أوروبا في عالم ترمب... تحديات البقاء والدفاعhttps://www.majalla.com/node/325014/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9
في أقل من شهرين، قلبت إدارة ترمب الجديدة موازين الأمن الأوروبي رأسا على عقب، مهددة ركائز ظلت راسخة لعقود. واتبعت ذلك بإحداث زلزال في الاقتصاد العالمي باعلانها التعرفات الجديدة التي ستفرضها على البضائع المستوردة الى الولايات المتحدة، ما سيكون له، بلا ريب، اثر عميق على السياسات الدولية.
فمنذ الحرب الباردة، مرورا بصراعات البلقان في تسعينات القرن الماضي، ووصولا إلى العدوان الروسي الأخير على أوكرانيا، كانت التزامات واشنطن بأمن أوروبا حجر الزاوية الذي بنت عليه القارة العجوز استراتيجياتها الدفاعية. غير أن هذه الإدارة استطاعت في فترة زمنية وجيزة أن تطيح بجملة من المسلّمات التي شكلت أساس التعاون عبر الأطلسي، سواء في ما يخص أوكرانيا، أو التجارة، أو التنسيق الدفاعي. وقد بلغ وقع هذا التحول حدا من الصدمة دفع السيناتور الفرنسي كلود مالوريه إلى وصف ترمب علنا بأنه "خائن"، وسرعان ما انتشرت هذه العبارة في وسائل الإعلام الغربية كالنار في الهشيم.
إزاء هذا التحول المربك، لم تقف العواصم الأوروبية موقف المتفرج، بل سارعت إلى التحرك لمواجهة الأزمات العاجلة المرتبطة بأوكرانيا والعقوبات التجارية الأميركية، وأخذت تعيد النظر في مستقبل أمنها الجماعي في عالم قد لا تكون فيه المظلة الأميركية مضمونة بعد اليوم. فهل باتت القارة العجوز اليوم، وبعد عقود من شراكة اقتصادية وعسكرية عميقة، على شفا قطيعة جيوسياسية لا مفر منها مع أميركا ترمب؟
قطيعة ليست كسابقاتها
لا يمكن القول إن هذا الخلاف هو الأول من نوعه بين شاطئي المحيط الأطلسي، ولكن يمكن القول إن حجمه وظروفه لا تشبه سابقاته. لقد كانت واشنطن، في البداية، مترددة في الانخراط المباشر في أمن القارة الأوروبية. وبدا ذلك بوضوح بعد مشاركتها في الحرب العالمية الأولى، وهو أول تدخل لها في الصراع الأوروبي، حين سحبت قواتها بمجرد انتهاء الصراع، وانتهجت سياسة الانعزال خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. وحتى بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم الدور المحوري الذي لعبته في هزيمة ألمانيا النازية، بدا الرئيس ترومان مترددا في البداية في إلزام بلاده بالدفاع عن أوروبا. إلا أن ما اعتُبر حينها تهديدا سوفياتيا بالتمدد دفع واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها، ما أدى إلى تبني "مبدأ ترومان" عام 1947، وإطلاق "خطة مارشال" عام 1948، ثم تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، الذي كرس انخراطا أميركيا عميقا ودائما في شؤون الأمن الأوروبي.
تعمق التعاون بين أميركا وأوروبا بعد الحرب الباردة، لا سيما مع توسع حلف "الناتو" شرقا، ثم لاحقا في التنسيق العسكري الوثيق الذي أعقب غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022
وعلى مر العقود، لم تخلُ العلاقة من توترات لافتة. فقد انسحبت فرنسا من القيادة العسكرية لـ"الناتو" عام 1966 (مع بقائها ضمن الحلف)، ووجهت الكثير من الدول الأوروبية انتقادات حادة للتدخل الأميركي في فيتنام. وفي ثمانينات القرن الماضي، عارضت المملكة المتحدة غزو رونالد ريغان لجزيرة غرينادا عام 1983، بينما وقفت فرنسا وألمانيا ضد غزو العراق عام 2003. غير أن تلك الخلافات بقيت محصورة في سياسات بعينها، ولم تبلور موقفا أوروبيا موحدا ضد الولايات المتحدة، كما لم تشكك يوما في القيمة الجوهرية للتحالف عبر الأطلسي. بل على العكس، تعمق التعاون بين الجانبين بعد الحرب الباردة، لا سيما مع توسع حلف "الناتو" شرقا، ثم لاحقا في التنسيق العسكري الوثيق الذي أعقب غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.
صدمة ترمب
هذا السياق التاريخي يُفسر جزئيا مدى الاضطراب العميق الذي يعيشه القادة الأوروبيون في الأشهر الأخيرة. فقد استعاد كثيرون في ذاكرتهم الولاية الأولى لترمب، التي- باستثناء خطابه الناري ومطالبه المتكررة بزيادة الإنفاق الدفاعي من قِبل الحلفاء- لم تسفر في نهاية المطاف عن أضرار جسيمة. وبالتالي، علق بعضهم آمالا عراضا على إمكانية تهدئة نزعاته التصادمية عبر المجاملة والمداهنة؛ فالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، قدمت له شرفا نادرا بدعوته لمقابلة الملك تشارلز في زيارة دولة للمرة الثانية، فيما اقترحت بولندا تسمية قاعدة عسكرية باسم "فورت ترمب". إلا أن الأسابيع الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأميركي كشفت بسرعة عن عبثية هذه المساعي. وكما صرح السيناتور الفرنسي كلود مالوريه بصراحة: "في شهر واحد، ألحق ترمب من الضرر بأميركا أكبر مما فعله خلال أربع سنوات من رئاسته السابقة". وقل القول نفسه عن أثره المدمر على العلاقات عبر الأطلسي.
على الرغم من الخوض في قضايا التجارة واقتراح فرض رسوم جمركية متبادلة، فإن الجهد الأوروبي انصب أساسا على دعم أوكرانيا وعلى المسألة الأوسع لأمن القارة
لقد استهدفت الإدارة الأميركية الجديدة، وبشكل سريع ومنهجي، ثلاثة ملفات مترابطة من التحالف الأميركي-الأوروبي. كان أولها الحرب في أوكرانيا، حيث تعتبر الحكومات الأوروبية دعم كييف خط الدفاع الأول في مواجهة التوسع الروسي. وهم لا يمانعون التوصل إلى تسوية سلمية، شريطة أن تكون مقبولة من أوكرانيا، وأن لا تفتح الباب أمام فلاديمير بوتين لاختراق أمن أوروبا. غير أن تخلي ترمب المفاجئ عن سياسة بايدن في عزل روسيا وإرساله وزير الخارجية ماركو روبيو للقاء وفد روسي في الرياض في 18 فبراير/شباط قد أثارا صدمة عميقة في العواصم الأوروبية.
وما أعقب ذلك من مؤشرات، مثل تبني ترمب السردية الروسية كاملة، واتهامه كييف بالتسبب في الحرب، ووصفه للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه "دكتاتور،" كل ذلك زاد من وقْع الصدمة. ولم تمضِ أيام حتى زار زيلينسكي البيت الأبيض، ظاهريا لتوقيع صفقة معادن بقيمة 500 مليار دولار كان ترمب قد اشترطها "ثمنا" للمساعدات السابقة. إلا أن الاجتماع سرعان ما تحول إلى مواجهة علنية، إذ شن ترمب ونائبه جي دي فانس هجوما لاذعا على زيلينسكي بتهمة قلة الاحترام وانعدام الامتنان.
من اللقاء الذي جمع بين الرئيس ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض في واشنطن، الولايات المتحدة، 28 فبراير 2025
أعقب هذا الخلاف مغادرة زيلينسكي المبكرة للبيت الأبيض، وقرار ترمب تجميد كافة المساعدات العسكرية لأوكرانيا. وقد سارع القادة الأوروبيون القلقون من هذا التدهور إلى محاولة ترميم العلاقات الأميركية-الأوكرانية، وحققوا نجاحا محدودا تمثل في مشاركة زيلينسكي في لقاء أميركي-روسي في السعودية. ومع ذلك، فإن نية ترمب الواضحة لإنهاء الحرب وفق شروط تخدم مصالح بوتين، إلى جانب إذلاله العلني لحليف رئيسي، قد أثارت قلقا بالغا في أوساط القارة الأوروبية.
وثاني تلك الملفات كان التزام الولايات المتحدة الأوسع بأمن أوروبا. ففي أوائل فبراير، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بشكل أحادي أن بلاده لن تكون بعد الآن "الضامن الرئيس لأمن أوروبا". ولم يكد صدى كلمات هيغسيث يخفت، حتى صعد نائب الرئيس فانس من حدة الخطاب في مؤتمر ميونيخ للأمن، مؤكدا أن "العدو الداخلي" هو التهديد الأكبر لأوروبا، وليس روسيا أو الصين.
أما الملف الثالث فكان التجارة، حيث وفّى ترمب بوعوده الانتخابية وفرض تعريفات جمركية باهظة على حلفاء أميركا، وكانت أوروبا من أبرز المتضررين. ففي مارس/آذار، فرض رسوما بنسبة 25 في المئة على جميع واردات الصلب والألومنيوم إلى الولايات المتحدة، ما أثار ردا فوريا من الاتحاد الأوروبي، الذي اقترح تعريفات بنسبة 50 في المئة على الويسكي الأميركي، ليُقابل ذلك بتهديد ترمب بفرض رسوم بنسبة 200 في المئة على جميع المشروبات الكحولية الأوروبية. ورغم أن الموقف لا يزال في طور التبلور، فقد أشارت مجلة "الإيكونوميست" إلى امتلاك الحكومات الأوروبية لعدة أدوات اقتصادية يمكن من خلالها الضغط على واشنطن، إلا أن اللجوء إليها قد يكون مُكلفا إلى درجة تجعلها غير قابلة للاستخدام. والنتيجة الصافية والواضحة هي أن الولايات المتحدة تحولت، خلال أسابيع معدودة، من أوثق شريك استراتيجي لأوروبا إلى مصدر معاناة اقتصادية حادة. لقد تلاشى بين ليلة وضحاها ذلك الازدهار المشترك الذي شكل حجر الزاوية في العلاقات عبر الأطلسي منذ خطة مارشال.
رد الفعل الأوروبي
رغم ما وُجه إلى القادة الأوربيين من انتقادات بالتراخي، دفعت الصدمات الجيوسياسية مطلع 2025 بهؤلاء الأفراد إلى التحرك الحاسم. وعلى الرغم من الخوض في قضايا التجارة واقتراح فرض رسوم جمركية متبادلة، فإن الجهد الأوروبي انصب أساسا على دعم أوكرانيا وعلى المسألة الأوسع لأمن القارة.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع على أمر تنفيذي بعد إلقاء كلمة بشأن التعريفات الجمركية المتبادلة في حديقة الورود بعنوان "جعل أمريكا ثرية مرة أخرى" في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 2 أبريل 2025
وفي هذا السياق، أعلنت المفوضية الأوروبية، في السادس من مارس/آذار، عن خطة بقيمة 800 مليار يورو لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وهي خطوة حظيت بتأييد واسع عبر الطيف السياسي. وقد صرح رئيس وزراء الدنمارك المنتمي إلى تيار الوسط اليساري قائلا: "ينبغي علينا أن ننفق وننفق وننفق على الدفاع والردع". وشملت الحزمة تخصيص 150 مليار يورو كقروض ميسرة لتشجيع الدول الأعضاء على زيادة استثماراتها في المجال الدفاعي.
ويمثل هذا التحول تبدلا جوهريا في النهج الاستراتيجي. ففي ألمانيا، التي طالما عارضت الإنفاق العسكري المكثف، ألغى فريدريش ميرتس، المرشح الأوفر حظا لتولي منصب المستشارية، قواعد الإنفاق الصارمة، معلنا أن "المعيار الجديد للدفاع يجب أن يكون: مهما تطلب الأمر".
وقد سار الكثير من الدول في هذا الركب، وبخاصة تلك الواقعة على تخوم روسيا. فقد رفعت إستونيا ميزانيتها الدفاعية إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبولندا إلى 4.7 في المئة، بينما تستهدف فنلندا الوصول إلى 3.3 في المئة بحلول أوائل الثلاثينات من هذا القرن.
أما المملكة المتحدة، فقد اغتنمت الفرصة لترميم علاقاتها الأوروبية بعد خروجها من "الاتحاد"، مؤكدة التزامها بدفاع أوروبي مشترك من خلال زيادة إنفاقها العسكري إلى 2.5 في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2027، وهي خطوة تتطلب تقليصا مؤلما للإنفاق الاجتماعي. بل إن سويسرا، التي عُرفت بحيادها الصارم، وجدت نفسها تطرح إمكانية تعزيز التعاون الأمني مع جيرانها.
تتمحور الاستراتيجية الأوروبية حاليا حول محاولة إبقاء ترمب منخرطا دبلوماسيا، والحفاظ قدر الإمكان على العلاقة الهشة بين كييف وواشنطن
وحظيت أوكرانيا باهتمام أوروبي كبير. وبالفعل، منذ عودة ترمب إلى سدة الحكم، تعهدت النروج بتقديم 4.3 مليار يورو من الدعم لكييف، بينما خصصت المملكة المتحدة قروضا بقيمة 2.2 مليار جنيه إسترليني. وقد اقترح الاتحاد الأوروبي مضاعفة حجم مساعداته لعام 2024 لتصل إلى 40 مليار يورو، بانتظار الموافقة الشاملة من جميع الدول الأعضاء، والتي لا تزال متعثرة. ومع ذلك، تؤكد القوات الأوكرانية أن هذه التعهدات لا بد أن تُترجم سريعا إلى إمدادات عسكرية. كما أن هذه الأموال لن تعالج النقص المزمن في القوى البشرية، ولن تعوض غياب صواريخ باتريوت الأميركية، الركيزة الأساسية في الدفاع الجوي لكييف. وإذا قرر ترمب سحب تلك المنظومات، فلن يسع الأوروبيين توفير بدائل مناسبة، كما أن جيوشهم تعتمد بدرجة مفرطة على القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية الأميركية. وعلى الرغم من إصرار العواصم الأوروبية على مواصلة دعم أوكرانيا، فإنها تدرك تماما محدودية إمكاناتها الذاتية.
وقد دفع هذا الواقع الأوروبيين إلى تكثيف الجهود لصياغة آليات تضمن أن يكون أي اتفاق سلام مستقبلي راسخا ومنسجما مع مصالح أوكرانيا. وفي أعقاب الإهانة العلنية التي تعرض لها زيلينسكي في البيت الأبيض، استضافت لندن قمة غابت عنها الولايات المتحدة رسميا، لبلورة خطة من أربعة بنود. وأسفرت المداولات عن إعلان تشكيل "حلف الراغبين"– بصيغة مبهمة– يضم عددا من الدول، بقيادة المملكة المتحدة وفرنسا، لمساندة أوكرانيا وضمان سلام دائم. وشددت لندن على وجوب استعداد أوروبا للنهوض بالقسط الأوفر، بما في ذلك نشر قوات لحفظ السلام، لضمان عدم تنصل روسيا من التزاماتها. ويبدو أن هذه المبادرة تستهدف التأثير في موقف واشنطن التفاوضي، وتوفير بديل في حال تخلت إدارة ترمب عن كييف. وقد أحرزت جهود الضغط البريطانية والأوروبية بعض النجاحات، مثل مشاركة زيلينسكي في مفاوضات السعودية، وطرح الولايات المتحدة لوقف إطلاق نار مدته 30 يوما. ومع ذلك، لا يستهينن أحد بحجم المخاطر التي تواجه أوكرانيا وأوروبا. فرغم أن هذه الجهود قد تساعد كييف على الصمود في الأمد القصير، فإنها تظل باهتة مقارنة بالدعم الواسع الذي حظيت به في عهد بايدن.
التحديات المقبلة
صرح السير ديفيد مانينغ، السفير البريطاني الأسبق لدى واشنطن، أمام لجنة مختارة في مجلس اللوردات، قائلا: "ما نشهده ليس مجرد عارض في العلاقة، بل هناك أمر جوهري يحدث". وبالفعل، اتخذ القادة الأوروبيون خلال الأشهر الأخيرة خطوات سياسية جذرية في رد فعل مباشر على تحركات الرئيس ترمب، غير أن تحديات جسيمة لا تزال تلوح في الأفق. ويأتي في مقدمتها، وأكثرها إلحاحا: الأزمة الأوكرانية وتداعياتها الإقليمية الأوسع.
وتتمحور الاستراتيجية الأوروبية حاليا حول محاولة إبقاء ترمب منخرطا دبلوماسيا، والحفاظ قدر الإمكان على العلاقة الهشة بين كييف وواشنطن. إلا أن الأوروبيين يدركون تمام الإدراك أنه في حال أخفقت هذه الجهود، وسعى ترمب إلى عقد صفقة مجحفة مع روسيا تتجاوز الرئيس زيلينسكي، أو أوقف الدعم الأميركي المالي والعسكري بشكل أحادي، فإنهم سيجدون أنفسهم مضطرين للدفاع عن أوكرانيا، ومن ورائها أوروبا الشرقية، بموارد محدودة للغاية. وهو مسار لن يفاقم فقط من وطأة النقص في القدرات الدفاعية الأوروبية، بل قد يستجلب كذلك نقمة ترمب، ويعرض القارة لمزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية.
أظهر ترمب، خلال ولايته الأولى، نمطا من السلوك غير القابل للتنبؤ والمتقلب على الدوام، وما زال أسلوبه يربك حسابات الدبلوماسية الأوروبية
إن القدرة الدفاعية هي التحدي الرئيس التالي، سواء في أوكرانيا أو في السياق الأوروبي الأوسع. فمنذ إنشاء حلف "الناتو"، بنى أعضاؤه الأوروبيون دفاعاتهم على افتراض استمرار الوجود الأميركي والوصول إلى الأسلحة والتكنولوجيا الأميركية. وفي حالة انتهى ذلك، فسيستغرق الأمر سنوات ومليارات اليوروات لاستبدالها. علاوة على ذلك، لدى الولايات المتحدة حاليا 90 ألف جندي في أوروبا، بما في ذلك 20 ألف جندي في دول البلطيق وبولندا ورومانيا. فإذا ما قررت واشنطن سحب هذه القوات والأسلحة والتكنولوجيا، فسيحتاج الأوروبيون إلى إنفاق أكثر بكثير من 4-2 في المئة من ناتجهم المحلي الإجمالي المقترح ليقتربوا من استبدالها. وإذا ما وجدوا المال، فإنهم يفتقرون إلى القوات، فجميع الدول الأوروبية– باستثناء حفنة من الدول الاسكندنافية– قد توقفت عن التجنيد الإجباري، وقلة قليلة من الشباب الأوروبيين ينجذبون إلى وظائف متدنية الأجر في الجيش. ثم هنالك سؤال مهم: من أين يأتون بالمال اللازم. تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أنه في حين أن الأوروبيين يدعمون الحرب الأوكرانية ويخشون بوتين، فإن القليل منهم على استعداد لدفع ضرائب أعلى أو رؤية فواتير الرعاية الاجتماعية تنخفض لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي، خاصة في الدول البعيدة عن خط المواجهة.
ولكن، بالطبع، ليس جميع الأوروبيين على قلب واحد فيما يتعلق بهذا المناخ الجديد المؤيد للأمن. إذ عرقل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، المتعاطف مع بوتين وترمب، مرارا مبادرات الاتحاد الأوروبي الدفاعية ووصف ردود الاتحاد الأوروبي المبكرة على محادثات ترمب مع بوتين بأنها "اجتماع الفاشلين".
اجتماع وزراء خارجية منظمة حلف شمال الأطلسي في مقر الناتو في بروكسل، في 4 ديسمبر 2024
يحكم الشعبويون أيضا، أو يشاركون في حكم كل من إيطاليا وسلوفاكيا وهولندا، وقد أثاروا مخاوف مختلفة بشأن خطط الإنفاق الكبير على الدفاع. وبالمثل، اعترضت المعارضة الشعبوية في الكثير من الدول، من اليسار واليمين على حد سواء، على هذه الخطط. وفي حين أن هناك إجماعا حاليا بين القادة الأوروبيين، باستثناء أوربان، فلا ضمان البتة بأن يصمد هذا الموقف الموحد طويلا. وبالطبع، لكي تنجح خطة دفاعية على مستوى القارة، هناك حاجة إلى التأييد على مدى فترة طويلة.
وثمة تحد جوهري آخر يواجه صانعي القرار الأوروبيين يتمثل في حالة عدم اليقين العميقة المحيطة بشخص الرئيس ترمب وإرثه المحتمل. فقد أظهر ترمب، خلال ولايته الأولى، نمطا من السلوك غير القابل للتنبؤ والمتقلب على الدوام، وما زال أسلوبه يربك حسابات الدبلوماسية الأوروبية. ومن الهواجس الواقعية التي تؤرق القادة الأوروبيين أن يعيدوا صياغة سياساتهم الاستراتيجية على افتراض أن التحالف عبر الأطلسي قد دخل مرحلة تآكل جوهرية، فما من أحد يمكنه أن يكون متأكدا مئة في المئة بأن ترمب لن يفاجئ الجميع بانعطافة مفاجئة في موقفه. وعلى الرغم من أن احتمال هذا التراجع يبدو ضعيفا في الوقت الراهن، فإن تقلبات ترمب تدفع المسؤولين الأوروبيين إلى اعتماد قاعدة حذرة: الاستعداد لأسوأ السيناريوهات مع الأمل في الأفضل.
لطالما كانت الحكومات الأوروبية في مقدمة الدول التي تبادر إلى تقديم المساعدات عند اندلاع الأزمات في الشرق الأوسط، إلا أن التحولات الراهنة قد تؤدي إلى تراجع هذا النهج مستقبلا
وتتزايد التساؤلات بالقدر نفسه حول مدى استمرارية هذا الشرخ. إذ يتساءل الأوروبيون، وبحق، عما إذا كان هذا الانقسام سيظل قائما خلال فترة رئاسة ترمب فحسب، أم إنه سيمتد إلى ما بعدها. وعلى افتراض أن ترمب لا يسعى إلى تعديل الدستور الأميركي ليترشح لولاية ثالثة– وهو احتمال لا يُمكن استبعاده كليا– فإن عام 2028 سيشهد انتخاب رئيس جديد. ومع ذلك، فإن أربع سنوات من القطيعة مع أوروبا قد تجعل من الصعب على رئيس ديمقراطي استعادة الشراكة التي أرساها بايدن، في حين من المرجح أن يستمر رئيس جمهوري– ربما نائب الرئيس الحالي جي دي فانس– في السير على نهج ترمب ذاته.
وفي ظل هذا الغموض، لا يميل قادة أوروبا إلى تبني نهج الانتظار والترقب، بل يُرجح أن تتجه الكفة نحو المضي قُدما في وضع خطط ملموسة للتعامل مع مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية– أو ما بات يُعرف بـ"أوروبا ما بعد أميركا". وتثير هذه التحولات أيضا تساؤلات مصيرية حول مستقبل حلف "الناتو"، وطبيعة علاقات أوروبا مع أعضائه غير الأوروبيين، مثل تركيا وكندا، وهي علاقات مرشحة لإعادة تعريفها في ضوء هذا المشهد الجيوسياسي المتغير.
التأثير على الشرق الأوسط
من الأمور التي ما زالت محل نقاش ما إذا كان استخدام مصطلح "الطلاق" مناسبا لوصف التصدع القائم بين أوروبا وأميركا في عهد ترمب أم لا. إذ قد يرى البعض– ولا سيما في واشنطن– أن العلاقة بين الجانبين لم تكن يوما "زواجا" بالمعنى الكامل، نظرا للروابط الاستراتيجية العميقة التي تربط الولايات المتحدة بمناطق أخرى مثل المحيط الهادئ وشرق آسيا وإسرائيل. ومع ذلك، وبصرف النظر عن المجاز المستخدم، بات واضحا أن تحولا جذريا طرأ على العلاقة التاريخية بين ضفتي الأطلسي، الأمر الذي يفرض على أوروبا، على وجه الخصوص، إعادة تشكيل نهجها القاري في مجالي الأمن والتجارة لمواكبة هذا الواقع الجديد.
ويبقى الغموض قائما حول الكيفية التي ستنعكس بها هذه التغيرات على النظام الدولي المتحول أصلا– وهو نظام يتسم بتعدد الأقطاب وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، مع تنامي فرص صعود القوى المتوسطة الطموحة.
ترمب ونتنياهو عند مدخل البيت الأبيض في 4 فبراير
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، يتمثل الأثر المباشر والأكثر وضوحا لهذا التحول في انشغال أوروبا، أحد أقرب جيران المنطقة وأكثرهم ازدهارا، بشؤونها الداخلية وأمنها الذاتي، ما يعني تراجع قدرة الحكومات الأوروبية على التفاعل مع قضايا المنطقة بنفس المستوى الذي عهدته سابقا.
وبدأت بالفعل ميزانيات المساعدات الخارجية في الانخفاض نتيجة التوجه نحو تمويل الإنفاق الدفاعي، ما قد يؤثر سلبا على المجتمعات الأكثر احتياجا في المنطقة. فعلى سبيل المثال، خفضت المملكة المتحدة نسبة مساعداتها الخارجية من 0.5 في المئة إلى 0.3 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي، الأمر الذي يهدد بتقليص البرامج المخصصة لدعم سوريا واليمن، اللتين كانتا رابع وخامس أكبر المستفيدين من المساعدات البريطانية في عام 2023. كما يُحتمل أن يشمل هذا التراجع الدعم الموجه للفلسطينيين المتضررين من الحرب على غزة، إلى جانب تقليص المساعدات المخصصة للصراعات المستمرة في ليبيا والسودان.
لطالما كانت الحكومات الأوروبية في مقدمة الدول التي تبادر إلى تقديم المساعدات عند اندلاع الأزمات في الشرق الأوسط، إلا أن التحولات الراهنة قد تؤدي إلى تراجع هذا النهج مستقبلا.
تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا قد يضعف تماسك الغرب، ما يسرع التحولات الجارية في ميزان القوى العالمي
وقد ينعكس تركيز أوروبا المتزايد على الدفاع الداخلي على مدى استعدادها للتدخل عسكريا في نزاعات الشرق الأوسط. فقد لعبت المملكة المتحدة دورا محوريا في حرب العراق عام 2003، كما قادت، إلى جانب فرنسا، استجابة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للأزمة الليبية عام 2011. كذلك، شاركت الدولتان الولايات المتحدة في شن ضربات جوية ضد بشار الأسد في سوريا، في حين انضمت مجموعة كبيرة من الدول الأوروبية إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش" في كل من العراق وسوريا.
وعلى المدى القصير، قد يدفع التركيز الأوروبي على مواجهة التهديد الروسي إلى تراجع الاهتمام بنشر قوات بالشرق الأوسط. وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي تراجع الخطر الروسي وإعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية إلى دفع بعض الدول، التي عززت منظومتها الدفاعية، إلى إعادة النظر في النزاعات الإقليمية باعتبارها ساحات لاكتساب الخبرة القتالية وتعزيز دعمها لحلفائها في المنطقة.
ترمب يحمل وثيقة "حواجز التجارة الخارجية" أثناء إلقائه كلمة بشأن الرسوم الجمركية في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 2 أبريل 2025
ونظرا لقربها الجغرافي من الشرق الأوسط، فمن غير المرجح أن تنسحب الدول الأوروبية تماما من المنطقة حتى في ظل انشغالها المتزايد بقضاياها الداخلية. بل على العكس، قد تسعى الحكومات الأوروبية بشكل متزايد إلى تعزيز علاقاتها مع القوى المتوسطة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد أصبحت دول مثل تركيا، والسعودية، والإمارات، ومصر، والمغرب أكثر أهمية للشراكات الأوروبية، في ظل تصاعد المنافسة الجيوستراتيجية مع روسيا، وهو ما بدأ يتجلى بالفعل في السياسات الأوروبية.
ومن الجوانب الجديرة بالاهتمام مدى انعكاس أي خلاف بين أوروبا والولايات المتحدة على مواقفهما تجاه قضايا الشرق الأوسط. فلطالما تبنت كبرى الدول الأوروبية، على مدار العقود الماضية، سياسات تتماشى مع توجهات واشنطن في المنطقة، إلا أن هذا النهج قد يشهد تحولا إذا لم تعد الولايات المتحدة حليفا رئيسا بالنسبة لهذه الدول. على سبيل المثال، قد يتخذ الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية-الإسرائيلية منحى مختلفا، لا سيما في ظل التقارب بين ترمب وبنيامين نتنياهو، مقابل تصاعد الانتقادات الأوروبية للحكومة الإسرائيلية اليمينية.
ومن المتوقع أن يستمر التعاون الاقتصادي بين أوروبا والشرق الأوسط، خاصة في قطاع الطاقة. ففي حال اندلاع حرب تجارية بين أوروبا والولايات المتحدة، قد يجد موردو الطاقة في الشرق الأوسط فرصة لتعزيز حضورهم، إذ ستسعى الدول الأوروبية إلى تأمين بدائل للغاز والنفط الأميركيين.
إن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا قد يضعف تماسك الغرب، ما يسرع التحولات الجارية في ميزان القوى العالمي. فبعدما كانت الحكومات الأوروبية تسعى إلى التأثير على الشرق الأوسط وفقا لأجنداتها الخاصة، أصبحت اليوم أكثر ميلا للتعامل بمرونة مع حكومات المنطقة بما يخدم مصالحها الجيوسياسية الأوسع. وفي ظل هذا المشهد، سيبقى ترمب كما هو، شخصية غير متوقعة بالنسبة لحلفائه وخصومه.