ما وراء الحدود... خلق "مساحة" للتفاهم بين سوريا ولبنان

طريق السلاح ومنبع الكبتاغون ووكر العصابات والمهربين

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي لبناني على برج مراقبة في منطقة وادي خالد اللبنانية، وهي نقطة رئيسية لعبور المهاجرين غير الشرعيين من سوريا، شمال لبنان في 5 أكتوبر 2023

ما وراء الحدود... خلق "مساحة" للتفاهم بين سوريا ولبنان

بيروت- لم تكن العلاقة بين لبنان وسوريا ندية وودية يوما، فالعلاقات بين البلدين لطالما اتسمت بالتعقيد والتوتر والأزمات التي بلغت ذروتها مع اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005، واتهام النظام السوري آنذاك بتنفيذ عملية التفجير الكبيرة في بيروت.

فمنذ استقلال لبنان عام 1943 وسوريا عام 1946، شهدت العلاقات بين البلدين تقلبات حادة، خصوصا مع عدم تقبل دمشق أن لبنان أصبح دولة مستقلة ذات سيادة تامة. فمحاولات السيطرة على قراره السياسي والتدخل في شؤونه لم تتوقف يوما، وصولا إلى دخول الجيش السوري بغطاء من جامعة الدول العربية إلى لبنان عام 1976 أي بعد عام من بدء الحرب الأهلية اللبنانية وكان الهدف المعلن يومها فرض الاستقرار في البلاد. إلا أن هذا التدخل تحول مع الوقت إلى مسار طويل من الهيمنة، سُمي "الوصاية السورية على لبنان"، فنجحت "سوريا الأسد" في فرض السيطرة السياسية والعسكرية الكاملة على لبنان، لتصبح دمشق صاحبة الكلمة الفصل في القرار اللبناني.

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع "اتفاق الطائف" عام 1989، أصبح النفوذ السوري في لبنان أوضح، حيث كانت دمشق تتحكم في كل مفاصل الحكم في لبنان، عبر تقويض معارضيها والتدخل المباشر في "تعيين" رؤساء الجمهورية والحكومات... كفرض دمشق التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود بالتهديد والوعيد، وقد نشرت "المجلة" سابقا تفاصيل اللقاء العاصف الذي جمع رفيق الحريري ببشار الأسد على خلفية رفض الحريري التمديد للحود.

وبعد أشهر قليلة وتحديدا في 14 فبراير/شباط عام 2005 تم اغتيال الحريري، فانتفضت بيروت للمرة الأولى بوجه دمشق عبر احتجاجات شعبية غير مسبوقة طالبت بانسحاب الجيش السوري بعد توجيه أصابع الاتهام لنظام الأسد بقتل رفيق الحريري. وبالفعل، وتحت ضغط الشارع والمجتمع الدولي المتمثل بقرار مجلس الأمن رقم 1559 الصادر في 2 سبتمبر 2004 الذي دعم إجراء انتخابات الرئاسة اللبنانية بشكل حر وعادل، وطالب جميع القوات الأجنبية بالانسحاب من لبنان، انسحبت القوات السورية من لبنان في أبريل 2005 بعد 29 عامًا من الوصاية.

تحرك سعودي وفرنسي سريع لمحاولة إغلاق ملف الحدود بين سوريا ولبنان، التي تمتد على مسافة 375 كيلومترا وتضم معابر غير شرعية، غالبا ما تستخدم لتهريب الأفراد والسلع والسلاح والمسروقات

ورغم الانسحاب، فإن سوريا لم تخرج من المشهد السياسي في لبنان، وبقي نفوذها مؤثرا وقويا عبر حلفائها الذين شكلوا تحالف قوى "8 آذار" بقيادة "حزب الله". ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ازدادت حدة الانقسام داخل لبنان بين مؤيد لسوريا ومعارض لها، خاصة بعد تدخل "حزب الله" عسكريا إلى جانب النظام السوري.

ورغم دخول سوريا في حرب استنزاف طويلة فإن نظام الأسد لم يتخل يوما عن "الورقة" اللبنانية واستمر بالتدخل في الشؤون السياسية ولو بشكل وأساليب متفاوتة، ليكون تاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، يوما لتحرير لبنان كما سوريا من قبضة نظام استباح ودمر أمن ومقدرات البلدين، فاحتفل اللبنانيون مثل السوريين بالخروج من مستنقع قاتم ممزوج بالقهر والخوف والدماء، وتمنوا صفحة جديدة تؤسس لعلاقات طبيعية بين دولتين جارتين، إلا أن هذا التفاؤل اصطدم بقضايا عالقة من مخلفات النظام السابق أبرزها ملف ترسيم الحدود البرية الذي انفجر عبر اشتباكات مسلحة على الحدود الشرقية مع سوريا قبل أسبوعين وللمرة الثانية منذ سقوط بشار الأسد، قيل إنها نشبت بين قوات الأمن السورية ومهربين من أبناء المنطقة الحدودية من الجهة اللبنانية.

رويترز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزيف عون خلال اجتماع انضم إليه عن بعد الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، خلال زيارة إلى قصر الإليزيه في باريس، فرنسا، 28 مارس 2025

ورغم تضارب الروايات حول كيفية بدء الاشتباكات وهوية المتقاتلين، فإن خطورة الحدث قابلها تحرك سعودي وفرنسي سريع لمحاولة إغلاق ملف الحدود بين سوريا ولبنان، التي تمتد على مسافة 375 كيلومترا وتضم معابر غير شرعية، غالبا ما تستخدم لتهريب الأفراد والسلع والسلاح والمسروقات.

قمة ثلاثية في باريس وتوقيع اتفاقية في جدة

شهد الأسبوع الماضي اجتماعين بارزين أحدهما في باريس والثاني في جدة، يعول عليهما لبنان لحل القضايا العالقة بين بيروت ودمشق، أبرزها ملف ترسيم الحدود الأكثر إلحاحا خصوصا بعد الأحداث الأخيرة على الحدود.

طلب لبنان مساعدة السعودية في عملية ترسيم الحدود، وبناء على هذا طورت السعودية الاقتراح وأصبحت راعية لوقف إطلاق النار وضبط الأوضاع والبحث في اتفاق الحدود وفي اتفاقيات أخرى مشتركة

فخلال زيارة رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة الماضي، عقدت قمة ثلاثية حضرها الرئيس السوري أحمد الشرع عبر الفيديو ونوقشت خلالها مسألة الحدود البرية وترسيمها بين لبنان وسوريا بحسب ما أعلن قصر الإليزيه، ومن ثم قمة خماسية ضمت إلى جانبهم الرئيس القبرصي كريستودوليديس، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس.

ونشرت الرئاسة اللبنانية أن "الرئيس عون أكد خلال الاتصال مع الرئيس السوري في حضور الرئيس ماكرون، على ضرورة التنسيق بين البلدين من أجل معالجة المسائل العالقة ولاسيما موضوع الحدود المشتركة، كما أكد على ضرورة الاستفادة من المساعدة الفرنسية لإيجاد حل سريع لقضية عودة النازحين السوريين إلى بلادهم كي يعيشوا بكرامة، وأي عقبات وصعوبات يمكن إيجاد حل لها بالتعاون".

كذلك أعلنت الرئاسة السورية في بيان أن القمة "ناقشت الجهود المشتركة لمكافحة التنظيمات الإرهابية خاصة الميليشيات المسلحة والتحديات الأمنية التي تهدد المنطقة، والنزاعات الحدودية التي تتأثر بها كل الأطراف. وأكد القادة على ضرورة تعزيز التنسيق والتعاون الأمني لضمان أمن الحدود المشتركة". فيما نشرت باريس خارطة طريق لسوريا بناء على القمة أعربت فيه عن دعم ترسيم الحدود البحرية لسوريا واحترام سيادة سوريا ودعم ردع الانتهاكات والتدخلات من الجهات الأجنبية.

وجاءت قمة باريس بعد يوم واحد من اتفاق تم التوصل إليه في جدة، بين وزيري الدفاع في لبنان وسوريا، ورعته المملكة السعودية، أفضى إلى إنشاء "آلية تنسيق وفض النزاعات" بين الطرفين.

أ.ف.ب
اجتماع بين وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ووزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة ووزير الدفاع اللبناني ميشال منسى، في جدة في 27 مارس 2025

وبحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، فإن الاجتماع تم بتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. وأوضحت أن الاجتماع يهدف لتنسيق وتعزيز التعاون في القضايا الأمنية والعسكرية بين لبنان وسوريا.

وشارك في الاجتماع الذي عقد، الخميس، وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، ووزير الدفاع السوري اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، ووزير الدفاع اللبناني اللواء ميشال منسى، والوفدان الأمنيان المرافقان لهما، وذلك بعد إلغاء لقائهما في دمشق قبل ساعات من انعقاده في جدة.

مصدر في الحكومة اللبنانية أكد لـ"المجلة" أن "انتقال الاجتماع بين وزيري الدفاع من دمشق إلى جدة سببه حرص السعودية على الاستقرار في البلدين وإبدائها اهتماما بالملفين اللبناني والسوري، خصوصا أنها دولة معنية بقضية ضبط الحدود ومنع التهريب خاصة تهريب المخدرات والكبتاغون، ورعاية السعودية لهذا الملف سيؤمن ضمانة ضرورية لإنهاء الخلاف المعلق منذ سنوات".

وأضاف المصدر: "خلال زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون للسعودية سابقا، كان هناك حديث عن العلاقة بين لبنان وسوريا والقضايا العالقة بينهما، وحينها طلب لبنان مساعدة السعودية في عملية ترسيم الحدود، وبناء على هذا طورت السعودية الاقتراح وأصبحت راعية لوقف إطلاق النار وضبط الأوضاع والبحث في اتفاق الحدود وفي اتفاقيات أخرى مشتركة".

وخلص الاجتماع الذي كان إيجابيا ووضع ملف ترسيم الحدود على السكة الصحيحة بحسب المصدر نفسه إلى "تشكيل لجان متابعة، وتشكيل لجان قانونية ومتخصصة بينهما في عدد من المجالات، وتفعيل آليات التنسيق بين الجانبين للتعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية، ووقف أي اشتباكات أو تعديات على جانبي الحدود وإرساء علاقات جيدة بين البلدين".

ولفت المصدر إلى أنه "من الممكن أن يكون هناك بعض الجهات المتضررة من أي تفاهم لبناني سوري أو من سلوك مسار العلاقة بين البلدين منحى إيجابيا وتعمل على تعطيلها، ولكن هناك قرارا لبنانيا سوريا بمنع حصول أي تدهور وأن يستمر التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري لضبط الأمن والاستقرار والحد من مسألة التهريب بشكل كامل".

قبل سقوط نظام الأسد كان هناك الهجانة أي حرس الحدود من الناحية السورية، وهم من الفرقة الرابعة التي يرأسها ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، وهؤلاء كانوا أصحاب السلطة الفعليين على الحدود

حدود "سائبة" تحكمها معابر غير شرعية

تعود جذور قضية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا إلى فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946)، فخلال تلك الفترة، قام الانتداب بتقسيم المنطقة إلى كيانات إدارية، وفي عام 1920 تم إنشاء "لبنان الكبير" عبر ضم أراضٍ من سوريا التاريخية، مثل البقاع وطرابلس، إلى متصرفية جبل لبنان، إلا أن الحدود لم ترسم بشكل دقيق ونهائي بل كانت تُدار بناءً على قرارات إدارية مؤقتة، فبعد الاستقلال، حاول البلدان تشكيل لجان مشتركة لترسيم الحدود، لكن هذه الجهود باءت بالفشل بسبب الخلافات السياسية والتدخلات الخارجية، لتتحول الحدود البرية بين لبنان وسوريا إلى بقعة جغرافية تحكمها مجموعة من الخارجين عن القانون والعصابات.

وبحسب التقارير فإن المسافة المتنازع عليها بين البلدين تقاس بما يقارب خمسين كيلومترا، في حين أن المسافة الباقية (حوالي 325 كلم) إما مرسمة عبر الحدود الطبيعية أو جرى توقيع اتفاقات بشأنها، وتبقى هذه الحدود غير مرسمة بسبب رفض سوريا الشروع في الترسيم.

ولكن بعد سقوط النظام السوري السابق وتحديدا في فبراير/شباط الماضي أعلنت إدارة أمن الحدود السورية بالتعاون مع إدارة العمليات العسكرية، سيطرتها الكاملة على الحدود السورية اللبنانية، وذلك عقب تمشيط كامل لمنطقة الحدود والسيطرة على قرى أكوم وحاويك ووادي الحوراني والتلال المحيطة بها، بعد معارك استمرت لعدة أيام بين قوات إدارة العمليات العسكرية ومسلحين في المنطقة.

وهذه المناطق التي سيطرت عليها الإدارة السورية الجديدة كانت مركزا مهماً لعمليات تهريب السلاح والمخدرات والسلع وحماية المجرمين والسارقين... وذلك بحسب ما يروي المواطن اللبناني محمد ناصر الدين إلى "المجلة" وهو ابن منطقة الهرمل الحدودية.

ويضيف: "قبل سقوط النظام كان هناك الهجانة أي حرس الحدود من الناحية السورية، وهم من الفرقة الرابعة التي يرأسها ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، وهؤلاء كانوا أصحاب السلطة الفعليين على الحدود الذين يتولون مسألة التهريب من الجانب السوري، مع الوجود الشكلي لجيش النظام.

أما من الجانب اللبناني، فمن كان ممسكا بالحدود هم العائلات والعشائر، والجيش اللبناني كانت لديه نقطة أمنية واحدة فقط في بلدة حوش السيد علي، ويمكن اعتبارها نقطة شكلية إذ إنها لا تستطيع ضبط الحدود لأن المعابر طويلة جدا ومقسمة بحسب ملكية الأراضي بين العائلات والعشائر على الشكل التالي (معبر المشرفة لعائلة الحاج حسن-معبر الحوش لعائلة الحاج حسن أيضا- عشيرة ناصر الدين كانت تسيطر على معبر حيدر والقصر/ ومعبر لعائلة جعفر…).

أ.ب
تتمركز قوات سورية في قرية حوش السيد علي، الواقعة على بُعد كيلومترين (1.24 ميل) من الحدود اللبنانية، سوريا في 17 مارس 2025

أما الحدود الفعلية أو الرسمية فكانت عبارة عن جسر على ساقية الصغيرة في بلدة القصر الحدودية، وكان هذا الجسر يسلكه المهربون للوصول إلى مستودعات المهربين التي تنتشر على الحدود مع سوريا في قضاء الهرمل".

وبحسب وصف ناصر الدين، فإن منطقة الحدود كانت أشبه بمرفأ غير شرعي، يضم معابر غير شرعية ومخازن كبيرة للسلع والمواد المهربة، إضافة إلى منطقة خالية من الجيشين السوري واللبناني تسمى وادي حنة كانت مركزا لمعامل تصنيع الكبتاغون وتخضع لسيطرة الفرقة الرابعة من الجهة السورية، وعائلة لبنانية من الجهة اللبنانية".

ويؤكد ناصر الدين أن لـ"حزب الله" الذي كان يؤمن غطاء سياسيا وأمنيا للمهربين، معابره أيضا التي يمنع الاقتراب منها وكانت تستخدم لتهريب السلاح بشكل أساسي، وانتقال عناصره لتأدية مهامهم العسكرية في سوريا وأبرزهم حاجز المهمة".

النظام السوري السابق كان يرفض ترسيم الحدود وتحديدها، بل إنه فتحها لكل أنواع التهريب وتمرير السلاح عبر المعابر غير الشرعية

ولكن ما طبيعة المواد التي كان يتم تهريبها، يقول ناصر الدين: "قديما كانت السلع المهربة من سوريا تأتي لتجار لبنانيين، فأي تاجر لبناني يريد شحن بضائع إلى لبنان من ألبسة، أحذية، مواد غذائية، وغيرها كان يلجأ إلى المعابر غير الشرعية لكي يتفادى دفع رسوم الجمرك على المعبر الشرعي لأن الرسوم كانت مرتفعة جدا، ولكن بعدما بدأت الثورة وأصبحت سوريا تحت العقوبات وتمّ حظر دخول البضائع إليها توقف هذا النوع من التهريب، وصار التهريب يتم بشكل عكسي أي من لبنان إلى سوريا وبشكل أساسي كان التركيز على تهريب المحروقات، والسلع التي تدخل من سوريا عبر هذه المعابر كانت تقتصر على بعض المواد مثل الدخان والمعسل. ولكن بعد سقوط النظام، ورغم أن هذه المعابر لا زالت موجودة فإن وتيرة التهريب خفت بشكل لافت، خصوصا مع تحول المعابر إلى معابر بدائية، فبعدما كانت تدخل الشاحنات الكبيرة من لبنان إلى سوريا عبر هذه المعابر، أصبح التهريب يتم مثلا عبر تفريغ حمولة الصهاريج بغالونات ليتم نقلها عبر سيارات سورية إلى الداخل السوري ومن ثمّ يتم تسليمها إلى تجار سوريين".

ولفت ناصر الدين إلى أن "التهريب انتقل من منطقة الهرمل التي كانت مركزا للتهريب في زمن النظام السابق، إلى مناطق عرسال ووادي خالد والعبودية وهي مناطق محسوبة على الطائفة السنية بعكس منطقة الهرمل المحسوبة على الطائفة الشيعية، فمن الجانب السوري أصبح هناك تضييق على المناطق الشيعية وانفتاح على المناطق السنية".

شاحنات محملة بمادة المازوت يتم تهريبها عبر المعابر غير الشرعية من بلدة عرسال اللبنانية إلى الداخل السوري

كلام ناصر الدين أكد عليه الناشط طارق الحجيري من بلدة عرسال الحدودية ذات الغالبية السنية، إذ أكد لـ"المجلة" أن البلدة تعيش اليوم انتعاشا اقتصاديا بسبب فتح معابر التهريب مع سوريا، فعرسال كما باقي المناطق الحدودية يعتمد أبناؤها بشكل كبير على عمليات التهريب لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، ولكن بحسب الحجيري، "بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005 عانت عرسال كما المناطق السنية الأخرى من تضييق من الجانب السوري، وصولا إلى بدء الثورة السورية وتوقف التهريب كليا في هذه المناطق، لأن الفرقة الرابعة سيطرت على كامل الحدود وهي من تولت عمليات التهريب في مناطق القصر وحاويك وبلدات قضاء الهرمل، الذي كان أشبه باستيراد وتصدير بين (حزب الله) والفرقة الرابعة وليس تهريبا بالمفهوم المعتاد، فكانت تمر عبر هذه المعابر سيارات مسروقة، ودراجات نارية، وكبتاغون، ومخدرات، وغيرها من الممنوعات". 
ويقول الحجيري: "بعد سقوط النظام انقلبت الآية. فأغلقت الحدود في قضاء الهرمل وفتحت المعابر غير الشرعية في المناطق السنية لأن الداخل السوري بحاجة إلى المحروقات وهذا سبب لفتح المجال أمام المهربين لتأمين هذه المواد. وعلى الرغم من عدم وجود معبر رسمي بين عرسال والجانب السوري ولكن أي مواطن لبناني أو سوري يريد الدخول إلى سوريا لأي سبب كان يمكنه الذهاب عبر معابر عرسال الكثيرة، وهذه التسهيلات ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي في عرسال بعد سنوات من تضييق الخناق الاقتصادي والأمني عليها".

ما يحدث على الحدود اللبنانية–السورية تخطى مع السنوات مسألة تهريب السلع العادية، بل أصبحت الحدود مركزا لتهديد أمن وسلامة لبنان والمنطقة، عبر اعتماد هذه المناطق لتصنيع وتهريب المواد المخدرة والكبتاغون، ومأوى للمجرمين وغيرها من الممارسات المشينة. ولكن، لماذا ترك لبنان حدوده كل هذه السنوات سائبة تتحكم فيها ميليشيات وعصابات وخارجون عن القانون؟

يقول الكاتب السياسي أسعد بشارة لـ"المجلة" إن "النظام السوري السابق كان يرفض ترسيم الحدود وتحديدها، بل إنه شرعها لكل أنواع التهريب وتمرير السلاح عبر المعابر غير الشرعية، هذه الحدود- من البحر شمالا من عكار إلى البقاع حتى حدود مزارع شبعا- كانت عبارة عن خط وهمي غير موجود، وبالتالي تستلزم الترسيم والتحديد وتقديم خرائط إلى الأمم المتحدة، وقد نص القرار 1680 الصادر عن مجلس الأمن الدولي على ضرورة ترسيم هذه الحدود كي تكون حدودا شرعية، بين بلدين سيدين مستقلين، وبسقوط النظام السوري أصبحت هناك إمكانية ومصلحة سورية لبنانية بالترسيم النهائي لهذه الحدود".

وتابع بشارة: "لبنان لم يطالب بشكل جدي بترسيم الحدود  في زمن النظام السوري بل كانت هناك طروحات لم تتبلور إلى مطلب جدي، فمنذ عام 1990 إلى حين سقوط النظام لم يطالب لبنان باستثناء حكومة فؤاد السنيورة والرئيس ميشال سليمان الذي حاول ولم ينجح في موضوع ترسيم الحدود.

في حرب لم يشارك فيها لبنان، احتلت إسرائيل عام 1967 مزارع شبعا التي تقع على الحدود بين لبنان وهضبة الجولان، ضمن قضاء حاصبيا الذي تم ضمه إلى دولة لبنان الكبير وفقا للمرسوم 318

الآن هناك مصلحة، وهناك إمكانية للقيام بهذا الترسيم الذي يفيد البلدين ويؤدي إلى ضبط الحدود لا سيما أنه لم تعد هناك قدرة لـ"حزب الله" على عرقلة هذا الترسيم الذي سيكون البداية الأساسية لضبط الحدود بشكل كامل وإقفال المعابر غير الشرعية وضبط الحدود الشرعية، فملف الترسيم هو ملف أساسي في لبنان وهو مطلب دولي عربي، ونحن أمام أفق جديد لتحديد علاقات سوية تحفظ سيادة وأمن البلدين، والترسيم مصلحة متبادلة يمكن أن يحصل في الوقت القريب". 

بدوره يقول النائب السابق في البرلمان اللبناني مصطفى علوش لـ"المجلة": "إنه منذ عام 2005 وتحديدا من قبل الحكومات التي كانت تتكون من قوى (14 آذار) المناهضة للنظام السوري، كانت هناك مطالب جدية بمسألة ترسيم الحدود، لكن هذه المسألة بقيت بين أخذ ورد ولم يأخذها الجانب السوري بجدية، أيضا كانت هناك محاولات رسمية بين عامي 2009 و2011 عندما كانت هناك (فترة سماح) بين بيروت ودمشق وقد عززت حينها عبر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعدما أصبحت لدمشق سفارة في بيروت، لكن لم تكن هذه الخطوات كافية، كان هناك تمييع لهذا الأمر من الجهتين، وأيضا كان هناك الكثير من الأحداث الكبيرة التي كانت تجعل من مسألة البحث في ترسيم الحدود أمرا ثانويا أو يمكن تأجيله".

وأضاف: "لم يكن هناك أيضا أي تجاوب من قبل جامعة الدول العربية التي طالبها لبنان بتبني قضية ترسيم الحدود، كل المطالبات حينها كانت ظرفية لم يكن هناك متابعة جدية لمسألة ترسيم الحدود، وعندما دخلت سوريا في الحرب الأهلية منذ عام 2011 لم تعد هناك سلطة يمكن التفاعل معها في سوريا، حتى مع الأمم المتحدة لم يكن هناك أي طرح جدي ولكن في القرارات الصادرة عن مجلس الأمن كان في روحيتها أنه يجب ترسيم الحدود".

وتابع علوش: "مثلا ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل التي تعتبر عدوا للبنان أنجزت ولكن ترسيم الحدود مع سوريا "الشقيقة" لم تنجز، لأن النيات برأيي لم تكن صافية في أي مرحلة من المراحل، لذلك فإن القضية ليست فقط ترسيم الحدود، القضية هي كيفية التعاون على ضبط الحدود، ووقف التهريب وملاحقة الذهاب والإياب، وأيضا لدينا إشكاليات أخرى هي قضية القرى الموجودة داخل الحدود السورية والتي يقطنها لبنانيون، وأيضا في بعض القرى الموجودة على طرفي الحدود خصوصا أن سكان هذه القرى من الجهتين لديهم مصالح مشتركة وعلاقات قرابة وهدا ما يزيد من تعقيد الأمور".

وبالفعل يؤكد ناصر الدين أن "بلدة حاويك وهي تقع في الأراضي السورية وسكانها لبنانيون من عائلات زعيتر، والجمل، ومدلج، كانوا يعيشون في هذه المنطقة التي كانت تحت سيطرة (حزب الله) بل إن النظام السوري قبل سقوطه لم يكن يدخلها، وكانت وكرا لكل المهربين وتجار المخدرات والمجرمين، وبعد سقوط النظام كان هناك تواصل مع (هيئة تحرير الشام) وتم الاتفاق على أنهم لن يدخلوا إليها بشرط خروج المهربين وتجار المخدرات والمطلوبين منها، ولكن حدثت مناوشات تجارية إلى أن تطورت الأمور وتم طرد كل الموجودين فيها من مطلوبين وأهالي البلدة الذين لا علاقة لهم بأي تهريب أو أحزاب، إضافة إلى عمليات الثأر القديمة بين السكان اللبنانيين والسوريين وتحديدا عشيرة أبو جبل وعشيرة المجالبي الذين تم طردهم من بيوتهم وتم نهب ومصادرة أرزاقهم وممتلكاتهم على يد (حزب الله)، بسبب انتمائهم للمعارضة السورية، والآن بعد سقوط النظام عادوا إلى بلداتهم وكانت لهم ردة فعل ضد اللبنانيين الذين شاركوا "حزب الله" والذين لم يشاركوه أيضا، لتتحول بلدة القصر الحدودية إلى مركز لنازحين جدد من سكان لبنانيين من الداخل السوري إضافة إلى سوريين شيعة أيضا هربوا إلى الداخل اللبناني خوفا من عمليات انتقامية".

مزارع شبعا لبنانية أم سورية؟

في حرب لم يشارك فيها لبنان، احتلت إسرائيل عام 1967 مزارع شبعا التي تقع على الحدود بين لبنان وهضبة الجولان، ضمن قضاء حاصبيا الذي تم ضمه إلى دولة لبنان الكبير وفقا للمرسوم 318. ومع بدء الحديث عن اتفاق لترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا عادت هذه القضية إلى الواجهة من جديد والحديث عن هوية هذه المزارع المحتلة، وعن موقف الحكومة السورية الجديدة، خصوصا أن النظام السابق لم يأخذ أي خطوة جدية لتثبيت هوية مزارع شبعا المسجلة في الأمم المتحدة على أنها أراض سورية.

رغم أن مزارع شبعا بالنسبة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي سورية، فإن لبنان يطالب بتثبيت لبنانية مزارع شبعا، وسيكون ملف المزارع ضمن ملف ترسيم الحدود الذي سيبحث برعاية سعودية

ففي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، الذي تبناه مجلس الأمن في 23 مايو/أيار 2000، أشار إلى أنه لا يوجد سجل دولي رسمي لاتفاق بين لبنان وسوريا بشأن الحدود، وأن لدى الأمم المتحدة خرائط لبنانية وسورية عددها 81 تضع جميعها المزارع داخل سوريا. وكذلك، في خرائط "فك الاشتباك" بين سوريا وإسرائيل فإن مزارع شبعا تقع ضمن نطاق عمليات قوات الأندوف (قوات الأمم المتحدة في الجولان). وعليه فهذه المناطق تخضع للقرارين 242 (1967) و338 (1973). وقد أضاف أنان أن هذا الإجراء لا يخل بأي اتفاق قد يود لبنان وسوريا أن يبرماه مستقبلا. ولكن لماذا خضعت هذه المنطقة لهذين القرارين.

وبحسب رواية مختار بلدة شبعا حسن غادر الذي ولد عام 1962 في مزارع شبعا: "ليس هناك شبر واحد من أراضي مزارع شبعا يمتلكه شخص سوري، بل إن كل أراضي مزارع شبعا هي ملك لأبناء شبعا اللبنانيين، وأيضا للوقفين المسيحي والمسلم، وأهالي بلدة شبعا كانوا يسكنون طوال العام في المزارع، وكانوا ينتقلون إلى البلدة في شهري الصيف فقط، لأنهم كانوا يعتمدون على الزراعة وتربية الماشية قبل تهجيرهم من أرضهم واحتلالها".

وأضاف لـ"المجلة" أن: "المزارع هي مثلث يربط بين سوريا ولبنان وفلسطين، ومنذ القدم مثلها مثل أي منطقة حدودية كانت محطة للتهريب، ولأنالدولة اللبنانية كانت متقاعسة في ضبط الأمن، فقد طلب سكان المزارع اللبنانيون الحماية من الدولة السورية نظرا لارتفاع منسوب الخطر بسبب التهريب واستقواء المهربين على أبناء البلدة، فتم استبدال مخفر الدرك اللبناني وحل محله المخفر السوري، حدث ذلك عام 1959 تقريبا، وبقي المخفر السوري ممسكا بالأمن إلى حين دخول الجيش الاسرائيلي إلى المزارع لمهاجمة الجيش السوري، ولأن هناك مخفرا سوريا في المزارع تم احتلالها أيضا واعتبرت أرضا سورية، لكن هناك خرائط فرنسية وبريطانية قديمة تثبت أن هذه المزارع لبنانية، أيضا خريطة عام 1920 تثبت أن المزارع لبنانية، ورغم المحاولات العديدة التي قام بها أبناء شبعا لتثبيت لبنانية أرضنا فإن الحكومة اللبنانية لم تطلب بشكل جدي من سوريا الاعتراف بلبنانية المزارع، فالاعتراف السوري كان شفويا فقط من قبل بشار الأسد ووزير خارجيته مع الإصرار على تحرير الأراضي ومن ثم "ترسيم" الحدود".

هذه الرواية يؤكد عليها علوش، ويقول: "مزارع شبعا لديها قصة خاصة أعتقد في عام 1958 أو 1959 لأسباب تتعلق بمسألة التهريب عبر الحدود، قامت قوات الدرك السورية باحتلال منطقة المزارع وإنشاء مقر فيها. وبحسب التأكيدات، فإن الدولة اللبنانية حينها لم تعترض أو تقدم أي شكوى لجهات رسمية أو للأمم المتحدة أو للدولة السورية، خاصة أنه في ذلك الوقت كانت هناك جمهورية عربية متحدة، حتى عندما أصدرت خرائط الدولة اللبنانية عام 1961 لم تكن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا موجودة ضمن هذه الخرائط".

د.ب.أ
ضابط في الجيش اللبناني يشير إلى انتهاكات إسرائيلية من موقع لقوات حفظ السلام خلال جولة في منطقة مزارع شبعا

وتابع علوش: "وجود أملاك ومحاضر بأن لبنانيين يملكون هذه المزارع لا يؤثر على هوية المزارع، أيضا هناك لبنانيون كانوا يملكون أراضي واسعة في الداخل الفلسطيني، لذلك القضية ليست مسألة من يملك الأراضي، نعم ربما في البداية كانت مزارع شبعا وتلال كفرشوبا قد أدخلا في الترسيم الذي كان يسمى (خط الهدنة) عام 1949، لكن في النهاية تخطاه الزمن والحكومة اللبنانية لم تطالب بهذه الأراضي إلا بعدما أراد (حزب الله) الاستمرار في المقاومة ليقول إن هناك أراضي لبنانية محتلة، ولكن الحكومة السورية لم ترسل إلى الأمم المتحدة حسب ما طالبنا في قوى (14 آذار) بأن هذه المزارع لبنانية، وإسرائيل تمسكت بأنه لا يوجد أي دليل على أن هذه الأراضي لبنانية وأنها سورية وتدخل في إطار مشروع التفاهم أو السلام مع سوريا".

وفي المقابل يؤكد المصدر السابق نفسه أنه "رغم أن مزارع شبعا بالنسبة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي سورية حيث يسري عليها القرار 242 وليس 425 وهي تحت إشراف (الأندوف) لا (اليونيفيل)، فإن لبنان يطالب بتثبيت لبنانية مزارع شبعا، وسيكون ملف المزارع ضمن ملف ترسيم الحدود الذي سيبحث برعاية سعودية".

font change