الجزائر وفرنسا... قصة حب وكراهية مزمنين والأجيال تدفع الثمن

كيف ينظر الشباب إلى مستقبل العلاقة بين البلدين؟

Shutterstock
Shutterstock
علما الجزائر وفرنسا

الجزائر وفرنسا... قصة حب وكراهية مزمنين والأجيال تدفع الثمن

مهما كان توصيف الحالة النفسية وحتى الذهنية التي يعيشها الجزائري وهو يتحدث عن فرنسا، فإن هناك نسختين من فرنسا تسريان فيه: واحدة في ثوب ملاك خيّر والأخرى في ثوب شيطان شرير. واحدة تأسر قلبه، والأخرى عديمة الإحساس. فرنسا الدمار والاستعمار، الغاشمة الظالمة الناهبة القاتلة والمريعة، وفرنسا الأضواء والفن والثقافة والعلم والنعيم والحرية، حي "بارباس" والمحلات السابقة لــ"طاطاي" و"مونبرناس" و"بيغال" و"سان دونيه"، والكباريهات، و"كريديه ليون"، ومرسيليا، معقل الجزائريين، المهاجرين الأوائل وللكثير من"الحراقة" اليوم، الولاية الــ 31 كما يطلق عليها، الموصولة "روحيا" بالولايات الـ 30 السابقة للجزائر.

تلك هي فرنسا، منبع الحياة الرخوة، المحبوبة الودودة، والحاضنة الأبدية، المكروهة والمنبوذة والقاسية والمتسلطة والعنصرية. تلك هي فرنسا، التي نتأهب ونتفنن في فضحها والتنكيل بها، وتعريتها وكشف عيوبها وزيفها، وهي من نلجأ إليها حين تضيق بنا سبل الحياة وتَــصْعب، نضع فيها ثقتنا، في مستشفياتها وبنوكها وجامعاتها ومعاهدها، ونتوق لتجربة التجوال في شوارعها المضيئة وحدائقها الغنّاءة، والجلوس على سطوح مقاهيها.

هي ذي فرنسا إذن، المترنحة بين وعيين شقيين.

هي ذي فرنسا، أنهر من دماء سالت بيننا، وعلت أمواجها إلى شاهق، ثم تدفقت في قلب كل عائلة فقدت أحد أفرادها خلال فترة الاستعمار. فرنسا الساعية اليوم سعيا محموما لدفن الذاكرة المجروحة إلى الأبد، والجزائر التي تقول وتردد: لن ننسى، ولن نطوي صحائفها الطويلة والعريضة، وسنظل نرفعها كلما أشتد الصراع وتداخلت المصالح وهددت، وتحرك طابورك الخامس بيننا، وتبدل الحكام.

فمن هي فرنسا بحق؟ تلك التي طار عقلها اليوم على أجنحة اليمين المتطرف، وأسقط حقده على كل ما هو جزائري؟ هل بها فعلا حنين للمستعمرة القديمة، أستيقظت من سبات عميق، وها هي تتلطف بزمجرة، توقظ الأحقاد والأمنيات؟

قصة شاب حالم

يسرع أيمن الخطى نحو شارع المعهد الفرنسي، في العاصمة الجزائر، الواقع في وسط أفخم البنايات الكولونيالية التي تحول الكثير منها بعد الاستقلال إلى مبان حكومية، مبنى الولاية، المجلس الشعبي الوطني، وفندق "إليتي" سابقا و"السفير" حاليا. غير بعيد عنه مركز للشرطة، وبعض الهيئات كفرع للخزينة العمومية، مقهى أو مقهيان، ومحلات لبيع الحواسيب والطابعات واللوازم المكتبية، وكلها تقريبا كما أخبرني صديق يعمل في مصلحة الأملاك، عبارة عن ممتلكات "وقف".

تلك هي فرنسا، منبع الحياة الرخوة، المحبوبة الودودة، والحاضنة الأبدية، المكروهة والمنبوذة والقاسية والمتسلطة والعنصرية

يبدو الشارع نظيفا خاليا إلا من بعض مارة يمشون بخفة مطأطئين رؤوسهم كلما مروا بمحاذاته، كأن عيونا تراقب مخارجه ومداخله، خاصة بعد أن أصبح المعهد محط أسئلة وشبهات تحوم حوله، منذ قصة العميل الذي أرادت المخابرات الفرنسية تجنيده، وطالبوه بـ"التقرب من المتطرفين في الجزائر العاصمة وكسب ثقتهم، وكذا تحديد أماكن وجود كاميرات المراقبة ودوريات الشرطة بالزي المدني"، حسب روايته التي بثها التلفزيون الرسمي، وقد التقاه ضابط من المخابرات الفرنسية داخل المعهد.

هو نفسه الشارع الذي شهد سنة 2017 أغرب تجمع للطلبة الراغبين في الالتحاق بالدراسة في فرنسا إثر تعطل الموقع الذي عادة ما يتم التسجيل فيه، غير أن بيانا غامضا صدر من طرف المصالح الفرنسية بضرورة توجه الطلبة مباشرة إلى المركز الثقافي الفرنسي الذي غيّر اسمه في السنوات الأخيرة وصار المعهد الفرنسي، وهو بيان جعل هذا الشارع الضيق الواقع فيه المبنى يمتلئ عن بكرة أبيه، بل هناك من قدم من ولايات داخلية. فباتوا ليلتهم هناك، وافترشوا الأرض لأيام بسبب الجموع الكثيرة للطلبة، وقد شهد المكان تدافعا أدى إلى حالات إغماء بين صفوفهم في مشاهد لا أحد كان يتوقعها أو يظنها. كانت أشبه بمشهد سوريالي، اختلطت فيه الأيدي والأرجل، وجوه متعبة مرهقة بعيون ناعسة جراء الانتظار الطويل أمام الباب السحري للمركز حتى يفتح... آنذاك قرأ الكثيرون الأمر على أنه مؤشر فارق وجرس إنذار، طرحوا من خلاله أسئلة وعلامات استفهام مقلقة عن خلفيات ما قامت به السفارة: هل كان هذا "بالون" اختبار لمعرفة مدى تعلق هذه الفئة بفرنسا؟ أم هي رسائل مشفرة إلى الكل، سلطة ومجتمعا، أن باستطاعتنا أن نستحوذ على خيرة أبنائكم وبناتكم وأن هؤلاء طوع بنانينا، ومهما قلتم أو فعلتم أو حاولتم أن تزرعوا فيهم بذور كراهيتنا فلنا القدرة على قلعهم من الجذور قلعا بالضغط فقط على زر الهجرة الناعمة؟

AFP
مارة بجانب لافتة انتخابية للرئيس عبد المجيد تبون وسط الجزائر العاصمة

ها هي الأسئلة تعود ونحن ننظر اليوم إلى ذبذبات التوتر بين الضفتين تصعد وتهبط وتتعاظم وتكاد أن تنفجر.

ربما لا تقلق هذه الأسئلة الشاب أيمن، وهو يدخل من باب المعهد الزجاجي الحديث. ينمحي كل هذا اللغط بمجرد ذوبانه في الردهة، يفكر في شيء واحد: "كيف أحسن من مستواي، ولغتي، وأبحث عن منافذ أفضل للمكوث في فرنسا وإكمال دراستي بها؟"، هكذا أسرّ إليّ بمجرد أن ألتقيته بعد ساعة في مقهى مجاور للمعهد.

يقف أيمن والمئات ممن هم في سنه ومستواه، أمام الضجة التي تدور قعقعات سيوفها، ولمعان خناجرها، في رحى المواقع الإلكترونية والصحف والقنوات التلفزيونية، هنا وهناك، تتطاحن فيها التصريحات الغليظة، وكلام اي كان صادقا او كاذبا، والخطب والبيانات المتضادة بين الضفتين. يقف بلا مبالاة أو اهتمام، "هذه الضجة لا تعنيني، ولا أحس بأنها تنقص أو تزيد من رؤيتي للعالم الذي أحلم أن أرسم خطوطه بتؤدة خارج كل ضجيج"، يقول أيمن، وهو يتصفح هاتفه الذي بدا أنه العالم الحقيقي الذي ينطوي فيه، هروبا من شيء ما يقبض على أنفاسه اللاهثة وراء كل صفحة تظهر له. يتصفح بسرعة، وينتقل ويمسح، ويعيد الكرة على الشاشة الصغيرة لهاتفه باحثا - كما قال - عن تفاصيل التسجيل وأفضل الجامعات والكلفة والشروط وغيرها من المعلومات التي ستتيح له وضع رجليه في عالم آخر ومغامرة أخرى، "أريد أن أبتعد... هذا كل ما أريده"، يقول بلغة فرنسية ممزوجة بالأمل والخوف.

ها هي الأسئلة تعود ونحن ننظر اليوم إلى ذبذبات التوتر بين الضفتين تصعد وتهبط وتتعاظم وتكاد أن تنفجر

ربما ما يفكر فيه أيمن هو تقريبا ما يفكر فيه العشرات أو المئات من الطلبة الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب حكاية صعبة ومتاهة لا يعرفون الكثير عن تفاصيلها وخفاياها ومآلاتها، خاصة مع تلويح السلطات الفرنسية بتشديد الإجراءات اللحصول على تأشيرة الدخول لأراضيها، كحال هؤلاء ومنهم أيمن الذي من المفترض أن يلتحق بفرنسا قريبا عن طريق التسجيل في مركز "كومبيس فرنسا"، الذي يقدم "معلومات دقيقة حول الدراسة في فرنسا، ويساعد الطلاب على تحديد مشروعهم الدراسي هناك ويمهد درب نجاحهم"، غير أنهم وجدوا أنفسهم عالقين في محطة انتظار طويل وممل وعبثي، ومشاعر متناقضة بين ما يحلمون به وما يراد لهم أن يحلموا به، بين القريب الذي يشحن الجو في وجههم باسم الوطنية والانتماء، وبين البعيد الذي يبشرهم بفضاء واسع للنجاح والحرية.

AFP
مارة بجانب جدارية للمطرب الشعبي الراحل الحاج أحمد العنقى في الجزائر العاصمة

الغربة الطويلة

عندما يدردش أي جزائري في أي مقهى شعبي بالعاصمة مع أصدقائه عن "الغربة"، لا تقفز إلى رأسه سوى فرنسا، كأنها مغناطيس خاص، شيفرة سرية جذابة لحياة جديدة، "مركب سكران" لا يلقيه إلا على الضفاف المتلألئة لفرنسا. المال، النساء، الزهو، اللهو، نهر السين، برج إيفل، متحف اللوفر، "مولان روج"، قوس النصر، الشانزيلزيه، حديقة لوكسمبورغ...

غربة قاسية ولكنها مترعة بالمغريات، تختفي برودتها لبرهة ولوقت طويل، ولكنها تلتهب بمجرد أن تنفتح "ليلة القدر" على أي مهاجر أو "حرّاق" لحظة حصوله على بطاقة إقامة أو حتى تأشيرة دخول قصيرة أو مديدة لتمد في عمر أحلامه التي طاردها على أرض وطنه.

الغربة ثيمة أشتهرت في أغاني كبار مطربي "الراي"، الشابة فضيلة وصحراوي، بلاوي الهواري، الشاب خالد وحميد ونصرو ومامي والشيخة الريميتي. هؤلاء الذين لم يجدوا غير فرنسا، صعدوا في سنوات قليلة كالصاروخ في سمائها، التقوا هناك في وقت مأسوي حيث هرب بعضهم من سكاكين ورصاص الإرهاب الذي عصف بالجزائر، وبعضهم بحثوا عن مساحات حرية أكبر حيث لا منع ولا ممنوع بعد أن ضاقت بهم السبل للانطلاق، ظلوا مطاردين من مجتمع ينظر إلى ما يقدمونه من غناء على أنه "محرّم"، نظرة مريبة ورافضة ومكفرة، جمعهم حي "بارباس" الشهير، حيث تكاثرت استوديوهات التسجيل، ونالت أشرطتهم رواجا كبيرا بين أبناء الجالية الجزائرية المهاجرة، وغنوا عن كل شيء محظور ومسموح ومباح في أشهر الملاهي. ولم تخلُ كلمات أغانيهم من لفظة "الغربة"، صارت عنوانا مزركشا يذكر بالوطن والحنين إليه، وحين يسمرون، تدور في الرؤوس فكرة العودة، تتكرر في الأفواه وتتمطط، ولكن برغم الزخم الطافح بالشوق والدموع التي تنهمر من العيون واللهفة، إلا أنهم لا يعودون، وإن عادوا ففي مناسبات عامة وخاصة كالأعياد أو العطل أو في كفن.

تلك هي توليفة الخداع وتركيبة الازدواجية والتناقض المرّ الذي يعيشه الجزائري مع فرنسا حتى "الشيزوفرينيا"

تلك هي توليفة الخداع وتركيبة الازدواجية والتناقض المرّ الذي يعيشه الجزائري مع فرنسا حتى "الشيزوفرينيا"، يتعايش معها بكل المحمولات السلبية والإيجابية التي تكتنف هذا الحب القهّار الذي يحكم القبض على أنفاسه، لا يشعر حيالها بأي خلل أو نقص أو انفصام بأنها هي بعينها المستعمر الهمجي، صاحبة الجرائم الكبرى التي ساح فيه دم الملايين من الجزائريين أثناء الاحتلال، الناهبة للثروات والخيرات، والسالبة للذات والهوية والذاكرة، وبين فرنسا الملاذ والملجأ والأم والصديقة والحبيبة والعشيقة، العدو الساحر الموهم، المتلاعب بصفاته الشريرة والخيرة. وعندما تورد التقارير والوقائع توجه بعض الشخصيات الكبيرة من النظام وكذلك بعض الذين قاوموها، للاستشفاء على أرضها، تنتابك الحيرة والدهشة والالتباس والعجب، لتسقط معه في المياه الراكدة التي تتحرك اليوم، كل التأويلات والتفاسير والتحاليل التي تتصاعد وتفور عن التوترات والصراعات والانشقاقات وما يقال عن غيوم سوداء تبرك في سماء البلدين ولكنها تعبر وكأنها لم تكن أبدا.

AFP
فرقة مسرحية جزائرية تؤدي عرضاً لمناسبة الذكرى الـ٧٠ لاندلاع حرب الاستقلال

رياح لا تهب

كم من مرة شابت العلاقة الجزائرية الفرنسية - على الأقل الرسمية منها - الخدوش والمناوشات، وتهديدات بملفات سرية وخفية تصل أحيانا إلى طحن عظام، رغم ذلك لم تحدث القطيعة ولا الزلازل كما قد توحي بذلك بلاغة الأقوال وخشونتها، ولا نيران الخطب والتصريحات، ولم يثن أي جزائري بسيط على النظر إلى هذا بعين أخرى، قد يقول لك أي شخص في الشارع هذه أمور تتجاوزني، وهي مسائل تخص الحكومات والمخابرات والمصالح والشخصيات الكبرى، لا تعنيني ولا تحرك فيّ ساكنا. فما بالك بالأجيال الجديدة، شابات وشبان، كما هو حال أيمن، أصحاب الوعي الفطن الذين يصارعون الزمن لإثبات ذاتهم وحضورهم في محيط يقولون إنه يزدريهم ويقصيهم، ولا يمنحهم قدرا من الاهتمام، ولا يتركهم يتقدمون الصفوف الأمامية في المسؤوليات، ولا يشجعهم على تطوير قدراتهم لتنمو وتزدهر، يكبس على أحلامهم ويقيدها في أغلال غليظة، فإذا أطلت عليهم دعوة أو منحة برأسها من وراء البحار مثلما حدث سنة 2017 والتي أشرنا إليها سابقا، فلا الخطب الرنانة تصمد ولا بيانات الشجب والتنديد تردعهم عن قنص الفرص والتجريب والجري.

يكاد هاتف أيمن ينفجر من كثرة ما يحرك شاشته هبوطا وصعودا كأنه يبحث عن شيء مفقود أو كنز ضائع، ومعه تكاد أسئلتي تنفجر في رأسي. لبرهة أسأله إن صادف فيه بعض "طراطيش" ما يحدث بيننا وبين فرنسا... صنصال، كمال دواود، معاهدة 1968، اليمين المتطرف، ريتايو، و...، وهلم جرا من المتتاليات التي تحدث منذ فترة والتي تدور كلعبة روليت مميتة، لا يرغب أحد أن تخرج الرصاصة الوحيدة حتى لا يصاب أحد في مقتل... الكل يراقب دوران المسدس، ويترقب عن قرب وعن بعد.

أسئلة أحاول أن أفككها في هذا الهامش الذي يجمعني بهذا الشاب، الذي لا أعرف إن كان يعيش في هذا العالم الذي يخفق بالتحولات الخطيرة، أم يدور في رأسه عالم صغير خاص به، ولا أدري إن كانت هذه المشاغل والأحداث المتأرجحة بين الجزائر وفرنسا الآن وربما إلى ما لا نهاية ولا أحد بإمكانه إيقاف زحفها، تشغل باله وتقلقه.

AFP
تظاهرة في باريس دعماً لاحتجاجات الجزائر ضد الولاية الخامسة للرئيس

"لا أدري"، يقول أيمن، "بعد أيام سأطير إلى فرنسا، وقد علمت أن الكثير من الطلبة مثلي في حالة خوف وإرباك وترقب من أن يتعرضوا لتجميد تأشيرة الدخول. أنت ترى نحن ندفع ثمن خلافات السياسيين من الطرفين... ماذا يعني لي بوعلام صنصال، الذي أجهل أصلا من يكون في هذه البرهة من حياتي وأنا أوشك أن أخطو خطوات مصيرية تفتح لي الأبواب؟ أنا لا أريد "أن أُعَمِرَ راسي" (أثقل رأسي)، والغوص في هذه الأمور، بل أخشى أن يضيع حلمي ويقضى عليه بقرارات جائرة تدفعني في مهب المجهول... إن كان لا بد أن تنتهي هذه الكوابيس فعلى العقلاء من الجانبين أن يتحركوا".

عاد أيمن إلى هدوئه الذي لم يغادره إلا لبضع دقائق، وغرق من جديد في هاتفه.

ماذا يعني لي بوعلام صنصال، الذي أجهل أصلا من يكون في هذه البرهة من حياتي وأنا أوشك أن أخطو خطوات مصيرية تفتح لي الأبواب؟ أنا لا أريد "أن أُعَمِرَ راسي"

أيمن

بالنسبة إلي اعتبرت هذا الرأي مستوليا على العديد من أمثاله من الأجيال الجديدة، وحتى على الكثيرين ممن يتلظون بشظف الحياة المضنية، ويفكرون في لقمة العيش الصعبة والتي يحاول الحكام بالقوة والفعل تجميلها، لقمة غدت هي الشغل الشاغل لهؤلاء الذين نصطدم بهم ونصادفهم يوميا وهم يجوبون شوارع العاصمة وفي مدن أخرى وفي المناطق العميقة، لكن في أعماقهم يتأجج رأي غاضب ومكتوم إلى حين.

AFP
بوعلام صنصال في حديقة بباريس يحمل كتابه "شارع داروين"

جيل مشتت بين زمنين

نشأت هذه الأجيال بين زمنين، زمن يحمل ذاكرة جريحة، مشبعة بالدم، قرأوا عنها في المقررات الدراسية وشاهدوها في أفلام ثورية، وقد تجد في عائلتهم شهداء يظلون حاضرين في كل زاوية من زوايا البيت، حيث تستعاد أصداء قصصهم في الأحاديث والمناسبات، ويقفون أيضا أمام زمن آخر، زمن الإرهاب حيث تجسدت فيه الفظاعة والقتل، والذي لم يعايشوه ولا يعرفون تفاصليه.

في خضم ذلك برز زمن آخر فيهم، يكاد زمن الثورة وزمن الإرهاب ينصهران وينمحيان من عقولهم وأرواحهم ونفوسهم، ولا يمر في نقاشاتهم أو ثرثراتهم، والحد الأدنى الذي يصل إليهم من هذين الزمنين هو ما يصادفونه بدرجات متفاوتة في تذكرات ومناسبات.

لم يتمكن هذان الزمنان من التغلغل في مخيالهم أو وعيهم بالشكل الذي يسمح لهم بالاستيعاب ومن ثم التحصن من الفراغ والخواء. هذا هو الخطر بعينه، فعندما تغيب الرموز الحقيقية سيؤدي ذلك حتما إلى حالات انسلاخ وتيه، غير أن الأدهى أنهم استبدلوها - أي الرموز -،بإيقونات أخرى تسيطر عليهم، قادمة بغزارة من عوالم أخرى كلعبة كرة القدم حيث يمكن أن يذكر لك أي شاب تاريخ أي فريق ويعدد أسماء لاعبيه فردا فردا عن ظهر قلب، هذا دون أن نتكلم عن عوالم الغناء والموسيقى والأفلام، وصيحات الألبسة الرياضية، وتفاصيل أخر موديلات الهواتف الذكية وأسعارها بدقة، ناهيك عن أحدث أسماء الألعاب الإلكترونية وغيرها.

نشأت هذه الأجيال بين زمنين، زمن يحمل ذاكرة جريحة، مشبعة بالدم، قرأوا عنها في المقررات الدراسية وشاهدوها في أفلام ثورية

بينما لا تمثل فترة الإرهاب التي اجتاحت الجزائر لديهم سوى مشاهد كـأنها مستوحاة من فيلم خيالي. ذلك أن غياب التوثيق بمختلف أصنافه، صورة وصوتا وكتابة، وموت الأشخاص الذين عاشوا تلك الفترة القريبة، خصوصا من العاملين في أجهزة الأمن بتخصصاتهم كافة، وركون العديد من الفاعلين في تلك الفترة، إلى الصمت والعزلة، والابتعاد عن بهرجة الأضواء، ساهم في خلق هذه الفجوة التي يراد لها أن تهوي أكثر لتمحي وتزيل ما وقع. حتى أن السلطة في الجزائر سنّت قانونا يمنع الخوض في مصائبها وآلامها، وهو ما جعل من استعادة تلك المرحلة العصيبة صعبا وخطيرا، وجعل هذا الجيل لا يحس بها، ومعرفته بها لا تتعدى نتفا من معلومات غالبها مشتت في الإنترنت، مشوه، وملفق، ومليء بالأخطاء والمغالطات، متشعب، وأشبه بخرم إبرة أو قشة في كومة.

REUTERS
تجمع في باريس دعماً للكاتب المعتقل بوعلام صنصال

الهامش كتحولات قاسية

استقر هذا الجيل في الهامش، عاش تفاصيله وتآلف معه، ولم يعد هذا الأمر يبعث فيه أي حماسة، رغم ظهور بعض اللمحات من التغيير بين الحين والآخر خاصة أثناء حراك 2019 الذي حمل معه الأمل والروح لجيل كامل، غير أنه بهت، قُمِعَ، أو  اختُطِف، سيان الأمر، فانزوى هؤلاء وغيرهم إلى ركن قصي من الواقع لا يُرى ولا يُلمس. يمكن القول إن هناك شعورا عميقا غائرا بالاستقالة النفسية من كل شيء، حتى من الحياة نفسها، وهي حالة تسكنه وتتسلط عليه، لكن ما أن يخطو خطوة خارج حدود البلاد، حتى يتلبسه إنسان آخر، ينفجر في داخله بركان من الحيوية والهمة، يستعيد طاقته وينبض بالحياة، حتى لو قاده ذلك إلى مسارات غير شرعية. لا يلوي على أي شيء، وهو بذلك يعتقد أن الأهم هو الخروج من حالة الخمول وقوقعة الوطن، والبحث عن فرص تمنحه القوة لاكتشاف ذاته الحقيقية، فيتبدل كليا، وكأنه استعاد جزءا من روحه المفقودة.

إنه تحول دراماتيكي، مؤلم وقاس، وجميل في آن واحد، ثعبان يتلوى داخل نفسية هذا الجيل يصرعه، ويبتلعه ببطء، سيغدو هذا التحول الكافكاوي لعبة نرد تُرمى في حقل الانتماء والتوق إلى الحرية مهما كان ثمنها عند البعض، بينما سيختار آخرون تسليم أرواحهم للمجهول، وستقود بعضهم إلى مسرح التنكر والإنسلاخ حيث يعرضون أي شيء للبيع لمن يدفع أكثر مثلما هو حاصل مع بعض من غادروا البلاد هاربين من العدالة والقصاص وفضلوا الخيانة والعمالة، وقد يظفر المحظوظون منهم بالقمة والنجاح.

AFP
الرئيسان ماكرون وتبون خلال مؤتمر صحافي مشترك في الجزائر

من سنين خصبة إلى سنين عجاف

والآن، وبعد كل هذه السنين تجد العلاقة بين الجزائر وفرنسا نفسها اليوم في مواجهة نارية تحمل في طياتها أبعادا غير مسبوقة، تداخلت المشاعر والوقائع، وطفحت بالعسل والسم، الحلو والمرّ، المنافع والمطامع، الصداقة والعداء، الذاكرة والنسيان، الحميمية والنفور، العالق والمنفلت، السيد والعبد، الخير والشر، كان المأمول من هذه العلاقة دوما أن تقفز إلى مستويات عالية، خاصة أن كل اللقاءات بين الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون كانت تظهرهما على وفاق تام وانسجام، حتى مكالمتهما الهاتفية تلقى الرعاية القصوى والإشادة بها من لدن الإعلام الرسمي والخاص ووسائل التواصل الاجتماعي التي وصفتها بالحميمة، والأخذ بالأحضان وشبك الأيدي كلما أتيحت فرص لذلك، حتى وصلت إلى التصريح الأصعب الملفوف بالغموض والملغز، الذي أطلقه الرئيس ماكرون حين التقى سنة 2021 بـ 18 شابا وشابة فرنسية من أصل جزائري ومن مزدوجي الجنسية، "لمناقشة مسألة مصالحة الشعوب، بهدف تهدئة جرح الذاكرة"، حين قال: "تبون عالق داخل نظام عسكري سياسي صعب في الجزائر"، وفق ما تناقلته وسائل إعلام فرنسية، وكأنه بذلك يسعى إلى "تحريره" مما كرسته الأدبيات من 1962 إلى اليوم من تدوير الفكرة القائلة بالدور القوي الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في توجيه نظام الحكم في الجزائر أو الإشارة إلى أنها هي الحاكم الفعلي، وليس في إمكان أي رئيس التحرك قيد أنملة دون إذنها، وهي في النهاية من تعينه.

سيصنع هذان الجيلان ذاكرة خفيفة وشفافة، بعيدا عن الدروس الجوفاء، والمناوشات، والمصالح الضيقة، ومزايدات السياسيين

كانت كل هذه نذور ودلائل وبراهين، ومؤشرات قوية سمحت لحالات الهدوء والاطمئنان أن تسود لفترة، ورتبت في أكثر من مناسبة لأفق أبيض وحلو بين الجانبين، يمتلكان من التاريخ المشترك ما يصعّب عليهما الانزلاق نحو الهاوية، حتى وإن قسوا على بعضهما، ولكنهما في النهاية، كما تعلمناه من تجارب سابقة أو من خلال المصادفات، أنهما سيسيران سرا وعلانية للملمة شظايا التوتر عاجلا أم أجلا، من أجل التوافق من جديد، رغم المظلومية الموثقة بالصورة والصوت، والأفعال الشنيعة والبشعة والمحظورة التي تعرض لها الشعب الجزائري خلال حقبة الإستعمار، والتي تتماطل وتتردد فرنسا في الاعتراف بسرديتها وفجائعها التي تتكشف كل يوم، وبالرغم أيضا من الحقائق الأخيرة التي أزاحت الستار عن علم الجزائر بها ولكنها أخفتها، وهي اليوم مفروشة أمام الأعين بكل أسرارها "القبيحة" محدثة صدمة لدى الرأي العام، كمسألة العقارات الفاخرة المستأجرة إلى فرنسا بأسعار زهيدة، هذا إن لم تكن بيعت لها كما تقول آخر التقارير. وهذا غيض من فيض كما يقول متابعو مسلسل التصعيد اللامتناهي، وهو ما سيبشر بحقائق خطيرة أخرى مزمنة تتعصر للخروج برأسها العاري، أو كما يقال ما خفي منها أعظم وأشد.

AFP
كتب للكاتب بوعلام صنصال قبل انطلاق فعالية لدعمه في "معهد العالم العربي" بباريس

بين المعارك الدونكيشوتية وليّ الذراع

هل هذه المعركة التي يلوح أوارها من خلال بوعلام صنصال، وبعض "حرّاقة" منتشرين في الشوارع المظلمة والأزقة الخلفية لباريس وعلى ضفاف نهر السين، أو من بعض من يقال إنهم مؤثرون استرخصوا المعنى، وصعدوا إلى الشاشة، وتفّهوا كل شيء، وحولوا الأنظار عن الأهم والمهم في العلاقة بين فرنسا والجزائر؟ هل هي معركة أيمن وغيره من أجيال أخرى هامشية سواء في الجزائر أو في فرنسا؟

لا أحد طرح الأسئلة الجوهرية في كل هذا التجييش، والعنف اللفظي، والمواقف المتصلبة بين الجانبين. فما الضير لو أطلقت الجزائر من البداية سراح بوعلام صنصال، ولم تعر أهمية لما قاله، والذي تهافت حتى لدى من أوحى له به؟

هل وقعت الجزائر في فخ منصوب بإحكام من قبل أجهزة ولوبيات، تعمل في الحديقة الخلفية للقصر في خفاء، وتورية ومجاز. ربما رأوا الخلل والنقائص والفجوات والارتباكات في تعاطي النظام الحالي مع الكثير من الأحداث، فنفذوا منها، وبسطوا أرجلهم وأيديهم، وزرعوا أعينهم، و"طرطقوا" آذانهم وخلطوا الأوراق.

في كل مرة تضيّع الجزائر الفرص التي توقظ الهمم لاحتواء القلاقل وأزماتها بالعقل والواقعية، والمنطق والخيال، وحسن التدبير، والتخطيط، ولكنها تداوم على الدوران في دوامة قاتلة لا تخرج منها بأية فائدة سوى وجع الرأس وتكلفة باهظة، جهدا ومالا، وهي تكلفة لا يدفع ثمنها النظام فقط، بل تنعكس على حياة المواطن العادي، الذي إن نزلت الشارع وسألته الرأي لغض الطرف وتأفف، ودعك مما يبث، ويجري، ويزدهر في القنوات والإعلام.

في المقابل ما هي نظرة الجيل الفرنسي الجديد، جيل منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، جيل التواصل الرقمي، إلى المشاكل والصعوبات والإضطرابات التي تسبب فيها نظامه أكان يمينيا متطرفا، أو يساريا متهورا، أو معتدلا مغلوبا على أمره... هل ينتبه إلى كل هذا أم أنه على الهامش أيضا كأقرانه من الجزائريين؟

سيصنع هذان الجيلان ذاكرة خفيفة وشفافة، بعيدا عن الدروس الجوفاء، والمناوشات، والمصالح الضيقة، ومزايدات السياسيين. ذاكرة تصنع من ماض جريح، صحيح أنه مؤلم، وموشوم إلى الأبد على جسد فرنسا، بما ارتكبته من فظائع، وجرائم تظلّل موقفها، سواء كان سليما أو معوجا، وهي ذاكرة بالنسبة للجزائر رأسمال غني وثري، لا يود أحد اليوم، ولا غدا، أن تتداعى من جديد على أيدي من لطالما اعتبرتها لعبة تحركه وفق مصالح آنية.

font change

مقالات ذات صلة