"يوم التحرير الاقتصادي"... رسوم جمركية أميركية تصدم العالم

اندلاع أكبر حرب تجارية بين الحلفاء منذ الحرب العالمية الثانية

رويترز
رويترز
الرئيس دونالد ترمب خلال إعلان الرسوم الجمركية في حديقة الورود بالبيت الأبيض، 2 أبريل 2025

"يوم التحرير الاقتصادي"... رسوم جمركية أميركية تصدم العالم

نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعود مقولته الشهيرة "إن التعريفات الجمركية هي أفضل مفردات الموسوعات اللغوية"، ووقع في "يوم التحرير الاقتصادي الأميركي" حزمة رسوم تعريفات جمركية جديدة، شملت الحلفاء والأصدقاء والخصوم على السواء في 60 دولة، وصفهم بـ"الشركاء غير النزهاء" (Dirty 60). وتراوحت معدلات التعريفات الجديدة بين 10 في المئة على المملكة المتحدة والبرازيل و46 في المئة على فيتنام. وبلغت النسبة 34 في المئة على الصين، و32 في المئة على تايوان، و26 المئة على الهند وكوريا الجنوبية، و24 في المئة على اليابان، و20 في المئة على دول الاتحاد الأوروبي، و17 في المئة على إسرائيل، و10 في المئة على بقية الموردين إلى الأسواق الأميركية (ولم يُعلن أي رسوم على كندا والمكسيك). وفرضت تعريفات جمركية إضافية بنسبة 25 في المئة، على كل السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة الأميركية.

تصحيح أخطاء التاريخ... وانتقاد أوروبا

اعتبر ترمب أن قراره يصحح أخطاء تجارية وجمركية امتدت 50 سنة، سمحت بزيادة ثروات دول استفادت شركاتها من دخول الأسواق الأميركية، في وقت واجهت الصادرات الصناعية الأميركية رسوما مرتفعة وتضييقات غير مالية، قدر تعريفاتها بضعفي ما تم توقيعه.

رويترز
الرئيس دونالد ترمب يحمل وثيقة "حواجز التجارة الخارجية" في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن، 2 أبريل 2025

وانتقد عدم إقدام الأوروبيين على شراء سلع أميركية رغم قوتهم المالية، لافتا الى أن المرحلة المقبلة هي مصلحة أميركا أولا. وتوقع أن تحصل بلاده على استثمارات بقيمة ستة تريليونات دولار، من خلال إعادة التوطين الصناعي في قطاعات السيارات، والسفن، والطائرات، والرقائق، والأدوية، والتكنولوجيا. وهي من المجالات التي تقول الإدارة الجديدة إنها "أساس السيادة الاقتصادية" التي أصبحت أولوية، قبل التحالفات التقليدية الأيديولوجية والعقائدية أو حتى الدفاعية.

ترمب يدق مسمارا في نعش التحالف الاقتصادي والجيوسياسي والعسكري، الذي امتد على مدى 80 سنة، ظلت فيها الولايات المتحدة قائدة العالم الحر، الداعمة تحرير التجارة والمبادلات وحرية الملكية الخاصة والاستثمارات ورؤوس الأموال

وقال في خطاب ألقاه في حديقة البيت الأبيض "إن بعض (سلوك) أصدقائنا أكثر سوءا من خصومنا" في أشارة مبطنة إلى دول من الاتحاد الأوروبي، وأعضاء آخرين في مجموعة السبع الاقتصادية G7. وكأنه بذلك يدق مسمارا في نعش التحالف الاقتصادي والجيوسياسي والعسكري، الذي امتد على مدى 80 سنة، ظلت فيها الولايات المتحدة قائدة العالم الحر، الداعمة تحرير التجارة والمبادلات وحرية الملكية الخاصة والاستثمارات ورؤوس الأموال، قبل أن تغير بوصلتها مع عودة دونالد ترمب.

أخطار عودة التضخم العالمي والانكماش

وفي ردود الفعل العالمية، توقع محللون اقتصاديون انتقدوا قرار الرئيس على وسائل إعلام أوروبية ( فرنسية وألمانية)، أن تبلغ تكلفة الرسوم الجمركية الإضافية التي سيتحملها المستهلك الأميركي نحو 800 مليار دولار، بسبب ارتفاع منتظر في أسعار السيارات والهواتف الذكية والحواسيب والآليات الإنتاجية والتجهيزات المنزلية وغيرها. وهناك مخاوف أوروبية من تأثير سلبي على الاقتصاد العالمي، بسبب تراجع محتمل في التجارة الدولية، التي نمت العام الماضي 3 في المئة. وهو معدل النمو الاقتصادي العالمي نفسه، لكنه مرشح أن يفقد نقطة كاملة العام الجاري في حال تنفيذ كل الرسوم في الاتجاهين. 

وفي حال تطبيق أوروبا رسوما بنسبة 10 في المئة على إجمالي التجارة العالمية، فان التكلفة الإضافية لدى المستهلكين قد تزيد على ثلاثة تريليونات دولار على الأقل، وهو مبلغ كبير جدا يهدد الاقتصاد العالمي بالانكماش

وهذا خبر سيئ لصناعة السيارات الألمانية التي دأبت على تسويق طرز سياراتها الفخمة في الأسواق الأميركية، خصوصا "مرسيدس" و"ميباخ" و"أودي"، وتحقيق فائض تجاري، هو الثاني بعد إيرلندا. ومن المعروف أن كل تراجع في الطلب بسبب ارتفاع الأسعار، أو تباطؤ في النمو، يضر بالاقتصاد الألماني (القوة الأولى في أوروبا). وتواجه برلين منذ ثلاث سنوات تكاليف إضافية جراء تحمل حرب أوكرانيا وعقوبات اقتصادية على روسيا، وتوقف إمدادات الغاز المنخفض السعر، وكانت سياراتها تمثل عنصر تنافس قوي أمام السيارات الصينية المدعومة من الحكومة المركزية في بكين. 

في انتظار الرد الأوروبي... تداعيات سلبية 

ووعدت بروكسيل بالرد بالمثل وربما بفرض رسوم جمركية إضافية على الواردات الأميركية، في انتظار قرار مشترك من دول الاتحاد في الساعات المقبلة، مما يؤشر إلى اندلاع أكبر حرب تجارية بين الحلفاء، منذ الحرب العالمية الثانية، ستكون لها تداعيات سلبية على المستهلكين والشركات وقطاع المال والأعمال والاقتصاد العالمي.

وفي حال تطبيق أوروبا رسوما بنسبة 10 في المئة على إجمالي التجارة العالمية، فإن التكلفة الإضافية لدى المستهلكين قد تزيد على ثلاثة تريليونات دولار ( 3,5 تريليون دولار) على الأقل، وهو مبلغ كبير جدا يهدد الاقتصاد العالمي بالانكماش، وقد يزيد تفشي البطالة واتساع الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي. وهناك من يشبه الوضع العالمي الحالي بما حدث في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، عندما انهارت البورصات العالمية، وعم الإفلاس الاقتصادي، الذي كان سببا مباشرا في صعود الحكومات المتطرفة واندلاع الحرب العالمية الثانية.

عجز تجاري بقيمة 1,2 تريليون دولار

يعتقد الرئيس ترمب أن قراراته الجمركية (المثيرة للجدال) تخدم مصالح المواطن الأميركي، ولها أولوية على الاقتصاد العالمي، وهي حمائية غير معلنة رسميا، لكنها دخلت حيز التنفيذ الفعلي. وحتى الآن لم تتأكد نظرية انفصام الاقتصاد الأميركي عن الاقتصاد العالمي، الذي تسيطر فيه واشنطن على نسبة 23 في المئة. ويُعتبر تسجيل عجز تجاري بقيمة 1,2 تريليون دولار مناقضا لحجم الولايات المتحدة على المسرح الاقتصادي العالمي: كيف لأمة تملك قرابة ربع الناتج الإجمالي العالمي، أن لا تصدر سوى 10 في المئة من التجارة العالمية؟

كانت حصة أسواق شرق آسيا من الرسوم الجمركية قياسية، حيث بلغت النسبة 49% في كمبوديا، و46% في فيتنام، و36% في تايلاند، و32% في اندونيسيا وتايوان. وشكلت هذه الرسوم المرتفعة صدمة كبيرة لهذه الدول الصاعدة

 ويراهن ترمب على استرجاع نحو 600 مليار دولار عبر الرسوم الجمركية، وإعادة توطين بعض صناعة السيارات خلال العام الجاري. وكلما انخفض عجز الميزان التجاري، انخفضت قيمة المديونية العمومية (نحو 30 تريليون دولار)، وسمحت الموازنة بتقليص الضرائب، لكن المؤشرات لا تؤكد هذا التوجه حتى الآن. 

صدمة وتراجع الأسواق الآسيوية

في أول ردود فعل الأسواق الدولية على قرارات ترمب الجمركية، تراجعت أسهم كبريات الشركات المدرجة، وخسر مؤشر نيكاي نحو 3 في المئة في بداية التعاملات في أسواق شرق آسيا، التي كانت حصتها من الرسوم الجمركية قياسية، حيث بلغت النسبة 49 في كمبوديا، و46 في فيتنام، و36 في تايلاند، و32 في اندونيسيا وتايوان. وشكلت هذه الرسوم المرتفعة صدمة كبيرة لهذه الدول الصاعدة، التي لها حضور كبير في سلاسل الإمدادات العالمية، بما فيها الرقائق وأشباه الموصلات التي تحتاجها الصناعات الدقيقة في الولايات المتحدة.

أ.ف.ب.
متداولون في بورصة نيويورك خلال جلسة التداول الصباحية في 1 أبريل 2025 وقد انخفضت أسعار الأسهم عند افتتاحها

وقال باتريك مارتن خبير الشؤون الاقتصادية الاوروبية "إن الإجراءات الجمركية الأميركية سيئة للاقتصاد الأوروبي والعالمي، وتهدد شركاء الولايات المتحدة في مناطق عدة من العالم (...) إن رفع الرسوم على دول جنوب شرق آسيا وتايوان سيكون في صالح الصين، لأنها دول لا تستطيع الصمود بمفردها مثل الاتحاد الأوروبي، مما سيقوي مكانة الصين في تلك المناطق"

 سيف ديموقليس

تقول الميثولوجيا الإغريقية إن حاكم صقلية دينيسيوس الثاني (القرن الرابع قبل الميلاد) دعا ضيوفه إلى بلاطه، وعندما جلس الجميع تبين أن سيفا معلقا بشعرة واحدة يتدلى فوق رؤوس الحاضرين، وبما أن الجالس الأقرب كان يدعى ديموقليس فقد سمي السيف باسمه، تعبيرا عن الأخطار التي تواكب جمع الثروة والمكاسب المادية.

إذا كان دونالد ترمب هو الحاكم دينيسيوس، والسيف المعلق هو الرسوم الجمركية، والمدعوون هم 60 دولة شملتهم الرسوم، فمن يكون ديموقليس: هل هي الصين؟ أم الاتحاد الأوروبي؟ لأنهما في الترتيبين الأول والثاني في اللائحة التي عرضها الرئيس في حديقة البيت الأبيض.

font change

مقالات ذات صلة