ثمة عنوانان رئيسان لقراءة المشهد في المنطقة. العنوان الأول هو استئناف إسرائيل لعربدتها في قطاع غزة، وامتدادا منها في لبنان وسوريا، ناهيك بالضفة الغربية. والعنوان الثاني هو تبادل الرسائل والتهديدات بين إيران وأميركا بشأن التفاوض حول البرنامج النووي والترسانة الباليستية الإيرانيين وبينهما ربما مستقبل الميليشيات المدعومة من طهران في المنطقة. هذا إذا لم توجه ضربة لإيران، إسرائيلية، أو إسرائيلية أميركية مشتركة، فتقلب المشهد رأسا على عقب.
ليس مهما البحث عن كل الترابطات بين هذين العنوانين كما لو أننا نستشرف مستقبلا للمنطقة لا يزال ضبابيا ومتأرجحا ويطرح من حوله ألف سؤال وسؤال، يكفي أن يكون هذان العنوانان متزامنين وأن يكونا محك الاستراتيجية الأميركية في المنطقة في عهد دونالد ترمب الذي يقلب المشهد الدولي يوما بعد يوم، وهو ما لن يكون بلا تأثير في المشهد الإقليمي من إيران وصولا إلى السودان وما بينهما شرقا وغربا.
فإسرائيل التي لم يثنها أحد، في الشرق أو الغرب، عن القيام بما يحلو لها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، هي الآن في ذروة تماهيها مع الموقف الأميركي في المنطقة منذ دخول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. صحيح أن الهدنة بين إسرائيل و"حماس" والتي تم التوصل إليها عشية تنصيب ترمب في 20 يناير/كانون الثاني الماضي أوحت وكأن الرئيس الجمهوري جدي في إيقاف الحرب في غزة كما وعد خلال حملته الانتخابية. إلا أنه سرعان ما بدا أن وعود ترمب غير ملزمة لإسرائيل وحتى له، وأن الرجل الذي يبرع في إطلاق الشعارات وتحديد المهل يبرع أكثر في التأقلم مع الوقائع وإبطاء خططه أو إلغائها نهائيا، وهو ما ينطبق بقوة على وعده إيقاف الحرب في أوكرانيا خلال مدة قياسية.
أما في ما يخص الحرب على قطاع غزة فإن الهجوم الإسرائيلي المستأنف يحظى بغطاء أميركي كامل، وكأنه جزء من الاستراتيجية الأميركية الراهنة ولا يعكس وحسب الاستراتيجية الإسرائيلية. وهذا فارق رئيس عن عهد جو بايدن الذي لم يقصر في تأمين الغطاء للوحشية الإسرائيلية في غزة والمنطقة، ولكن لم يسبق أن بلغ التماهي بين الاستراتيجيتين الأميركية والإسرائيلية الحد الذي يبلغه الآن في ظل إدارة ترمب، وليست خطة الأخير المعلنة لتهجير أهالي غزة سوى دليل على ذلك، إذ رسمت سقفا أميركيا طموحا جدا لليمين الإسرائيلي المتطرف، حتى لو بدا ترمب أنه تراجع عن خطته أو أجلها، وهو ما لم يحصل طيلة ولاية الإدارة الديمقراطية السابقة التي حافظت على مسافة، ولو ملتبسة جدا أحيانا، عن طروحات أقصى اليمين الإسرائيلي.
والواقع أن الهجوم الإسرائيلي الراهن هو ترجمة عملية لشعار "السلام من خلال القوة"، والذي يعني عمليا فرض سيطرة إسرائيل على المنطقة وليس تحقيق السلام فيها. لكن حتى الآن وبالرغم من كل "الإنجازات" التي حققتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 في مواجهة خصومها التقليديين من الفصائل الفلسطينية و"حزب الله"، فإنها لم تستطع هندسة وضع إقليمي ملائم لها تماما، أو يسمح لها بفرض سيطرتها على المنطقة، أو تحولها لدولة ترتبط بعلاقات طبيعية مع محيطها. بل على العكس تماما فإن استمرار إسرائيل في استخدام القوة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، يبعدها أكثر فأكثر عن التحول إلى "دولة طبيعية" في المنطقة.