مهما كان توصيف الحالة النفسية وحتى الذهنية التي يعيشها الجزائري وهو يتحدث عن فرنسا، فإن هناك نسختين من فرنسا تسريان فيه: واحدة في ثوب ملاك خيّر والأخرى في ثوب شيطان شرير. واحدة تأسر قلبه، والأخرى عديمة الإحساس. فرنسا الدمار والاستعمار، الغاشمة الظالمة الناهبة القاتلة والمريعة، وفرنسا الأضواء والفن والثقافة والعلم والنعيم والحرية، حي "بارباس" والمحلات السابقة لــ"طاطاي" و"مونبرناس" و"بيغال" و"سان دونيه"، والكباريهات، و"كريديه ليون"، ومرسيليا، معقل الجزائريين، المهاجرين الأوائل وللكثير من"الحراقة" اليوم، الولاية الــ 31 كما يطلق عليها، الموصولة "روحيا" بالولايات الـ 30 السابقة للجزائر.
تلك هي فرنسا، منبع الحياة الرخوة، المحبوبة الودودة، والحاضنة الأبدية، المكروهة والمنبوذة والقاسية والمتسلطة والعنصرية. تلك هي فرنسا، التي نتأهب ونتفنن في فضحها والتنكيل بها، وتعريتها وكشف عيوبها وزيفها، وهي من نلجأ إليها حين تضيق بنا سبل الحياة وتَــصْعب، نضع فيها ثقتنا، في مستشفياتها وبنوكها وجامعاتها ومعاهدها، ونتوق لتجربة التجوال في شوارعها المضيئة وحدائقها الغنّاءة، والجلوس على سطوح مقاهيها.
هي ذي فرنسا إذن، المترنحة بين وعيين شقيين.
هي ذي فرنسا، أنهر من دماء سالت بيننا، وعلت أمواجها إلى شاهق، ثم تدفقت في قلب كل عائلة فقدت أحد أفرادها خلال فترة الاستعمار. فرنسا الساعية اليوم سعيا محموما لدفن الذاكرة المجروحة إلى الأبد، والجزائر التي تقول وتردد: لن ننسى، ولن نطوي صحائفها الطويلة والعريضة، وسنظل نرفعها كلما أشتد الصراع وتداخلت المصالح وهددت، وتحرك طابورك الخامس بيننا، وتبدل الحكام.
فمن هي فرنسا بحق؟ تلك التي طار عقلها اليوم على أجنحة اليمين المتطرف، وأسقط حقده على كل ما هو جزائري؟ هل بها فعلا حنين للمستعمرة القديمة، أستيقظت من سبات عميق، وها هي تتلطف بزمجرة، توقظ الأحقاد والأمنيات؟
قصة شاب حالم
يسرع أيمن الخطى نحو شارع المعهد الفرنسي، في العاصمة الجزائر، الواقع في وسط أفخم البنايات الكولونيالية التي تحول الكثير منها بعد الاستقلال إلى مبان حكومية، مبنى الولاية، المجلس الشعبي الوطني، وفندق "إليتي" سابقا و"السفير" حاليا. غير بعيد عنه مركز للشرطة، وبعض الهيئات كفرع للخزينة العمومية، مقهى أو مقهيان، ومحلات لبيع الحواسيب والطابعات واللوازم المكتبية، وكلها تقريبا كما أخبرني صديق يعمل في مصلحة الأملاك، عبارة عن ممتلكات "وقف".