بعد تصريحات عدة صدرت عن قيادات حركة "حماس" وإسرائيل، بعضها متفائل والآخر متشائم حول إمكانية التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وعملية تبادل الأسرى بين الطرفين، والتي ثبت فشلها بعد رفض كل طرف لمقترحات وتعديلات الطرف الآخر، بات من الواضح جدا أن الفجوة لا زالت قائمة وأنه لن يكون هناك أي اتفاق يفضي إلى وقف إطلاق النار خلال وقت قريب، ليس لأن "حماس" وإسرائيل لا يريدون ذلك، وإنما بسبب اختلاف أهداف ومحددات كل طرف بناء على وجهة نظره ومصالحه الحالية ورؤيته المستقبلية، وهو ما يعني أن استمرار الحديث عن إجراء المفاوضات وجلسات التفاوض لا هدف لها سوى تمرير الوقت حتى الوصول إلى تحقيق نتيجة كبيرة على الأرض واضطرار أحد الطرفين للتسليم للطرف الآخر.
وكان الوسطاء- مصر وقطر والولايات المتحدة الأميركية- قد نجحوا في التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار وتبادل أسرى في النصف الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي، وذلك بعد عام وثلاثة أشهر من حرب الإبادة الجماعية التي نفذها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، وعشرات الجولات من التفاوض حتى الوصول إلى اتفاق من ثلاث مراحل. واتفقوا في حينها على الخطوط العريضة للمراحل الثلاث والإجراءات الفنية الدقيقة فيما يخص المرحلة الأولى التي استمرت 42 يوما حتى نهاية فبراير/شباط الماضي ولم تلتزم إسرائيل بالمضي في تنفيذ المرحلة الثانية كما لم تلتزم بتطبيق ما هو مطلوب منها بشكل دقيق خلال المرحلة الأولى.
وبحسب الاتفاق السابق، كان من المفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفي- الشريط الحدودي الجنوبي بين قطاع غزة ومصر- مع بدء تطبيق المرحلة الثانية، إلى جانب الانسحاب من كافة المناطق الحدودية الشرقية والشمالية إلى ما بعد حدود القطاع، وذلك بالتزامن مع استمرار عملية تبادل الأسرى بين الطرفين، لكن ربما الأهم من ذلك، أنه كان من المفترض أن تشتمل تلك المرحلة على إعلان "حماس" وإسرائيل الانتقال إلى وقف إطلاق نار دائم بعد تطبيقه وإعلانه بشكل مؤقت خلال المرحلة الأولى، وصولا إلى البدء في تنفيذ عملية إعمار غزة وتحديد شكل الجهة الحاكمة في غزة خلال المرحلة الثالثة، إلا أن كل ذلك قد انهار بعد التراجع الإسرائيلي.
لماذا تراجعت إسرائيل؟
حتى تتضح الصورة بشكل أكبر، لا بد من التطرق إلى عامل الوقت وربطه بالأحداث البارزة خلال فترة المفاوضات الأولى، حتى الوصول لإعلان الاتفاق، حيث كانت فترة انتهاء ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن متزامنة بالطبع مع مرحلة تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب حديثا دونالد ترمب، حيث كانت الحرب على غزة وعمليات التفاوض، جزءا مؤثرا بين الرئيسين خلال مرحلة التنافس والدعاية الانتخابية، وكانت واحدة من أسباب موافقة إسرائيل- وكلفت الحكومة الكثير من الأثمان السياسية- ومحاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إرضاء ترمب الذي صرح أكثر من مرة أنه قادر على وقف الحرب بمجرد فوزه وتنصيبه.
واضطر نتنياهو لإرضاء وكسب أكبر داعم عسكري وسياسي له- ترمب- أن يتخلي عن وزير الأمن القومي الإسرائيلي واليميني المتطرف إيتمار بن غفير الذي قدم استقالته احتجاجا على وقف الحرب وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين مقابل تسليم "حماس" عددا من المعتقلين الإسرائيليين، في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات الإسرائيلية في تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى، قد اشتعلت بقيادة ذوي المعتقلين والمؤيدين لإطلاق سراحهم بعد أكثر من عام وهم في قبضة المقاومة الفلسطينية وتحت الخطر والقصف الإسرائيلي.