من الأمثال الشعبية العربية الدالة على تغير الظروف والأحوال المثل القائل "الدنيا دوارة". ينطبق هذا المثل اليوم على أوروبا التي استعمرت دولُها الأقوى ذات يوم أكثر من نصف بلدان العالم. لم تعد أوروبا قوة دولية كبرى يُخشى بأسها. وهي الآن، علاوة على ذلك، في موقف صعب بسبب التغيير الكبير الحاصل في السياسة الأميركية تجاهها. فها هي الدول، التي كانت مُخيفة لغيرها، تبدو خائفة مما سيترتب على ما يبدو أنه "إعصار" ناجم على سياسات إدارة ترمب وسرعة إيقاع التغيير الذي تقوم به.
تخشى أوروبا تداعيات هذا "الإعصار" في مجالات عدة. ولكن آثاره على علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة ربما يكون المصدر الأول لقلق عدد كبير من دولها. ولعل أكثر ما يقلق هذه الدول الآن أن يشمل التغيير في سياسة واشنطن المظلة النووية الأميركية لأوروبا، في الوقت الذي ما زالت معظم دولها تعتبر روسيا الخطر الأول الذي سيزداد إذا حققت موسكو أهدافها وخرجت منتصرة من المفاوضات لوقف حرب أوكرانيا.
بقاء المظلة النووية الأميركية؟
ما زال الأمل في استمرار المظلة النووية الأميركية قائما. فهي تعطي الأوروبيين شعورا بالأمن رغم أن أيا من حكومات دولهم لا يملك الحق في استخدامها دون الرجوع إلى واشنطن. وحده الرئيس الأميركي لديه شفرة إطلاق هذه الأسلحة. وقد بدأ مسؤولون أوروبيون بالفعل جهودا لإقناع إدارة ترمب بإبقاء هذه المظلة على نحو ما أمكن استنتاجه من لقاءات عُقدت على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في منتصف فبراير/شباط الماضي.
ما زال لدى الأوروبيين وقت. فقرارُ على مستوى رفع الحماية النووية عن أوروبا أو تقليصها ليس من نوع القرارات التي بدأ الأميركيون في التعود على إصدارها بين غمضة عين وانتباهتها. لا يستطيع ترمب أن يتخذه بمفرده بعيدا عن مؤسسات الأمن القومي. فهو من نوع القرارات الثقيلة التي تُصنع أولا قبل أن تَصدر. كما أن المظلة النووية لأوروبا هي "درة التاج" في التزامات الولايات المتحدة تجاه حلف "الناتو" الذي لا يوجد ما يدل على أن إدارة ترمب مستعدة لتقويضه. فبقاء الحلف ضروري للولايات المتحدة لأنها تستخدمه عند الحاجة غطاء لتدخل عسكري هنا أو هناك، كما حدث في حرب أفغانستان على سبيل المثال.
يأتي مقترح فرنسا بتوفير مظلة نووية لأوروبا تعبيرا عن عدم الثقة في استمرار المظلة الأميركية، أو في استعداد إدارة ترمب لاستخدامها
ومع ذلك، ربما لا يكون استمرار المظلة النووية الأميركية كافيا لتبديد خوف الأوروبيين. فوجود السلاح لا يعني الاستعداد لاستخدامه في كل الحالات. وحتى إذا بقيت هذه المظلة فثمة شكوك أوروبية في حقيقة وفاء إدارة ترمب بالتزاماتها في حلف "الناتو" كاملة، أو على الأقل مدى هذا الالتزام. فالنقد الذي توجهه واشنطن إلى الحلف يلقي ظلالا من الشكوك على الالتزام الأميركي في المستقبل. ولذا يُسأل في منتديات سياسية وأمنية وإعلامية أوروبية عن مدى استعداد إدارة ترمب لتفعيل البند الخامس في ميثاق الحلف، الذي ينص على أن أي اعتداء على أحد أعضائه يُعد اعتداء على دوله كافة، إذا حدث تدخل روسي في إحدى دول البلطيق على سبيل المثال. فهل تعتبره إدارة ترمب موجبا لتفعيل المادة الخامسة، أم ربما تجد مبررا له كما تفعل الآن بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ ترى أنه لم يأت من فراغ، وأن إدارة جو بايدن تتحمل مسؤولية الإصرار على ضم كييف إلى "الناتو".
جدل المظلة الفرنسية
في هذه الأجواء يأتي مقترح فرنسا بتوفير مظلة نووية لأوروبا تعبيرا عن عدم الثقة في استمرار المظلة الأميركية، أو في استعداد إدارة ترمب لاستخدامها. هذا المقترح ليس جديدا تماما. فقد تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عنه عام 2019 فى سياق كلامه عن أن حلف "الناتو" بات في حالة موت سريري. ولكن حرب أوكرانيا أعادت إليه الحياة، فانتفى مؤقتا سبب البحث عن بديل أو مُكمل يضمن استمرار الردع النووي الأوروبي. ويكتسب مقترح ماكرون الراهن أهمية أكبر الآن لاختلاف الظروف. وهذا يفسر ترحيب بعض الدول الأوروبية به، بخلاف الصمت الذي قوبل به عام 2019. وحتى ألمانيا التي لم تستجب له من قبل تبدو مستعدة لبحثه عقب تشكيل الحكومة الجديدة. فقد ألمح زعيم "الحزب المسيحي الديمقراطي" فريدريك ميرتز، الفائز في الانتخابات الأخيرة، إلى هذا الاستعداد وإن أعطى الأولوية للسعي إلى استمرار المظلة الأميركية.
كان ديغول قد نبَّه مبكرا جدا إلى يوم ستتغير فيه السياسة الأميركية تجاه أوروبا، وحذر من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في إطار "الناتو"، ودعا إلى نظام دفاع أوروبي مستقل
ونظرا لوزن ألمانيا في أوروبا، فالأرجح أن يكون للموقف الذي ستتخذه حكومة ميرتز أثر كبير في تحديد اتجاه أوروبا خلال بحثها عن حماية نووية. وإذا أخذنا في الاعتبار محدودية القدرات النووية الفرنسية (حوالي 290 رأسا نوويا يمكن إطلاقها من طائرات رافال أو غواصات) لا يُستبعد من حيث المبدأ بحث إمكان الاعتماد على بريطانيا أيضا لأن الموضوع ليس متعلقا بالاتحاد الأوروبي. ولكنّ هذا احتمال أضعف لأن المظلة النووية البريطانية مرتبطة بشكل وثيق بالولايات المتحدة، بخلاف حالة فرنسا التي تحافظ على استقلال قدراتها النووية. فهذه القدرات لا تتبع هياكل القيادة الموحدة للحلف منذ أن قرر الرئيس الأسبق شارل ديغول مغادرة هذه القيادة في مارس/آذار 1966. ولذا ربما يكون خيار الاعتماد على القدرات النووية الفرنسية مناسبا لأوروبا عندما يصل خوفها من رفع المظلة الأميركية، أو شكوكها في جدوى الاعتماد عليها وحدها، إلى مستوى يفرض التحرك في اتجاه خيار ثانٍ إما بديل وإما مُكمل.
عوائق امتلاك ألمانيا أسلحة نووية
لا يوجد في الأفق ما يدل على أن لدى أية دولة أوروبية فرصة لعسكرة قدراتها النووية. ومع ذلك لا يمكن القول إن هذا الأمر بعيد عن تفكير قادة بعض الدول الأوروبية، سواء الأكثر قلقا من نوايا روسيا المستقبلية، أو التي تستكثر الاعتماد على فرنسا وهى تعتبر نفسها أكبر من ذلك.
ولكن رغم أن ألمانيا تملك القدرة على ذلك، فقد صادقت على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية علاوة على أنها مقيدة بالتزاماتها في "اتفاقية 2+4" بشأن إعادة توحيدها عام 1990. كما أنها قررت مغادرة "الزمن النووي" وأغلقت آخر ثلاثة مفاعلات نووية لتوليد الطاقة في مطلع 2023. ومع ذلك ما زالت لديها منشآت لتخصيب اليورانيوم، ويُعتقد أنها تستطيع إنجاز هذا التخصيب في المستوى المطلوب لصنع عدة قنابل خلال 5 أو 6 سنوات لولا التزامها القانوني المزدوج.
استذكار ديغول
وهكذا تخشى أوروبا أن تنكشف أمنيا في حالة رفع المظلة الأميركية، أو التأكد من عدم جدوى الاعتماد عليها، في الوقت الذي لا تزال المظلة الفرنسية مجرد مقترح لا يُعرف مصيره. ولعل هذا المأزق يفسر حضور شارل ديغول في كثير من الكتابات والأحاديث السياسية والإعلامية في أوروبا اليوم. كان ديغول قد نبَّه مبكرا جدا إلى يوم ستتغير فيه السياسة الأميركية تجاه أوروبا، وحذر من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في إطار "الناتو"، ودعا إلى نظام دفاع أوروبي مستقل. وها هو اليوم، الذي دعا إلى استباقه، جاء دون أن يُستبق بما يقي أوروبا الانكشاف الذي يبدو أن الشعور به يزداد بغض النظر عن وجود تهديد روسي حقيقي من عدمه.