"العيش بصحبة الفلسفة" لحسن أوزال: صفعة للفكر الكسول

كتاب يدعو إلى "التحالف الوجودي" مع الفلاسفة

غلاف كتاب "العيش بصحبة الفلسفة"

"العيش بصحبة الفلسفة" لحسن أوزال: صفعة للفكر الكسول

في عدد يونيو/ حزيران من عام 2004، نشرت مجلة "نزوى" العمانية مقالا وقعه الكاتب المغربي حسن أوزال، حمل عنوانا سيصبح لاحقا اسما لكتابه الأحدث: "العيش بصحبة الفلسفة".

كان المقال آنذاك تأملا خصبا في درس متأخر لفوكو حول أفلاطون، تتبع فيه أوزال ملامح تجربة فلسفية لا تقف عند حدود المفهوم، بل تغامر في تخوم الجسد، في الإصغاء، في التمرن وفي الامتناع المتعمد عن الكتابة. لكن ما بدا يومها تعليقا على موقف فوكو، تحول بعد عقدين إلى بيان وجودي مستقل. العنوان لم يتغير، لكن المعنى اتسع وتجسد بل تلبس صاحبه، فالعودة إلى العنوان نفسه بعد عشرين سنة لم تكن تكرارا أو مجرد استعادة لنص سابق، بل تكثيف وليس تجريبا ثانيا للنار الأولى نفسها.

"العيش بصحبة الفلسفة" لم يعد كما كان في المقال عنوانا لقراءة أفلاطونية فوكوية، بل صار عنوان كتاب يدعو إلى نمط حياة يقترحه أوزال، يقوم على دعوة مفتوحة إلى أن نقيم مع الفلسفة ونعيشها، لا كمعلومة نستفيد منها بالمجاورة، أو نتخذها تمرينا ذهنيا خالصا، بل كمرافقة حسية طويلة النفس. يقول أوزال في هذا الشأن مستهلا كتابه: "هل منا من اختبر مرة، أن يعيش فكرة ما؟ حسبي في ذلك أن الأفكار منذورة أساسا لأن تعاش، لا لأن تقرأ فحسب.".

من دفاتر التنظير إلى خبز الحياة

لا يقترح الكتاب مراجعة لفكر الفلاسفة الذين عاشوا على الهامش، بل يدعو إلى تبينهم والتحالف الوجودي معهم ضد الفكر الصنمي التجريدي الذي حول الفلسفة إلى قوقعة لغوية، فأوزال لا يستعيد ديوجين، نيتشه، أبيقور، كامو ومونتاني كمراجع معرفية، بل ككائنات حية تعلمنا كيف نقف ونأكل، كيف نمشي ونحب، على نحو يجعل الجسد جزءا من العقل لا ملحقا به، فنجد يكتب بكل وضوح: "العيش على نحو هايدغري أو هيغلي يكاد يخلو من أي مغزى، خلافا للعيش على نحو رواقي أو أبيقوري... فلسفتان وجوديتان بامتياز، همهما الأكبر التفكير في تقنيات إبداع الحياة وخلق إمكانات جديدة للعيش"، فلا تحضر ثيمة الجسد في هذا العمل كموضوع بل كمحور تأويلي.

كل فلسفة لا تمر عبر الجسد، لا تختبر في الألم والرغبة والجوع وفي النوم أيضا، لا تعدو أن تكون إلا فلسفة ناقصة

كل فلسفة لا تمر عبر الجسد، لا تختبر في الألم والرغبة والجوع وفي النوم أيضا، لا تعدو أن تكون إلا فلسفة ناقصة: "أعيش هؤلاء الفلاسفة وأنا أقرأهم... فنيتشه مثلا ينبغي أن تحياه لا أن تقرأه فحسب. عليك أن توقع بصحبته خطوات في الفكر والحياة"، فالجسد حسب أوزال ليس تمجيدا حسيا سطحيا، بل بوابة للمعرفة وشرط للحقيقة، وبلا شك هو مقياس لصدق العيش. هكذا نقرأ في إحدى فقرات الكتاب كيف يصور صاحبه الحواس باعتبارها أدوات معرفية، تصويرا يستحق التأمل: "أليس ما نأكله يفضح هويتنا؟ بل يفضح حتى طريقتنا في العيش؟".

Shutterstock
الفلسفة اليونانية

هذا التصور الخاص يجعلنا نلاحظ بلا شك إصرار الكاتب على إلغاء أي مسافة بين الفلسفة والذات، بل نجده في كل مرة لا يتورع عن دمجهما معا، فبالنسبة إليه لا يمكن اعتبار الفلسفة مجرد تأمل نظري، بل هي نحت للذات من الداخل، دون أن يكون المقصود من ذلك أن نعرف، بل أن نتغير. لذلك لا تأتي الفلسفة في هذا الكتاب كشأن معرفي، بل كمعركة يومية مع النفس. فـ"الشجاعة"، كما يشير مرارا، لا تكون في الكتابة بل في التجربة، كما لا تكون في التذكر بل في الوقوف في وجه التيار، حيث لا ضمان سوى الإيمان الصامت بالفكرة: "الحقيقة لا تمنح، بل تخاض. والصدق الفلسفي لا يكتسب من حبر، بل من حرق".  

وكأن أوزال يدعو الفيلسوف ليكون أقرب إلى مجنون نبيل أو محارب طرقي، يتعقب شرارة المعنى في زحمة الحياة، يرفض الانفصال بين الفكرة والموقف، بين الرأي والمصير، على غرار سقراط الذي لم يكتب حرفا، لكنه عاش فلسفته حتى الكأس الأخيرة. ومونتاني، وهو يكتب مقالاته، لم يكن يقدم أطروحة بل تفحص نفسه كما يتفحص الجرّاح جسد جريح في عتمة العيادة. نيتشه كان أيضا من هذا النوع من الفلاسفة، أليس هو الذي انهار باكيا وهو يعانق حصانا يجلد في تورينو؟ لا لأنه فقد عقله، بل لأنه لم يعد يحتمل رؤية العنف المفروض باسم العقل.

كأن أوزال يدعو الفيلسوف ليكون أقرب إلى مجنون نبيل أو محارب طرقي، يتعقب شرارة المعنى في زحمة الحياة

هذا هو الدرس الذي يقترحه أوزال: أن تفكر، يعني أن تكون مسؤولا عن طريقة عيشك، عن نبرة صوتك، عن اختيارك لصمتك أيضا.

مواجهة الحداثة بالبصيرة القديمة

وعلى غرار نيتشه أيضا، اختار أوزال كما يظهر جليا في كتابه، ألا يفصل بين الأسلوب والفكر. الأسلوب هنا موقف والجملة عنده تشبه اللكمة. إنه يكتب ضد اللغة المألوفة، ضد الطمأنينة اللغوية، ضد البلاغة الأكاديمية المعقمة. كل فقرة كأنها تمشي حافية. وبهذا المعنى، فإن هذا العمل لا يناقش الأسلوب بل يؤديه، وهو نتيجة لذلك لا يشرح النبرة بل يعيشها، وهو ما يبرر عودة صاحب "العيش مع الفلسفة" إلى فلاسفة ما قبل الكتابة، ليحيا طريقتهم في العيش أكثر مما ليؤرخ لهم. فلسفته ليست ما بعد حداثية، بل يمكن وصفها أنها ما قبل مؤسساتية. إنها مقاومة ناعمة ضد قولبة الفكر وضد تحويل الفلسفة إلى صنعة. وهو في هذا السياق يهاجم أخلاق الزهد والانضباط الزائف، محذرا من تحويل الفلسفة إلى قيد جديد: "الدين، كما قال نيتشه، بحاجة للمرض تماما كما أن الحضارة تحتاج للصحة".

حسن أوزال

هذا هو قلب هذا النص وسبب صفعته للفكر الكسول، فأوزال لا يسأل ما الفلسفة؟ بل كيف نعيش بها؟

كيف نصوغ حياتنا كما يصوغ النحات تمثالا؟ كيف نكون فلاسفة دون أن نتكلم عن الفلسفة؟ كيف نأكل، ننام، نحب، كما لو أننا نعيد اختراع الوجود؟

وهكذا لا يصبح العيش مع الفلسفة حكرا على أفلاطون أو نيتشه، ويصبح ممكنا اليوم، في الشارع، في العمل وفي تفاصيل الحياة الحديثة

هنا تصبح الفلسفة تصميما شعريا للوجود وتنأى عن أن تكون نظاما فكريا صارما، تحوّل قد يجعل منها أشبه بخريطة غير مكتملة ترشدك إلى نفسك لا إلى الآخرين: "ليس ثمة من فلسفة دونما فيلسوف يصوغها بلحمه ودمه... الأفكار لا تسقط علينا فجأة من السماء، بل هي مفعول كيمياء الجسد".

غلاف كتاب "منطق الفكر ومنطق الرغبة"

تمكن أوزال في هذا العمل من جعل قارئه يشعر بأنه أمام مرآة ينظر إلى نفسه فيها، مرآة تسألك: هل هذه حياتك؟ وهل أنت من كتبها؟ وإن لم تكن... فمتى تبدأ في عيشها أو إعادة كتابتها؟ ومع أنه يطرح عليك هذه الأسئلة، نجده غير معني بالإجابة عنها. كل ما يفعل هو أن يهمس في أذنك: "لا ترفض العالم بل واجه من موقع تكون فيه أكثر حرية"، كأن تقول "لا" حين يتواطأ الجميع على قول "نعم" كأن تتأخر في الإجابة لأنك تفكر، لا لأنك تخشى.

هذا السؤال: كيف نعيش؟ لا يجاب عنه دفعة واحدة، بل في كل مرة تختار فيها أي شيء، في كل مرة تتكلم فيها أو تأكل أو تختار مع من ترغب في أن تكون بصحبته. يجاب عنه أيضا في لحظات الصمت والحلم، وهكذا لا يصبح العيش مع الفلسفة حكرا على أفلاطون أو نيتشه، ويصبح ممكنا اليوم، في الشارع، في العمل وفي تفاصيل الحياة الحديثة التي يظن الناس أنها بلا معنى. يمكننا أن نكون أبيقوريين في طهو بسيط، ورواقيين في رفض الإسراف، وشكوكيين في وجه اليقينيات الفارغة، وأن نصير نيتشويين في لحظة اختيار الهشاشة بدل القوة.

font change

مقالات ذات صلة