أن تكون شاعراً في القرن الحادي والعشرين، يعني أن تضع نفسك في عصر قد تحرر ومنذ زمن طويل، من القيود في مواضيع كانت تعتبر شعرية موسيقية، فإن أردنا الاعتراف بشعر اليوم، فلا بد أن يكون الموضوع الشعري، هو ما يشغل الوعي الإنساني، وفكره وعاطفته، ليصبح للشعر مكان في القصيدة، وسواء أعجبنا أم لم يعجبنا، وسواء كان قبيحاً أم جميلاً... فذلك غير ضروري، نعم غير ضروري، فهل يجب على الشعر أن يتحدث فقط عما هو جميل؟
ثمة فرق بين المفهوم الشعري بأنه مفهوم رسالة، أو أنه مفهوم كلام، أما كون الشعر يتحدث عما هو جميل فقط، فهذا يطرح سؤالا مهماً: هل الشعر هو فقط فن من فنون الجمال؟ وإن كان كذلك، فما هو الجميل الذي نتأمله في الشعر؟
مرت على الإنسان في حياته آلاف القصائد الجميلة، منذ الكلاسيكيات إلى العصر الحالي، أغلبها لا تنم عن التأمل.. بسبب الحرية المنعدمة في عصور سابقة، استحال الشعر نهجاً يصف الجمال في الأفراد ولو كذباً، وفي الطبيعة دون تأمل الأعماق، بقدر وصف الشكل الجميل. بينما في عصر الحريات، نجد الشعراء قد تحولوا إلى الكتابة عن القبيح وذم الموجود، باعتبار الشاعر هنا ناقدا إن لم يكن ناقما، من الحروب ومآسيها، من الظلم البشري، لذا نلاحظ محاولة شعراء اليوم احتضان الواقع بحقائقه اليومية، وأحيانا العادية التي تصور تأملات تبدو مستحقة، واستخراج الجمال بذكاء من التفاهات حوله، فجمال القصيدة. لم يعد يعتمد على جمال ما نتحدث عنه، لأن ما يهم قبل كل شيء هو أصالة رؤية الشاعر، بعيدا عن أي معيار خارجي هو مستحيل أو غير كاف.
الشعر ليس باللغة العادية، ولا يمكن اعتبار الشعر شكلا من أشكال الثرثرة، مثل الكلام وما ينحصر في تبادل الكلمات السطحية، فالشاعر لديه سر الكلمات
وعودة للسؤال الأول: هل الجمال في الشعر نسبي؟ اليوم أغلب الشعر ليس مجرد إنتاج للشعر القديم، ولا مجرد إضفاء المثالية على الحياة المحدثة بمشاعرها الحديثة... لذا يبدو شكل الشعر بسيطا. والأصح أن نقول إنه شكل حقيقي للحياة. فكما نقرأ الشعر الجمالي الحديث، فإننا نجده يستولي على عالمنا المتحول، ليتجاوزه إلى عالم آخر، أكثر شحوبا أو أكثر طيفيا، وكأنها جنة أرضية اصطناعية، يعيد الشاعر الإزهار فيها، مجددا على نموذج أكثر دقة، وتجربة ذلك الانعكاس للحنين القديم، والعطش الذي لا ينضب للهروب، وهو بطبيعة الحال، لا يمكن أن يشبعه أي وجود حقيقي، أو حتى شعري بسيط وعفوي.
يرى البعض أن شعر القرن الحالي هو كلام، نعم هو كلام بالفعل، لكنه ليس باللغة العادية، فلا يمكن اعتبار الشعر شكلا من أشكال الثرثرة، مثل الكلام وما ينحصر في تبادل الكلمات السطحية، فالشاعر لديه سر الكلمات، وشعرٌ يجد الجمال دون الحاجة إلى التحدث عن شيء محدد، لتبرز كلماته، وهي المادة الوحيدة التي تشكل القصيدة خارج واقع اللغة، فهي ليست رواية تقدم نفسها كسرد يكشف تاريخا وأحداثا وشخصيات، بل شعر نجد جماله في سر اللغة وقواعدها الحديثة، دون إشارة ملموسة إلى واقع اللغة وتاريخها، فالأمر لا يتعلق بالكلام والحديث، بل يتعلق بالخلق.