السبب الأشد أهمية بالنسبة لـ"حماس" فهو مطالبتها بإلقاء سلاحها والتخلي عن مقاومتها لإسرائيل، وهو ما تعتبره خطا أحمر وارتباطه مرهون "باستمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة" كما عبر عن ذلك رئيس حركة "حماس" في غزة الدكتور خليل الحية خلال خطابه الأخير في 29 مارس/آذار الماضي، وذلك لكون الحركة تعتبر سلاحها مصدر قوتها وضامن استمرار بقائها في حكم غزة حتى بعد انتهاء الحرب.

صحيح أن "حماس" قد أبدت مرونة خلال الأشهر الماضية بموافقتها على المقترح المصري الذي ينص على إنشاء "لجنة إسناد مجتمعي" يقودها فلسطينيون غير منتمين للحركات الفلسطينية تكون مهمتهم قيادة سكان غزة إلى مرحلة انتقالية قبل عودة السلطة الفلسطينية، فيما تكون مرجعيتها الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لكنها أصرت على أن موافقتها مشروطة باقتراحها بعض الأسماء ضمن اللجنة، وضرورة مشاركتها وباقي الفصائل في كافة الأسماء المطروحة حتى التوصل لقائمة تكون مقبولة من طرفها، أي إنها بالنسبة لإسرائيل ستكون جزءا من الرأي العام الفلسطيني وهو ما ترفضه إسرائيل بشكل قطعي.

أ.ف.ب
فلسطينيون يتفقدون حفرة في موقع الغارات الإسرائيلية على مخيم مؤقت للنازحين في وسط مدينة غزة في 23 مارس

إلى جانب ذلك، أيضا ترفض "حماس" أن يكون من مهام لجنة الإسناد أو أي جهة أخرى كانت سيتم الاتفاق عليها، أن تعمل مستقبلا على نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، وهي المعضلة الأساسية.

في إطار اختلاف الأهداف الرئيسة بين "حماس" وإسرائيل، المتمثلة بشكل أساسي في بقاء "حماس" كطرف حاكم أو ذي سلطة مستقبلا في غزة، ومعضلة سلاح فصائل المقاومة بالنسبة للطرفين، ومع توسع العملية العسكرية البرية الإسرائيلية مؤخرا بعد استئناف الجيش الإسرائيلي للحرب على غزة، وتلقي إسرائيل دعما سياسيا وعسكريا سخيا من الولايات المتحدة الأميركية، وضعف قدرة الوسيطين- مصر وقطر- في قدرتهما على ممارسة الضغط على الطرف الإسرائيلي، يبقى أمر التوصل لاتفاق جديد لوقف  إطلاق نار أمرا مستحيلا.

font change