الديمغرافيا السعودية... مجتمع متجدد يصقله التعليم وتواكبه الفرص

تراجع النمو السكاني غير مقلق والأولوية لمواكبة التطور التكنولوجي والحداثة

AFP
AFP
ندوة تدريبية للشباب السعودي في مركز التدريب التابع لوزارة السياحة في الرياض ضمن برنامج "رواد السياحة" الحكومي، 30 أغسطس 2022.

الديمغرافيا السعودية... مجتمع متجدد يصقله التعليم وتواكبه الفرص

ناقش عدد من المتخصصين في ملتقى "أسبار" في فبراير/شباط الماضي موضوعا مهما يتعلق بالنمو السكاني في السعودية، الذي يبدو أنه يشكل ظاهرة تستدعي النقاش والبحث. تطرق المتحدثون في الملتقى السعودي الى مسألة انخفاض عدد المواليد في البلاد وتأثيراته الاجتماعية والاقتصادية وإمكانات التأثير على سوق العمل في المستقبل. وأشار عدد منهم إلى المتغيرات الاجتماعية المعاصرة وارتفاع تكاليف المعيشة وتحسن مستوى التعليم لدى النساء مما أدى إلى تأخر سن الزواج وتأخير الإنجاب والحد من عدد المواليد.

غني عن البيان أن هذه الظاهرة ليست مستغربة في أي من دول العالم حيث مرت بها دول عديدة بداية من الدول الأوروبية وشمال أميركا بعد الثورة الصناعية الأولى، ثم امتدت لتشمل دول أميركا اللاتينية والدول الآسيوية ثم دول أفريقيا خلال العقود المنصرمة. الدول العربية، أيضا، مرت بهذه الظاهرة، وغيرها من الظواهر الاجتماعية منذ منتصف القرن العشرين. هناك تراجع مستمر في أعداد المواليد وارتفاع العمر عند الزواج للذكور والإناث، خصوصا المتعلمين منهم وأبناء المناطق الحضرية. ربما لا تزال معدلات النمو السكاني في الدول العربية مرتفعة قياسا بالدول المتقدمة، الأوروبية والآسيوية ودول أميركا الشمالية، لكن هذه المعدلات تتراوح حاليا بين الواحد والثلاثة في المئة. وثمة تفاوت في المعدلات بين الدول العربية حيث تسجل عمان أعلى نمو وقد تجاوز 3 في المئة في حين لم يزد على 1,1 في المئة في تونس.

خلال الربع الثالث من 2024، ارتفعت نسبة مساهمة السعوديين في قوة العمل الإجمالية في البلاد إلى 51,5 في المئة بمعدل نمو سنوي بنسبة 0,7 في المئة

تشير بيانات الأمم المتحدة الى أن أعداد المواليد في السعودية انخفض بنسبة 67 في المئة في عام 2023 مقارنة بأعداد المواليد في عام 1950. كان عدد المواليد في عام 1950 يقدر بـ53 لكل ألف شخص لكنه انخفض إلى 16 لكل ألف شخص في عام 2023، مدفوعا بمتغيرات اجتماعية واقتصادية شهدتها المملكة على مدى هذه الفترة الزمنية. تبين بيانات الهيئة العامة للإحصاء في السعودية أن عدد السكان الإجمالي بلغ 35,3 مليون نسمة في منتصف عام 2024، في حين قدر معدل النمو السنوي للسكان السعوديين بـ2 في المئة. يبلغ عدد المواطنين السعوديين 19,6 مليون نسمة في حين بلغ عدد الوافدين 15,7 مليون نسمة.

مدربة الأسلحة النارية السعودية منى الخريص تُدرّب امرأة سعودية على الاستخدام الآمن للأسلحة في ميدان الرماية "توب غان" بالرياض، 28 أكتوبر 2021

المهم في التركيبة السكانية هو التوزيع العمري الذي يتيح استشراف حجم قوة العمل خلال السنوات والعقود المقبلة. يمثل السعوديون الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، 33,5 في المئة من السعوديين في حين يشكل الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة 62,7 في المئة وهم يمثلون القوة البشرية المعتمد عليها لتشكيل قوة العمل الوطنية. أما كبار السن الذين تزيد أعمارهم على 65 عاما فلا تزيد نسبتهم على 3,8 في المئة. لا تزال هناك إمكانات لتعزيز مساهمة السعوديين في قوة العمل حيث لا تزال البلاد تعتمد بشكل كبير على قوة عمل وافدة. يمكن تحفيز المواطنين للعمل في وظائف يشغلها الوافدون، لكن ذلك مرهون بتطوير النظام التعليمي، الجامعي والمهني.

يمثل السعوديون الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، 33,5 في المئة من السعوديين، في حين يشكل الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة 62,7 في المئة وهم يمثلون القوة البشرية المعتمد عليه

خلال الربع الثالث من العام المنصرم، ارتفعت نسبة مساهمة السعوديين في قوة العمل الإجمالية في البلاد إلى 51,5 في المئة بمعدل نمو سنوي بنسبة 0,7 في المئة. تؤكد التوجهات الجديدة الملتزمة أهداف "رؤية 2030"، رفع مشاركة المواطنين في قوة العمل في البلاد، خصوصا في منشآت القطاع الخاص. بلغ عدد العاملين في القطاع الخاص في شهر أغسطس/آب 2024 نحو 11,6 مليون، منهم نحو 2,4 مليون سعودي و9,2 ملايين من الوافدين غير المواطنين، أي أن نسبة السعوديين تقدر بنحو 20,7 في المئة، في حين تصل نسبة العمالة الوافدة في القطاع الخاص إلى 79,3 في المئة. إذن، هناك شوط طويل أمام السلطات السعودية لتعزيز مشاركة العمالة الوطنية في القطاع الخاص بنسبة مقبولة. يرتبط ذلك بأهمية التركيز على التعليم المهني والتعليم المواكب للتطورات التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي وكذلك التعليم الذي يلبي احتياجات المهارات الجديدة والوظائف المطلوبة. 

يمكن الإقرار بأن الانخفاض في أعداد المواليد غير قابل للانعكاس نظرا للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وارتفاع درجات الوعي بالمسؤولية الاجتماعية 

لكن هل ذلك يعني أهمية تحفيز المواطنين على الإنجاب أو توجيه التربية وتعليم الأبناء بما يعزز اقتصاد المعرفة؟ في طبيعة الحال، ربما ليست مسألة انخفاض أعداد المواليد في السعودية من الأمور المثيرة للقلق كما هو الحال في الصين أو في عدد من الدول الأوروبية أو كوريا الجنوبية. يمكن الإقرار بأن الانخفاض في أعداد المواليد غير قابل للانعكاس نظرا للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وارتفاع درجات الوعي بالمسؤولية الاجتماعية وأهمية التعليم وتوفير أفضل شروط المشاركة المهنية للأبناء في المستقبل من خلال تأهيلهم والارتقاء بمعارفهم.

تراجع معدلات الخصوبة 

عند النظر إلى معدلات الخصوبة في السعودية، نجد أن المعدل كان 2,15 مولودا للمرأة في سن الخصوبة في عام 2024 منخفضا بنسبة 1,24 في المئة عن عام 2023. لكن هذا المعدل استمر في الانخفاض منذ عام 1960 عندما كان 7,3 مواليد للمرأة في ذلك العام وتراجع إلى 3,8 مواليد في عام 2000 حتى بلغ معدله الحالي. لا يزال معدل الخصوبة في السعودية قريبا من المعدل العالمي الذي  يقدر بـ2.3 مولودا للمرأة في سن الإنجاب لكنه يزيد على المعدل في الصين (1,2) أو كوريا الجنوبية (0,9) أو اليابان (1,3) أو دول أميركا اللاتينية (1,8) أو إيران (1,7).

AFP
سعوديون يلوحون بالأعلام الوطنية وهم يجوبون العاصمة الرياض في 23 سبتمبر/أيلول 2022، خلال مسيرة احتفالاً باليوم الوطني السعودي

ربما يؤكد هذا التطور الديمغرافي التقدم المتسارع للمجتمع السعودي وارتفاع  درجات الوعي وتحول الكثير من السكان للعيش في مجتمع حضري بعيدا عن الريف والبوادي. كذلك، هناك تعزيز لظاهرة الأسرة الصغيرة بعيدا عن الأسرة التقليدية المتسعة لعدد من الأجيال. 

ظاهرة انخفاض أعداد المواليد في السعودية تعني أن البلاد تجاوزت المعوقات الحضارية المرتبطة بمنظومات القيم التقليدية وباتت على أبواب تقدم ملحوظ، ولا بد أن يكون لأبنائها فرص واعدة لصياغة مستقبل متنوع الامكانات، اقتصاديا واجتماعيا

الدول التي واجهت ظواهر العزوف عن الزواج أو تأخير سن الزواج أو تأخير الإنجاب أو تحديد المواليد، ومنها دول أوروبية والصين وكوريا الجنوبية، اعتمدت برامج للتحفيز على الزواج والإنجاب وخصصت أموالا لهذا الهدف، لكن هذه البرامج لم تفلح في المعالجة ولم تعكس الاتجاه الديمغرافي. من المفيد التأكيد أن التطورات الاقتصادية لا بد أن تنعكس بشكل واضح على الحياة الاجتماعية. المطلوب هو السعي للتكيف مع هذه الحقائق الجديدة في الواقع الديمغرافي وتوفير الآليات والأدوات التي يمكن أن توظف هذا الواقع لتحسين مساهمة المواطنين في سوق العمل على أن يواكب ذلك تحسين مخرجات التعليم المهني والعالي للوفاء بالاحتياجات التشغيلية وكيفية ربط ذلك بالتطور التقني الحديث.

آمال المستقبل للعمالة الوطنية

تؤكد السعودية من خلال هذه البيانات وما تمثله من تطورات اقتصادية ديمغرافية، بأنها تمضي في طريق التقدم وتعزيز إمكانات تحقيق "رؤية 2030". الإنجازات في مجال التعليم، بما في ذلك التعليم المهني، تضمن استناد قوة العمل في المستقبل القريب الى مساهمة فاعلة من العمالة الوطنية المتسلحة بالعلم والمعرفة والتدريب المهني الملائم والمتوافق مع متغيرات التكنولوجيا الحديثة. أما انخفاض أعداد المواليد، فيجب أن لا يكون موضع قلق للمسؤولين في البلاد حيث يتلقى صغار السن والشباب التنشئة والتعليم المناسبين.

أفراد من الأمن السعودي يقفون حراسًا خلال اجتماع "التحالف الدولي لتطبيق حل الدولتين" في الرياض، 30 أكتوبر2024.

ويمكن الإشارة للأعداد المتزايدة من السعوديين المتميزين في مجالات  الطب والهندسة والعلوم الطبيعية، ناهيك عن أولئك العاملين في قطاع النفط بعد أن أصبحت شركة "أرامكو" متميزة في أعمالها الإنتاجية وتمكنت من الارتقاء بالمستويات المهنية للعاملين فيها. 

إذن، فإن ظاهرة انخفاض أعداد المواليد في السعودية تعني أن البلاد تجاوزت المعوقات الحضارية المرتبطة بمنظومات القيم التقليدية وباتت على أبواب تقدم ملحوظ، ولا بد أن يكون لأبنائها فرص واعدة لصياغة مستقبل متنوع الامكانات، اقتصاديا واجتماعيا.

font change