روسيا في شمال شرقي سوريا... نفوذ صامت لمكاسب مستقبلية

ورقة سياسية وعسكرية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مروحية هجومية عسكرية من طراز كاموف كا-٥٢ أليجاتور تابعة لسلاح الجو الروسي، مع شاحنات ومركبات أخرى في القاعدة الجوية الروسية بمطار القامشلي شمال شرق سوريا، في 12 ديسمبر 2024

روسيا في شمال شرقي سوريا... نفوذ صامت لمكاسب مستقبلية

في القامشلي، بعيدا عن الأنظار، وفي منطقة حساسة على مستويات عدة، حصلت "المجلة" على معلومات تفيد بتحرك روسيا للتواصل مع ضباط النظام الذين فروا إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، وذلك عبر وسطاء لها من المدنيين الذين كانوا يعملون معها في مطار القامشلي أو الضباط الذين هربوا بعد سقوط النظام إلى منطقة شرق الفرات، في الوقت الذي قال فيه سياسي غربي إن الدول الأوروبية وبريطانيا ينظرون بحذر للوجود الروسي في سوريا، ويرونه عاملا لزعزعة الاستقرار وورقة روسية للضغط على الإدارة السورية الجديدة لتحقيق مكاسب سياسية وإبقاء نفوذ عسكري لها في سوريا.

ولم يحظَ الوجود الروسي في مطار القامشلي على الانتباه الكافي بالرغم من خطورته وأهميته، فالتركيز ينصب على وجود روسيا في قاعدتي حميميم وطرطوس، وسط غياب لافت للنظر عن الاهتمام بوجودها في مطار القامشلي، والذي يمكن له أن يلعب عدة أدوار في زعزعة الاستقرار وزيادة النفوذ الروسي. وتأتي أهمية وجود روسيا في مطار القامشلي من كونه تمركزا عسكريا قريبا من قوات التحالف الدولي والولايات المتحدة، وبعيدا عن مناطق نفوذ الحكومة السورية المؤقتة، كما أن المطار لعب سابقا دورا فاعلا ضمن إطار السعي الروسي لتقريب وجهات النظر بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والنظام السوري السابق، وقد يتحول دور الوسيط السابق إلى دور تنسيقي مع أجنحة في (قسد) ليست راضية عن الاتفاق الذي حصل منتصف شهر مارس/آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.

وقد علمت "المجلة" من مصادر خاصة أن متعاونين مع الروس في مطار القامشلي يقومون بعمليات تواصل مع الضباط- وليس الجنود- السابقين في النظام السوري، والذين فروا إلى مناطق سيطرة (قسد) عقب هروب بشار الأسد إلى موسكو وانهيار نظامه صباح يوم 8ديسمبر/كانون الأول الماضي، وبحسب المعلومات فإن التواصل لا يتم بشكل مباشر من قبل الجانب الروسي، وينحصر في الوقت الراهن على الضباط الذين لا يرون أن الحكومة السورية الجديدة ستقبل تسوية أوضاعهم لضلوعهم في انتهاكات بحق السوريين. الشكل الحالي من التواصل لا معلومات مؤكدة حول طبيعته والدور الذي سيقوم به ضباط النظام السابقون، هل هو الإقامة والعمل مع القوات الروسية في القاعدة كحرس للقاعدة، أم إن دورهم سيتعدى وجودهم في الإطار الجغرافي للمطار.

المصادر أكدت أيضا أن روسيا جلبت تعزيزات عسكرية إلى مطار القامشلي خلال شهر مارس، تضمنت معدات عسكرية وجنودا، تم إرسالهم جوا من قاعدة حميميم، إضافة إلى القيام بتعزيز الحراسة وأدوات المراقبة في محيط المطار، وهو أمر لم تقم به روسيا منذ سقوط النظام السوري، في وقت ترجح فيه المصادر أن روسيا ربما تعمل على تعزيز وجودها في المطار، كخطوة أولى لتأسيس نقطة نفوذ تُقوي أوراقها التفاوضية مع الحكومة السورية المؤقتة، وربما تكون روسيا تخطط للبقاء في تلك المنطقة فترة تتعدى وصفها بالمؤقتة.

الشكل الحالي من التواصل لا معلومات مؤكدة حول طبيعته والدور الذي سيقوم به ضباط النظام السابقون، هل هو الإقامة والعمل مع القوات الروسية في القاعدة كحرس للقاعدة، أم إن دورهم سيتعدى وجودهم في الإطار الجغرافي للمطار 

حول ذلك يقول الضابط السوري عماد شحود في حديثه مع "المجلة" إنه "في حال صحت هذه الأخبار، فقد لا تكون روسيا تنوي التعاون مع ضباط النظام السابقين، وإنما من المرجح أن تريد جلبهم إلى مركز وجود القوات الروسية في القامشلي لتحويلهم إلى ورقة تفاوضية مع الحكومة السورية"، مضيفا أنه و"أكثر من مرة" قام الأمن العام باعتقال ضباط كانوا يعملون مع النظام، وذلك بعد اجتماع بين ممثلين عن روسيا والحكومة السورية، ما يعني أن روسيا تستخدم ضباط النظام السابقين أوراقا تفاوضية مع دمشق.

أ.ف.ب
مركبات عسكرية روسية في القاعدة الجوية بمطار القامشلي

إبقاء خطوط تواصل مع "قسد"

تحاول روسيا إبقاء خطوط التواصل مع (قسد) في شرق الفرات، حيث حصلت عدة لقاءات بين الجانبين بعد سقوط النظام السوري، كان آخرها بعد توقيع الاتفاق بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، اللقاءات لم تأخذ دورا أبعد من تبادل وجهات النظر حول التطورات في سوريا، ولعل روسيا تهدف إلى إبقاء هذا النوع من التواصل مفتوحا مع "قسد"، وهو ما يشكل عامل قوة سياسيا لروسيا في المنطقة، خصوصا مع توقعات بانسحاب الولايات المتحدة من سوريا قريبا، وسط تعقيدات كثيرة تكتنف عملية تنفيذ الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية و"قسد"، والتي تحتاج أشهرا من المفترض أن تبدأ الشهر الجاري مع تشكيل لجان من الطرفين مسؤولة عن التوصل لتوافقات في ملفات الأمن، والجيش، والمقاتلين الأجانب في صفوف "قسد"، والاقتصاد، والثروات الباطنية والزراعية، والمؤسسات العامة. وتعقيدات قد تُتيح لروسيا لعب دور سلبي في سبيل الحصول على مكاسب في سوريا، خصوصا في حال نسقت وقدمت وعودا لأجنحة عسكرية منضوية تحت لواء "قسد" وغير راضية عن أي تقارب مع حكومة دمشق.

الغرب ينظر بريبة للوجود الروسي في سوريا بعد سقوط الأسد، وتحديدا دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ومن المرجح أن يكون مستقبل روسيا في سوريا أحد الملفات المهمة التي سترسم ملامح العلاقة بين الدول الغربية والحكومة السورية

الغرب ينظر بريبة للوجود الروسي في سوريا بعد سقوط الأسد، وتحديدا دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ومن المرجح أن يكون مستقبل روسيا في سوريا أحد الملفات المهمة التي سترسم ملامح العلاقة بين الدول الغربية والحكومة السورية، وبحسب سياسي غربي تحدثت إليه "المجلة"، فإن بقاء روسيا في سوريا قد يشكل عامل إضعاف للجهود الدولية تجاه سوريا، فروسيا لعبت دورا مدمرا في سوريا خلال حقبة الأسد، مشيرا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ينظرون بحذر إلى سياسة روسيا في سوريا بعد الأسد، ويرون أن موسكو قد تلعب دورا مستقبليا مزعزعا لجهود إرساء الاستقرار في سوريا، ويضيف أيضا أنه لا يمكن الوثوق بوعود موسكو التي تقدمها لحكومة دمشق الجديدة، فقد ساعدت الأسد عسكريا للنهوض من جديد عام 2015، كما أنها حتى الساعات الأخيرة من وجود بشار الأسد في دمشق كانت تقدم له الدعم والحماية، ونقلته إلى موسكو ومنحته حق اللجوء.

أحداث الساحل والدور الروسي

تمكنت الحكومة السورية المؤقتة من السيطرة على الوضع في الساحل السوري بنسبة كبيرة، وأفشلت إحدى أقوى الهجمات المنظمة ضدها منذ سقوط النظام السوري، لكن التكلفة كانت باهظة على المستوى المحلي والسياسي بسبب الفوضى التي حصلت في منطقة الساحل والتي راح ضحيتها مدنيون في عمليات قتل عمد نفذتها الأطراف المتحاربة جميعا. حيثُ إن ضعف الإمكانات الاستخباراتية والعسكرية لدى الحكومة السورية في منطقة الساحل، جعلها بشكل غير مباشر تقبل بكل أنواع الدعم المحلي لقواتها في سبيل إفشال هجمات بقايا النظام الممنهجة والمرتبة مسبقا، وسط معلومات عن تورط إيران، وروسيا، و"حزب الله" اللبناني بدعم بقايا النظام في هذا الهجوم.

وسبق الهجوم الكبير على قوات الأمن العام التابعة للحكومة السورية المؤقتة في مناطق من جبلة واللاذقية مطلع شهر مارس، عمليات تهريب متتالية للسلاح من الحدود السورية اللبنانية تجاه طرطوس، ما يعزز ضلوع إيران وجناحها "حزب الله" اللبناني في دعم الهجوم. يقول شادي وهو من قرية قريبة من قاعدة حميميم في حديث لـ"المجلة" إن "روسيا أيضا لها دور في الهجوم، فقد قامت بتسليم بعض الأسلحة لعناصر تابعين للنظام خلال شهر فبراير/شباط، كما أن الهجمات التي استهدفت مراكز ونقاطا للأمن العام في محيط قاعدة حميميم في النصف الثاني من شهر فبراير كان هدفها تشتيت انتباه القوى التابعة للحكومة المؤقتة من أجل إدخال ضباط سابقين في جيش النظام إلى القاعدة".

لعبت روسيا دور "الحامي" من خلال فتحها لقاعدة حميميم في وجه المدنيين وعناصر النظام السابقين خلال المعارك المحتدمة، وتريد موسكو من خلال لعب هذا الدور إبقاء عوامل التواصل "الإيجابي" مع المناطق الساحلية التي كانت تُعتبر النواة الصلبة الداعمة للنظام السوري، والبيئة الخصبة للنفوذ الروسي الاجتماعي والعسكري.

أ.ف.ب
محطة رادار عسكرية روسية متنقلة في القاعدة الجوية الروسية بمطار القامشلي شمال شرق سوريا، في 12 ديسمبر 2024

مما لا شك فيه أن روسيا تدرك أن الحكومة السورية المؤقتة تنظر بعين الريبة تجاهها، ولذلك تعمل على تدعيم نفوذها بطرق عدة، ما يجعل أوراقها التفاوضية أكثر لتحقيق مكاسب مستقبلية في منطقة الشرق الأوسط (تحديدا سوريا)، وترى موسكو أن التقارب السياسي الحاصل مع واشنطن، والمخاوف الإسرائيلية من نفوذ تركي أكبر في سوريا، عبارة عن أوراق سياسية إضافية تساعدها في تحقيق تطلعاتها في سوريا.

في المقابل قد يكون لهذه العوامل دور كبير في التقارب المتسارع للدول الأوروبية مع الحكومة السورية المؤقتة، ومن المرجح أن أوروبا ترى ترك سوريا معزولة يمكن أن يعزز أوراق روسيا وإيران فيها، وهو أمر لا تريده، فهي تنظر لأي نفوذ روسي كتهديد لمصالحها وأمنها.

font change