في الأيام السابقة، أعاد حادث غريب تسليط الضوء على الطريقة غير التقليدية التي تدير بها حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملفات الأمن القومي والحكم في أميركا. فقد تمت إضافة الصحافي جيفري غولدبرغ، رئيس تحرير مجلة "ذي أتلانتيك"، عن طريق الخطأ إلى مجموعة دردشة مغلقة على تطبيق "سيغنال"، أنشأها مستشار الأمن القومي مايك والتز، وضمت أعضاء بارزين في الحكومة الأميركية مثل نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير وكالة المخابرات المركزية، جون راتكليف. كان النقاش الرئيس في المجموعة يدور حول الهجمات الأميركية على مواقع الحوثيين في اليمن، وبحسب النقاش الذي كشف غولدبرغ عن أجزاء منه، فقد تم تبادل معلومات تكتيكية غاية في الحساسية عن هذه الهجمات عبر مجموعة الدردشة التي بقي فيها وقتا من الزمن قبل أن يغادرها.
أثارت هذه الواقعة جدلا كبيرا داخل الولايات المتحدة حول كيفية اتخاذ القرارات داخل البيت الأبيض خلال عهد ترمب، حيث بدا أن بعض الملفات الحساسة تُدار عبر قنوات غير رسمية، في تجاوز للبروتوكولات المتعارف عليها. لكن بعيدا عن الجدل حول طبيعة الإدارة الأميركية، فإن فحوى النقاش الذي كشفه غولدبرغ يعكس تزايد الاهتمام الأميركي بتأمين البحر الأحمر وممرات التجارة عبره.
يشكل البحر الأحمر واحدا من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره حوالي 30 في المئة من التجارة العالمية المنقولة عبر الحاويات، ويعبره 12 في المئة إلى 15 في المئة من إجمالي التجارة الدولية، بما في ذلك 6.2 مليون برميل من النفط يوميا. لكن هذه الأهمية الاقتصادية جعلته ساحة للتنافس الدولي، حيث تتزايد محاولات القوى الكبرى والإقليمية للسيطرة عليه وبسط نفوذها في موانيه وسواحله.
الحرب الروسية-الأوكرانية زادت من أهمية البحر الأحمر، حيث تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، مما جعل الممرات البحرية عبر باب المندب وقناة السويس أكثر حيوية من أي وقت مضى. في الوقت ذاته، تسعى روسيا والصين وتركيا لتعزيز وجودهما في الممر المائي، وهو ما يثير قلق واشنطن التي ترى أن هذا التوسع قد يهدد هيمنتها على طرق التجارة العالمية.
ولطالما كان البحر الأحمر محورا للتنافس الدولي، حيث تعود جذور الصراع عليه إلى القرن التاسع عشر عندما احتلت بريطانيا مدينة عدن عام 1839 لضمان سيطرتها على مضيق باب المندب، الذي يُعد البوابة الجنوبية لهذا الممر البحري الحساس. لاحقا، جاء إنشاء قناة السويس في عام 1869 بتمويل فرنسي ليُحدث ثورة في التجارة العالمية، حيث ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وجعل المنطقة نقطة التقاطع الرئيسة بين أوروبا وآسيا.
لم تتوقف أهمية البحر الأحمر عند هذا الحد، بل تعمقت أكثر مع تطورات سياسية وعسكرية أعادت تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية. ففي 26 يوليو/تموز 1956، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر قرار تأميم قناة السويس، الذي كان بمثابة نقطة تحول جوهرية في الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط. لم يكن القرار مجرد خطوة اقتصادية، بل كان تحديا مباشرا للإرث الاستعماري البريطاني-الفرنسي في المنطقة، مما دفع هاتين القوتين، بالتنسيق مع إسرائيل، إلى شن العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. ورغم التفوق العسكري للقوى المعتدية، فإن التوازنات الدولية فرضت واقعا مختلفا، حيث جاء الإنذار الأميركي-السوفياتي المشترك ليفرض انسحاب القوى المعتدية ويعلن بوضوح عن انتهاء دور بريطانيا وفرنسا كقوتين عالميتين وتراجع النفوذ الاستعماري الأوروبي التقليدي مقابل صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي للهيمنة على النظام العالمي.