رحيل فاضل الربيعي: مشاكسة التاريخ والجغرافيا

أواصر ثقافية بين المعتقدات اليمنية القديمة والديانات التوحيدية

الكاتب والباحث العراقي فاضل الربيعي

رحيل فاضل الربيعي: مشاكسة التاريخ والجغرافيا

توفى الكاتب والباحث العراقي فاضل الربيعي (1952- 2025) يوم السبت الماضي في منفاه في هولندا، بعد أن عاش حياة أمضى معظمها في نقاشات لافتة عن الجغرافيا المدونة في الكتب والمرويات الدينية، محاولا تقديم تصور مختلف عما تعارف عليه المؤرخون في تحديد جغرافيا الأماكن الدينية.

كان الربيعي أكد حضوره الأدبي من خلال مجموعاته القصصية ومقالاته في سبعينات القرن الماضي، إلا أنه بعد أن أصدر روايته "عشاء المأتم" (1982) أصبح اسمه محل جدال لا ينتهي، بسبب نقد هذه الرواية للحزب الشيوعي العراقي الذي سبق أن انتسب إليه، إلى جانب تناولها الحياة السياسة العامة في العراق.

ربما بسبب هذه المواقف، غادر بغداد إلى دمشق ومنها إلى بلغراد، ثم عدن التي وصل إليها عام 1989، حيث بقي هناك ما يقرب من عام. وهناك بدأ اهتمامه بالتاريخ اليمني، الذي تطور لاحقا ليصبح مرجعيته الأساس في نظريته التي ترى أن جغرافيا الأمكنة الواردة في التوراة موجودة في اليمن وليست في القدس كما يردد مؤرخون وباحثون. جاء هذا التصور بعد أن أصدر كمال صليبي كتابه المثير للجدال، "التوراة جاءت من جزيرة العرب" (1985)، الذي يقدّم فيه ما افترضه من أن الأحداث الواردة في التوراة وقعت في جنوب الجزيرة العربية معتمدا على مقارنات بين أسماء الأماكن في التوراة وتلك التي ذكرها المؤرخ اليمني الحسن الهمداني (893- 947) في كتابيه "صفة جزيرة العرب" و"الإكليل".

القدس اليمنية

ما يثير القارئ اليمني، أكثر من القارئ العربي عامة، هو أن "دار الفكر" في دمشق، ناشرة كتاب الربيعي، "فلسطين المتخيَّلة، أرض التوراة في اليمن القديم" (2008)، أشارت في مقدمة الكتاب إلى أنها لم تتخذ قرار النشر إلا بعد استشارة مؤرخين يمنيين بارزين، هما حسين عبدالله العمري ويوسف محمد عبدالله اللذان وافقا على نشر الكتاب. وإذا كانت "الموافقة" من العالمين اليمنيين لا تعني اتفاقهما مع ما جاء في الكتاب، باعتبار أن ذلك يندرج ضمن حرية البحث والرأي، فإنها تعني أيضا عدم اعتراضهما على الطرح الجريء الذي يستبدل جغرافيا بأخرى. لكن مقربين من المؤرخ حسين العمري (81 عاما) نقلوا عنه حينذاك قوله "كيف أوافق على كتاب لم اقرأه بعد"، فيما لا تتوافق أبحاث يوسف محمد عبدالله الذي توفى عام 2021 مع آراء الربيعي. كما لم يقوما بالرد علنا على أبحاثه وتصريحاته، على عكس عبد العزيز المقالح وحمد الجاسر اللذين قللا أهمية أطروحات كمال صليبي.

يذهب الربيعي إلى القول إن "مملكة إسرائيل" كانت في اليمن، وإن السبي البابلي "لم يحدث لليهود في فلسطين"

في هذا الكتاب، المكوّن من مجلدين، يقارن الربيعي بين أوصاف المؤرخ اليمني الهمداني لأرض اليمن وما جاء في وصف يشوع في منازل الأسباط، وكذلك ما ورد في سفر القضاة ونص الهمداني حول صراع قبيلتي أشعر وعك، ومعالم نمط الاستيطان عند القبائل اليمنية، ليصل إلى استنتاج يرى فيه أن "القدس ليست أورشليم". وعلى منوال كلمة "ليست" النافية التأكيدية، يذهب الربيعي إلى القول إن "مملكة إسرائيل" كانت في اليمن، وإن السبي البابلي "لم يحدث لليهود في فلسطين"، كما أن "المصريين والآشوريين لم يشتبكوا فوق أرضها قط" وأن "سفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط"، و"أن الملك داوود لم يحارب الفلسطينيين"، وأن "القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية، وليس في فلسطين".

غلافا "فلسطين المتخيلة" و"حقيقة السبي البابلي"

وإذ يعود إلى تشابه الأسماء في النص التوراتي والأماكن اليمنية، فإنه يضيف أيضا روايات رحالة ينقلون آراء مواطنين يمنيين يهود، دون أي مرجعية تاريخية علمية، ومن ذلك ما نقله عن الرحالة السوري نزيه المؤيد العظم، الذي زار اليمن عام 1916، حيث ذكر في كتابه "رحلة في بلاد العربية السعيدة" أنه سأل عددا من كبار اليهود في صنعاء، ومنهم الحاخام، عن أصل يهود اليمن، فقالوا له إن اليهود كانت لهم "مدينة عظيمة وكان لهم ملك فخيم في شرقي صنعاء، وقد أسس ذلك الملك وتلك المدينة الملك سليمان بن داوود". ومن منطلق تشابه الأسماء، تطورت آراء الربيعي فصار يصرّح بإن النبي إبراهيم من منطقة الضالع اليمنية، والنبي موسى من منطقة قَدَسْ اليمنية، وأن فرعون اسم لملك يمني قديم. ناقلا بذلك مسرح الأحداث التي يعتقد كثيرون أنها حدثت في العراق وفلسطين ومصر إلى اليمن.

ويتساءل الربيعي "لماذا كان يهود اليمن، ولا يزالون حتى اليوم، يؤمنون أن أرض التوراة هي في اليمن؟"، وهو تساؤل غير محقق في الواقع لدى من يعرف المجتمع اليهودي في اليمن الذي ظل متأثرا بالمرويات الدينية القديمة وشروحاتها التي تتحدث عن "أرض الميعاد".

اليهودية في اليمن

وإذا ما عدنا إلى كثير من الآراء التي تتحدث عن تاريخ الديانة اليهودية في اليمن، فسنجد أنها تتعارض مع ما يطرحه الربيعي. فاليهودية، حسب هذه الآراء، جاءت من خلال هجرات مبكرة من فلسطين إلى اليمن تعود إلى العصر البابلي، بعد تدمير الهيكل الأول (587 ق. م) والثاني (70 م). وهناك من يقول إن هذه العلاقة نشأت عبر علاقات تجارية مع يمنيين، وعُرف أن بعض الممالك اليمنية اعتنق ملوكها الديانة اليهودية، مثل الملك أسعد الكامل (توفى حوالى 440م) والملك ذو نواس (ت 530م)، ويرى البعض أن هذين الملكين هما من نشر اليهودية في اليمن بالقوة.

فاضل الربيعي

إلاّ أن اللقى الأثرية اليمنية قد تقدم لنا استنتاجات أخرى، فاليمن عرف الديانات، أو الآلهة الموحدة، مبكرا، حسب ما جاء في كتاب ثريا منقوش، "التوحيد يمان، التوحيد في تطوره التاريخي".

سيبقى الكثير من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها، ونحن نقرأ كتب الربيعي، وتتعلق بمدى إمكان اعتماد النصوص الأسطورية والدينية كمصادر تاريخية

لذا، فإن ديانات يمنية قديمة كعبادة القمر والشمس، "المقة" و"ياسين"، ستعطي، من خلال تسمياتها وأوصافها، انطباعات لكل باحث، عن وجود أواصر ثقافية مهمة بين مختلف المعتقدات اليمنية القديمة وتلك التي عُرفت كديانات موحدة. وسيكون من الممكن القول إن تشابه الأسماء ناتج من انتشار اليهودية في المجتمع اليمني قبل الإسلام وبعده، حيث تعكس تسميات الأماكن ثقافة هذا المجتمع اليهودي.

غلاف كتاب "الرومان ويهود اليمن لغز الهيكل الثاني"

مع ذلك، سيبقى الكثير من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها، ونحن نقرأ كتب الربيعي، وتتعلق بمدى إمكان اعتماد النصوص الأسطورية والدينية كمصادر تاريخية، إذ أن معظم علماء الآثار والتاريخ ينكرون حدوث مثل تلك الأحداث المدونة في المرويات، إلى جانب وجود تناقضات بين روايات التوراة والآثار المكتشفة. فإذا كانت هذه الأعمال التي قام بها صليبي والربيعي، ومثلهم كُثر في العالم، تصنف ضمن "علم الآثار الزائف" لافتقارها إلى المنهج العلمي، فإن من الممكن القول إن ما قام به الربيعي ليس إلا مشاكسة للتاريخ والجغرافيا. مع أن البعض، ذهب بعيدا في اتهامه، حيث ظن أن هذا الباحث، الذي شغل العرب في حياته، كان يخدم أجندات سياسية، وأن آراءه كانت بمثابة دعوة لليهود لاستعادة مملكتهم في أرض اليمن. إلا أن كثيرين ممن عرفوا الربيعي يعتبرون هذا غير صحيح، ويرون أن ما قام به كان اجتهادا ذاتيا، خاصة أنه كان يرتبط بعلاقة حميمة باليمن واليمنيين.

font change

مقالات ذات صلة