لبنان وسوريا... بين الوضع الإقليمي الجديد والخطر الإسرائيلي

عروض التطبيع وكأنها إنذار بمزيد من الفوضى

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي إسرائيلي يتفقد دبابة قتالية من طراز ميركافا في موقع بمرتفعات الجولان التي ضمتها إسرائيل على طول الحدود مع جنوب سوريا في 25 مارس

لبنان وسوريا... بين الوضع الإقليمي الجديد والخطر الإسرائيلي

ثمة عنوانان رئيسان لقراءة المشهد في المنطقة. العنوان الأول هو استئناف إسرائيل لعربدتها في قطاع غزة، وامتدادا منها في لبنان وسوريا، ناهيك بالضفة الغربية. والعنوان الثاني هو تبادل الرسائل والتهديدات بين إيران وأميركا بشأن التفاوض حول البرنامج النووي والترسانة الباليستية الإيرانيين وبينهما ربما مستقبل الميليشيات المدعومة من طهران في المنطقة. هذا إذا لم توجه ضربة لإيران، إسرائيلية، أو إسرائيلية أميركية مشتركة، فتقلب المشهد رأسا على عقب.

ليس مهما البحث عن كل الترابطات بين هذين العنوانين كما لو أننا نستشرف مستقبلا للمنطقة لا يزال ضبابيا ومتأرجحا ويطرح من حوله ألف سؤال وسؤال، يكفي أن يكون هذان العنوانان متزامنين وأن يكونا محك الاستراتيجية الأميركية في المنطقة في عهد دونالد ترمب الذي يقلب المشهد الدولي يوما بعد يوم، وهو ما لن يكون بلا تأثير في المشهد الإقليمي من إيران وصولا إلى السودان وما بينهما شرقا وغربا.

فإسرائيل التي لم يثنها أحد، في الشرق أو الغرب، عن القيام بما يحلو لها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، هي الآن في ذروة تماهيها مع الموقف الأميركي في المنطقة منذ دخول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. صحيح أن الهدنة بين إسرائيل و"حماس" والتي تم التوصل إليها عشية تنصيب ترمب في 20 يناير/كانون الثاني الماضي أوحت وكأن الرئيس الجمهوري جدي في إيقاف الحرب في غزة كما وعد خلال حملته الانتخابية. إلا أنه سرعان ما بدا أن وعود ترمب غير ملزمة لإسرائيل وحتى له، وأن الرجل الذي يبرع في إطلاق الشعارات وتحديد المهل يبرع أكثر في التأقلم مع الوقائع وإبطاء خططه أو إلغائها نهائيا، وهو ما ينطبق بقوة على وعده إيقاف الحرب في أوكرانيا خلال مدة قياسية.

أما في ما يخص الحرب على قطاع غزة فإن الهجوم الإسرائيلي المستأنف يحظى بغطاء أميركي كامل، وكأنه جزء من الاستراتيجية الأميركية الراهنة ولا يعكس وحسب الاستراتيجية الإسرائيلية. وهذا فارق رئيس عن عهد جو بايدن الذي لم يقصر في تأمين الغطاء للوحشية الإسرائيلية في غزة والمنطقة، ولكن لم يسبق أن بلغ التماهي بين الاستراتيجيتين الأميركية والإسرائيلية الحد الذي يبلغه الآن في ظل إدارة ترمب، وليست خطة الأخير المعلنة لتهجير أهالي غزة سوى دليل على ذلك، إذ رسمت سقفا أميركيا طموحا جدا لليمين الإسرائيلي المتطرف، حتى لو بدا ترمب أنه تراجع عن خطته أو أجلها، وهو ما لم يحصل طيلة ولاية الإدارة الديمقراطية السابقة التي حافظت على مسافة، ولو ملتبسة جدا أحيانا، عن طروحات أقصى اليمين الإسرائيلي.

والواقع أن الهجوم الإسرائيلي الراهن هو ترجمة عملية لشعار "السلام من خلال القوة"، والذي يعني عمليا فرض سيطرة إسرائيل على المنطقة وليس تحقيق السلام فيها. لكن حتى الآن وبالرغم من كل "الإنجازات" التي حققتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 في مواجهة خصومها التقليديين من الفصائل الفلسطينية و"حزب الله"، فإنها لم تستطع هندسة وضع إقليمي ملائم لها تماما، أو يسمح لها بفرض سيطرتها على المنطقة، أو تحولها لدولة ترتبط بعلاقات طبيعية مع محيطها. بل على العكس تماما فإن استمرار إسرائيل في استخدام القوة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، يبعدها أكثر فأكثر عن التحول إلى "دولة طبيعية" في المنطقة.

لم يعد ينظر إلى الهجمات الإسرائيلية في لبنان، إقليميا ودوليا، كما لو أنها هجمات ضد "حزب الله"، بعدما ضعفت قدرات "الحزب" إلى حد بعيد، وقام وضع سياسي جديد في لبنان يحظى بدعم عربي ودولي

وإذا كان إضعاف إسرائيل لـ"حزب الله" لم يثر حساسيات سلبية ضدها بالنظر إلى العداء المستحكم بين "الحزب" ودول ومكونات اجتماعية في المنطقة، فإن توغلها المتواصل في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد ومحاولتها استمالة مجموعات طائفية فيها، ناهيك بقصفها المتواصل للأراضي السورية، كلها تثير حساسيات ونقمة متزايدة ضد إسرائيل من دول الإقليم الوازنة التي تحاول أن تخلق توازنا إقليميا معينا بعد سقوط مشروع الهيمنة الإيرانية في المنطقة. هذا فضلا عن أن مواصلة إسرائيل لحربها الإبادية في قطاع غزة يعزز النفور منها في عموم المنطقة، ويسقط إمكانات تطبيع العلاقات معها أو يرحلها إلى آجال بعيدة في أقل تقدير.

أ.ف.ب
المبنى المتضرر جراء الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في الأول من أبريل 2025

حتى في ما يخص الملف اللبناني فإن احتلال إسرائيل لخمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية في خرق واضح لوقف إطلاق النار، ناهيك باستئنافها قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، كل ذلك لم يعد ينظر إليه، إقليميا ودوليا، كما لو أنه ضد "حزب الله"، بعدما ضعفت قدراته إلى حد بعيد، وقام وضع سياسي جديد في لبنان يحظى بدعم عربي ودولي. فحتى لو كان "حزب الله" قد أطلق، بمسؤولية مباشرة أو غير مباشرة، صواريخ بدائية وعلى دفعتين خلال الأسبوع الماضي باتجاه المستوطنات الإسرائيلية، فإن ذلك لا يبرر الهجمات الإسرائيلية في لبنان، غير أن هذه الهجمات لا تأتي في إطار الرد الموضعي على إطلاق الصواريخ بل في سياق تأكيد إسرائيل على سيطرتها النارية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.

وهذا ينقل المواجهة في المنطقة، تدريجيا، من أن تكون بين إيران وأذرعها من جهة وإسرائيل من جهة ثانية إلى أن تكون بين إسرائيل من جهة والدول الإقليمية المتضررة من سياساتها من جهة ثانية. المثال الأوضح على ذلك هو التوتر الناشئ بين تركيا وإسرائيل في سوريا، والذي لا تنفك تل أبيب عن تغذيته بتوسيع توغلاتها في الجنوب السوري وتلويحها بالبقاء هناك إلى أجل غير مسمى، كما بهجومها المتواصل على الحكم الجديد في سوريا والمدعوم بشكل رئيس من تركيا، فضلا عن قصفها مواقع داخل الأراضي السورية.

كانت إشارات اللقاء بين وزيري الدفاع اللبناني والسوري في الرياض كافية للدلالة على الدينامية الإقليمية وتحديدا العربية للتعامل مع الساحتين اللبنانية والسورية بوصفهما ساحة واحدة

لكن هل يتحول التوتر التركي الإسرائيلي الحالي في سوريا إلى مواجهة مباشرة؟ من المبكر الإجابة عن هذا السؤال وإن كانت مواجهة كهذه محتملة، وهو ما يمكن تلمسه من رد الفعل الإسرائيلي على نية أنقرة إقامة قاعدة عسكرية في تدمر وسط سوريا لـ"مهام تدريبية" للجيش السوري، لكن أيا يكن من أمر فمن الواضح أن إسرائيل تحاول أن تؤثر في وتيرة انطلاقة الحكم الجديد في سوريا بعد أن تحولت توغلاتها وقصفها و"اختراقاتها" إلى تحد رئيس للشرع وحكومته لا يمكنهما تجاهله وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا، وقد غدا هذا الملف إحدى نقاط التقاطع الرئيسة بين تركيا وإدارة الشرع.

هناك من يتحدث عن أن ترمب سيبادر في لحظة معينة إلى عقد صفقة بين تركيا وإسرائيل حول سوريا مدفوعا برغبته القديمة بسحب القوات الأميركية من هناك وهو ما يبرر الحاجة الأميركية إلى توكيل تركيا بأمن الشمال السوري، ولذلك فإن الإدارة الأميركية لم تمانع الاتفاق بين "قسد" والشرع على اعتبار ذلك مقدمة لترتيبات أمنية هناك، لكن النقطة الأخرى التي يثيرها هذا الملف هو أن هذا الاتفاق يعطي إشارة إلى أن واشنطن لا تشجع على تقسيم سوريا بخلاف ما يظهر من السياسات الإسرائيلية تجاهها، لكن حتى الآن لا يمكن الحديث عن تناقض أميركي-إسرائيلي واضح حول سوريا، إلا أن الأكيد أن الاستراتيجية الأميركية بشأن سوريا لا يمكن أن تكون منفصلة عن استراتيجيتها للتعامل مع ملفات المنطقة ككل، خصوصا أن إسرائيل نفسها والتي تحظى الآن بغطاء أميركي غير مسبوق تربط بين الملفات والساحات.

الرئاسة السورية
الرئيسان السوري أحمد الشرع والتركي رجب طيب اردوغان في انقرة في 4 فبراير 2025

هنا أيضا ثمة تناقض بين وتيرة التعامل الإسرائيلي مع كل من لبنان وسوريا فضلا عن غزة والضفة، وبين وتيرة التعامل الإقليمي وبالتحديد السعودي التركي مع هذه الساحات، حيث تسعى إسرائيل إلى إبقائها في خضم التوتر وعدم الاستقرار بينما للرياض وأنقرة مصلحة واضحة في استقرارها بعد نحو عقدين من الصراعات والأزمات والتي أججها المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة. وهذا أمر ينطبق على الرياض أكثر منه على أنقرة التي كانت جزءا من دينامية الصراع في سوريا وبدرجة أقل في العراق.

وفي السياق كانت إشارات اللقاء بين وزيري الدفاع اللبناني والسوري في الرياض كافية للدلالة على الدينامية الإقليمية وتحديدا العربية للتعامل مع الساحتين اللبنانية والسورية بوصفهما ساحة واحدة، في مقابل تعامل إسرائيل معهما كساحة واحدة أيضا، لكن في تناقض واضح بين الديناميتين لن يكون من دون تأثير على المشهد الإقليمي ككل والذي سيكون أمام محطة مفصلية الشهر المقبل مع زيارة دونالد ترمب إلى الخليج بدءا من المملكة العربية السعودية.

السؤال الذي تطرحه هذه الزيارة هو حول مدى إدراك الإدارة الأميركية لترابط الساحات في المنطقة، وبالتالي لصعوبة التوصل إلى أي اتفاقات إقليمية في ظل الوضع الراهن ما دامت إسرائيل تواصل عدوانها على قطاع غزة وفي الضفة وتتوغل في سوريا وتبقي على تمركز جنودها في خمس نقاط لبنانية فضلا عن استمرارها في قصف الأراضي اللبنانية والسورية.

من العبث الاعتقاد بأن ترمب وفريقه متهورون ولا يعلمون ماذا يفعلون ويريدون إدارة العالم بطريقة استعراضية، فمن الأفضل دائما التعامل مع السياسات الأميركية على أنها سياسات "عقلانية"

ولا بد هنا من الأخذ في الاعتبار أن الإنهاك الشديد الذي أصاب النفوذ الإقليمي لإيران يجعل الدول الإقليمية تنظر نظرة مختلفة إلى المشهد في المنطقة مقارنة بما كان عليه الحال طيلة السنوات الماضية ولاسيما في لحظة توقيع الاتفاق بين إدارة باراك أوباما وإيران في عام 2015، حيث كان هذا الاتفاق حينها بمثابة إطلاق يد إيران في المنطقة، بينما هو الآن بالكاد ينقذ النظام الإيراني من الانهيار. وبالتالي فإن الخطر الإيراني على دول المنطقة لم يعد كما كان في السنوات الماضية وقد استبدل بشكل أو بآخر بالخطر الإسرائيلي من جراء السياسات المتطرفة للحكومة الإسرائيلية والتي لا تنفك تنذر بتعميق الفوضى في عموم المنطقة.

لكن السؤال المهم هو: إلى متى سيبقى التماهي الإسرائيلي الأميركي قائما إلى هذا الحد، على اعتبار أن بقاءه بوتيرته الحالية ينذر بمرحلة طويلة من عدم الاستقرار في المنطقة. فعندما يقول مبعوث ترمب ستيف ويتكوف إن "إسرائيل تتحرك داخل لبنان وسوريا وتسيطر عليهما ميدانيا ما يفتح الباب أمام تطبيع شامل"، فهو ينسجم تماما مع طريقة رئيسه في معالجة الأزمات على غرار اقتراحه "ريفييرا الشرق الأوسط" في غزة أو حتى استعجاله السلام بين روسيا وأوكرانيا لمجرد اعتقاده أو إيحائه بأن أحدا لا يستطيع مقاومة عروضه، بينما الواقع يؤكد عدم استعداد سكان غزة للمغادرة، وأين سيذهبون أصلا؟ كما أن روسيا ليست متعجلة لإبرام سلام لا يلبي شروطها، بل تحاول استنزاف مبادرة ترمب وتوسيع مكاسبها. والحال لا يمكن التقاط إشارة واحدة في لبنان أو سوريا توحي بأن مسار التطبيع ممكن وواقعي، بل على العكس تماما فإن الوصفة التطبيعية التي يقترحها ويتكوف لن تكون سوى وصفة للفوضى الإقليمية لسنوات إضافية.

لكن من العبث الاعتقاد بأن ترمب وفريقه متهورون ولا يعلمون ماذا يفعلون ويريدون إدارة العالم بطريقة استعراضية، فمن الأفضل دائما التعامل مع السياسات الأميركية على أنها سياسات "عقلانية" تحركها المصالح الاستراتيجية، ولذلك فهي سياسات متحركة بطبيعتها، لكنها حتى الآن تبدو، ومن خلال عروض التطبيع المتضاربة، كما لو أن ترمب وفريقه مؤمنان بنظرية "الفوضى الخلاقة"، أو أنهم يحاولون تجريبها مرة أخرى.

font change