تعد كتابة رواية إبداعية جادة تحتكم إلى قواعد وأسس السرد العربي الرصين أحد أصعب أنواع التحديات الأدبية التي يخوضها الروائيون؛ ذلك أن الرواية الجادة حمل متعسر يستمر في بعض الأعمال لعدة أعوام، تماما كقصائد الحوليات التي برع فيها زهير بن أبي سلمى، شاعر الشعراء، كما وصفه عمر بن الخطاب، كونه "لا يتبع حوشي الكلام، ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمتدح أحدا إلا بما فيه".
والرواية العربية اليوم أكثر احتياجا لهذه الوصفة النقدية باعتبارها ديوان العرب المسرود، لذلك يجب على النقاد أن لا يحجموا عن مواجهة الرديء، والعناية بالمتقن منها، ليسهموا بذلك في تمييز النتاج الروائي المكتوب بتقنيات إبداعية دونا عن غيره.
يقول الروائي السعودي عبده خال: "علينا أن لا نتحول إلى حراس جائرين يمنعون الآخرين من دخول جنة الرواية أو طردهم منها". وبقوله هذا يمكنني استخلاص وصية عميقة مفادها: علينا أن نمنح كل من رغب في كتابة الرواية فرصته، وفي المقابل نترك للقراء حرية طرده أو إبقائه بجنة الروائيين، وللنقاد بعد فحص جاد إيصاد أبواب جنة الرواية في وجهه أو فتحها له.
إن ذلك العذاب الذي عاشته الكاتبة المغربية مليكة أوفقير وإخوتها في سجنهم النائي تكفل لاحقا بخلق جنة روائية لم يشارك القراء في مسببات ومرارة كتابتها. روايتها "السجينة" التي روتها للكاتبة التونسية الفرنسية ميشيل فيتوسي مستعيدة خلالها كل ما تعرضت له في سجنها الذي امتد لتسعة عشر عامًا. لقد سكنت روايتها أرواح المتلقين، وضخت في أوردتهم قلقا استمر معهم على امتداد الرواية وبعدها.
وكذلك فعل الروائي السعودي أحمد أبو دهمان في روايته "الحزام" عندما انحاز فيها إلى التوثيق الحياتي الواقعي، راصدا حقبا زمنية منصرمة، محملا روايته عوالم القرية ونقلها للعالمية صانعا منها لوحات فنية قدمت للقارئ الفرنسي وغيره تذكرة سفر مجانية لزيارة معالم القرى الريفية في جنوب السعودية والدخول إلى جنة روائية خلقها لهم أبو دهمان ووقف أمام أبوابها لاستقبالهم.
وأما جنة رواية "موت صغير" فقد منحت الروائي السعودي الدكتور محمد حسن علوان جائزة البوكر عام 2017، ورسخته في ذهنية المتلقي العربي الذي عاد من خلالها إلى الوراء بمقدار ثمانية قرون بين 1164-1240م، ليجتمع بـ"الشيخ الأكبر" محيي الدين بن عربي، ويحدثه عن مراحل اختطاف قلبه، ساردا له سيرته الصوفية، وأكثر من ذلك.. واليوم أستعيد ما قاله علوان، أثناء تتويجه: "أهدى الجائزة رمزيا إلى كل من يكتب بحبٍّ للإبداع". وقد صدق حقا، لأن جنة الروائيين لا يدخلها إلا من يكتب للإبداع بحب.
وأما رواية "قناع بلون السماء" جنة الروائي الفلسطيني باسم خندقجي، الأسير منذ عام 2004 في سجن "هداريم" الإسرائيلي، فكثيرا ما تحيلني إلى سؤال دائم: هل رأى السماء جيدا حينما قرر كتابة روايته هذه؟ أم إنه أخرج من ذاكرته جنة سردية دخلها وحيدا في أحوال مأساوية، ويده لا شك مكبلة بالقيود وعانت كثيرا من أجل إنهاء هذه الرواية.
تراه كيف شعر بلذة فوزه بالبوكر وهو المحكوم بثلاثة مؤبدات؟ ثم كيف تجاوزت روايته الأمن الإسرائيلي بأكمله وخرجت قبله من السجن، وخلفته وراءها لتتوج بأهم جوائز الرواية العربية؟
إن الإصرار على الكتابة هو جنة الكتابة ذاتها. فعلى الرغم من كل الإجراءات العقابية على حد وصف عائلة خندقجي بعزله ومنعه من الكتابة منذ فوز روايته فإنه صنع جنته الخاصة واستطاع تسريب قصاصات ورقية مع أسرى محررين، تماما كما فعل مع مسودات "قناع بلون السماء" التي أكدت أن للرواية الجادة صوتا يقفز بكاتبها إلى حيث لا يتوقع.
بات من الضروري قبل تصدير الإنتاج الروائي العربي إخضاعه للتقييم بناء على قواعد إبداعية إن لم يجتزها فيجب أن يبقى في حدود المتناول المحلي
إن خوض الكتابة الروائية كمشروع لن تكتمل إلا من خلال مبدع وصفه لنا الناقد الجزائري السوري "خير الله عصّار" في كتابه "مقدمة لعلم النفس الأدبي" بقوله: "مبدع فني في الأدب، يتحسس مشكلة أو موضوعا ما ربما قبل غيره، ثم يعبر عنها بأسلوب خاص وفريد فيه جدة وفيه تأثير لا يضاهيه أديب عادي آخر".
بقي أن أضيف أن لكل أدب عالمي قواعده وهذا ما يؤكده المتلقي من خلال ما يصل من الدور العربية التي تترجم الروايات العالمية بعد إخضاعها لمعايير اقتنعت سلفا بمكاسبها المربحة، لهذا بات من الضروري قبل تصدير الإنتاج الروائي العربي إخضاعه للتقييم بناء على قواعد إبداعية إن لم يجتزها فيجب أن يبقى في حدود المتناول المحلي. ومن لم يكن على استعداد لخلق جنة سردية لقراء محليين وعالميين وفق هذه القواعد والمعايير فليس عليه حرج من أن يخوض جولات سردية أخرى، لأن الرواية تتمثل أمام قرائها كهوية ثقافية واجتماعية كما أنها قد تتحول لوثيقة رسمية وبالتحديد حينما تكون رواية تاريخية.
وصدق المفكر المغربي عبد الفتاح كيليطو عندما قال في كتابه "الأدب والغرابة": "وجود قواعد ضابطة للعملية الإبداعية السردية لا تنفي إمكانية التجديد في النسق الداخلي لبنية النص".