عن تنازلات إيران المحتملة لترمب

إذا كان الطرفان يتحاوران... فما الذي يتداولانه؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
امرأة تستخدم هاتفها المحمول أثناء مرورها أمام جدارية مرسومة على الجدار الخارجي للسفارة الأميركية السابقة في طهران، في 8 مارس 2025

عن تنازلات إيران المحتملة لترمب

إن التساؤل عما إذا كانت إيران وإدارة ترمب ستجريان حوارا هو أمر مضلل بطبيعته، لأن الحوار جارٍ بالفعل بين الطرفين، وإنْ لم يكن علنيا أو مباشرا. فقد كشف ترمب مطلع الشهر الجاري عن إرساله رسالة إلى القيادة الإيرانية، حملها إلى طهران دبلوماسي إماراتي رفيع، هو أنور قرقاش. وكانت المرة الأخيرة التي جرى فيها إيصال رسالة من ترمب إلى طهران في عام 2019، وكان ناقل الرسالة يومها رئيس وزراء اليابان آنذاك شينزو آبي.

آنذاك، صرح المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، لآبي بأنه ليس لديه ما يقوله لترمب وهو لا يرغب في تسلم رسالته في المقام الأول. إلا أن المشهد اليوم يختلف جذريا. فرغم صخب التصريحات الإيرانية المعادية لترمب وللولايات المتحدة، فقد كان من الجلي أن طهران تعتزم دراسة الرسالة بعناية والرد عليها قريبا. وبعبارة أخرى، فإن قنوات الاتصال بين الطرفين قائمة بالفعل عبر الرسائل.

وليس هذا كل شيء. فبحسب مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، في مقابلته الأخيرة معالصحافيالأميركي تاكر كارلسون، فإن الإيرانيين "تواصلوا" بالفعل مع الولايات المتحدة "عبر قنوات خلفية، ومن خلال دول ومسارات متعددة".

نعرف بالفعل جانبا كبيرا من مضمون الرسالة. فمنذ انتخابه عام 2016، حملت رسالة ترمب إلى إيران مضمونا ثابتا: "طمئنوني بأنكم لن تسعوا لامتلاك سلاح نووي، وتوقفوا عن دعم الميليشيات المعادية لإسرائيل في المنطقة، وسنرفع عنكم العقوبات ونفسح المجال لازدهاركم. أما إن لم تفعلوا، فسأُحكم الحصار بالعقوبات، ولن أتردد في توجيه ضربة عسكرية، بمشاركة إسرائيل إذا اقتضى الأمر".

وقد حرص ترمب على طول الخط أن يكون جانب الإغراء في هذه المعادلة بينا، فأعاد طمأنة طهران مرارا بأنه لا يسعى إلى تغيير النظام. وأكد ويتكوف في مقابلته على هذه الفرص، قائلا إن ترمب منفتح على "إزالة كل العقبات مع إيران"، حيث سيغدو بإمكان طهران، حال رفع العقوبات، أن "تعود أمة عظيمة من جديد... قادرة على نمو اقتصادها".

وكشف ويتكوف في مقابلته بعض ما ورد في الرسالة، مشيرا إلى أن ترمب "رئيس سلام" يتطلع لتفادي العمل العسكري ضد إيران، ويسعى إلى "إنشاء برنامج تحقق يبدد القلق من خطر التسلح".

وقد تسرب فحوى الرسالة إلى وسائل الإعلام. فبحسب موقع "أكسيوس"، منحت الرسالة إيران مهلة شهرين للموافقة على شروط ترمب، وإلا واجهت ضربات عسكرية. ووفقا لتقارير متطابقة، فإن مطالب الولايات المتحدة شملت تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووقف الدعم عن الحوثيين، و"حزب الله"، والفصائل الشيعية العراقية.

ورغم الجدل الحزبي الدائر في واشنطن حول هذا الملف، فإن مطالب ترمب وتهديداته لا تختلف كثيرا عما طرحه كل من أوباما وبايدن.

نعرف بالفعل جانبا كبيرا من مضمون الرسالة. فمنذ انتخابه عام 2016، حملت رسالة ترمب إلى إيران مضمونا ثابتا: طمئنوني بأنكم لن تسعوا لامتلاك سلاح نووي، وتوقفوا عن دعم الميليشيات المعادية لإسرائيل في المنطقة

فما الذي سيكون عليه رد إيران هذه المرة؟

صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن الرسالة "كانت في معظمها تنطوي على تهديدات، لكنها تضمنت أيضا بعض الفرص المزعومة". ولئن بدا هذا التصريح، لأول وهلة، موقفا سلبيا لمن يجهل دلالات الخطاب الإيراني، فإن قراءة ما بين السطور تكشف دلالة مغايرة.

ففي سياق "اللغة الإيرانية"، يُفهم من هذا التصريح أن طهران ترى في الرسالة بعض الأبواب المفتوحة، وأنها تنوي التفاعل معها. وبالفعل، أكد عراقجي أن الرسالة تخضع لدراسة معمقة، وأن الرد الإيراني "سيأخذ بعين الاعتبار التهديدات والفرص" الواردة فيها.

وخلال الأسابيع الماضية، وبينما كرر ترمب رغبته في فتح قنوات الحوار مع إيران، أثار خامنئي استياء واسعا بإعلانه عدم اهتمام طهران بالتفاوض. ومع ذلك، فقد شهدت مواقف الطرفين تحولا ملحوظا. ففي حين شدد عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، على أن إيران "لن تخوض بأي حال مفاوضات مباشرة تحت وطأة الضغوط والتهديدات وتكثيف العقوبات"، نجده يترك في موقفه ذاك مساحة واسعة للحوار مع ترمب، شرط أن تبقى المحادثات في صيغة غير مباشرة، وأن لا يُقدم ترمب على "زيادة" العقوبات.

 رويترز
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خلال اجتماع في طهران، إيران، 21 مارس 2025

وفي خطابه الأخير، أبدى خامنئي هو الآخر مرونة ضمنية حيال فكرة الحوار، إذ لم يُعد التأكيد على رفضه القاطع للتواصل مع واشنطن، بل قال موجها حديثه للأميركيين: "لن تظفروا بشيء من تهديد إيران"، مضيفا: "وإن أظهرتم قسوة تجاه الشعب الإيراني، فستتلقون صفعة قاسية".

ورغم ما تحمله هذه الكلمات من لهجة صارمة، فإنها لا تغلق باب التفاوض مع الولايات المتحدة، بل لعل ترمب لا يرى في هذا التحدي اللفظي بأسا، باعتباره ردا يُناسب تهديداته العلنية لطهران.

وتتباين المواقف داخل إيران حيال كيفية التعاطي مع الولايات المتحدة، إلا أن الخلافات تبقى في جوهرها تكتيكية لا استراتيجية. ففي مطلع مارس/آذار، أصدر المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة بيانا لافتا، أشار فيه إلى أن "المفاوضات التي تهدف إلى معالجة المخاوف المرتبطة بأي عسكرة محتملة للبرنامج النووي الإيراني قد تكون موضع بحث"، مؤكدا في الوقت ذاته أن طهران لن تقبل أبدا "بتفكيك برنامجها النووي السلمي".

في خطابه الأخير، أبدى خامنئي مرونة ضمنية حيال فكرة الحوار، إذ لم يُعد التأكيد على رفضه القاطع للتواصل مع واشنطن، بل قال موجها حديثه للأميركيين: "لن تظفروا بشيء من تهديد إيران"، مضيفا: "وإن أظهرتم قسوة تجاه الشعب الإيراني، فستتلقون صفعة قاسية"

ويبدو أن بعثة نيويورك قد استعجلت التصريح أو لعلها أساءت التعبير، لذلك سارع عراقجي إلى تصويب الموقف، مؤكدا أن برنامج إيران النووي لطالما كان سلميا، وبالتالي "فلا وجود أساسا لما يُسمى باحتمال عسكرة البرنامج"، مضيفا: "لن نتفاوض تحت الضغط أو التهديد. لن نأخذ ذلك بالحسبان، أيا كان موضوعه". لكنه أردف مع ذلك: "لطالما حظيت الولايات المتحدة باحترام إيران حين خاطبتها بلغة الاحترام، وقوبلت بالمواجهة حين تبنت لهجة تهديدية". وباختصار، فإن إيران مستعدة للحوار مع واشنطن، إذا ما شعرت بأنها تُعامل باحترام.

غير أن لهجة ويتكوف المهادنة لم تلقَ صدى كافيا لدى بعض الدوائر في طهران. فقد نشر موقع "نور نيوز"، المقرب من علي شمخاني، مستشار الأمن القومي السابق الذي لا يزال يمسك بزمام الملف النووي، نشر تغريدة علق فيها على مقابلة ويتكوف، معتبرا أن "لهجته الجديدة" لا تُغير من الأمر شيئا، ما دامت الولايات المتحدة لم تبدل سلوكها، وما زالت تسعى إلى "مفاوضات تحت الضغط".

على أن الصواب في رؤية جميع هذه المناورات الجارية في طهران باعتبارها خلافات حول طريقةالتفاوض مع الولايات المتحدة، لا حول جدوى هذا التفاوض أو ضرورته.ولطالما قدم المرشد الأعلى، علي خامنئي، الذي سيبلغ السادسة والثمانين من عمره في أبريل المقبل، بقاء نظامه على سائر الأولويات. ولذلك فهو يسعى اليوم إلى فتح قنوات حوار مع واشنطن تحفظ له ماء الوجه، وتؤمن الحد الأدنى من مقومات بقاء النظام، لأنه يدرك جيدا أن تعنته العلني وتنصله المتكرر من التفاوض مع الولايات المتحدة لا يحظيان بتأييد يُذكر داخل المؤسسة الحاكمة، فضلا عن أن الشارع الإيراني لم يعد يأبه لهذا الخطاب. ومع تهاوي الاقتصاد الإيراني، وتنامي التململ الشعبي، وانهيار التحالفات الإقليمية، باتت خيارات طهران محدودة للغاية، وهو أمر لا يغيب عن بال استراتيجيي النظام.

تعقيد الموقف الإيراني

ومن المفارقات أن هذا التضييق في الخيارات قد عقد مسار التفاوض، إذ إن الحوار المثمر غالبا ما يجري حين تتوافر لدى الطرفين رؤية مشتركة لحل ممكن في الأفق، وخارطة طريق معقولة للوصول إليه من خلال الأخذ والرد في التفاصيل. أما وقد أدركت طهران مدى ضعف موقفها، فإن القلق يستولي عليها من أن تُرغم على تقديم تنازلات قسرية لإدارة ترمب القوية، خشية فرض شروط قسرية لا خيار أمامها سوى القبول بها.

وقد زاد من تعقيد الموقف الإيراني تقارب واشنطن مع موسكو. فالملف الإيراني– بحسب التصريحات الأميركية– حاضر في محادثاتها مع روسيا، التي أعربت عن قلقها من تهديدات طهران الوجودية لإسرائيل، بينما سمح تقارب ترمب وبوتين بازدهار العلاقات الروسية–الإسرائيلية. وقد دعا بوتين إسرائيل للمشاركة في عرض النصر السنوي في الساحة الحمراء بموسكو، وهو شرف لا يُمنح إلا "للدول الصديقة".

لذلك، يغلب، في ظل هذه القيود المتعددة، أن تختار إيران سبيل الدبلوماسية تفاديا لضربات أميركية–إسرائيلية. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في التعامل مع نفاد صبر ترمب، إذ إن أسلوب المماطلة والمراوغة الذي اعتادته طهران لن يرضي رئيسا زئبقي الطبع، ناهيك عن أنه سيزيد من تدهور الاقتصاد الإيراني المتداعي أساسا. وقد عبر ترمب صراحة عن نفاد صبره، قائلا: "إننا في اللحظات الأخيرة... وثمة شيء ما سيحدث قريبا جدا".

وتبقى إحدى العقد الأساسية فيما إذا كان ترمب سيُصر على تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني ووقف تام لجميع عمليات التخصيب، فمستشاره للأمن القومي، مايك والتز، ذكر مؤخرا أن هذا هو الهدف،وهو ما ترفضه طهران رفضا قاطعا. ولكن قد يكون هذا التصلب مجرد موقف تفاوضي أولي من ترمب، لا خطا أحمر نهائيا. وبالتالي، لن يكون التوصل إلى تسوية مرضية للطرفين في الملف النووي مستبعدا، على الرغم من تعقيد الملف فنيا.

أ.ف.ب
إيراني يحمل صورة المرشد الأعلى علي خامنئي، وزعيم حزب الله حسن نصر الله، الذي قتل في غارة جوية إسرائيلية في 27 سبتمبر 2024. وقائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، الذي قُتل على يد الولايات المتحدة في يناير 2020

أما فيما يتعلق بالعقدة الأخرى المتمثلة بما يُعرف بـ"محور المقاومة،" فإن لدى إيران بعض الهوامش للمناورة. ففي خطابه الأخير، حرص خامنئي على نفي تبعية الحوثيين وسائر الميليشيات المحسوبة على المحور لإيران، مؤكدا أنهم ليسوا "وكلاء لطهران". وفي سياق التفاوض مع الولايات المتحدة، قد تسعى إيران إلى التوصل إلى صيغة تؤكد استقلالية تلك الجماعات عنها، مع التزامٍ– ولو جزئي– بتقليص الدعم المالي والعسكري لها. وبالنظر إلى ما تلقته هذه الفصائل من ضربات متتالية على يد إسرائيل، فإن مثل هذا النأي قد يكون منطقيا من منظور استراتيجي إيراني.

وقد أعرب ويتكوف عن أمله في أن يتمكن هو أو مبعوث آخر عن ترمب من زيارة طهران قريبا في مسعى للتوصل إلى "اتفاق كبير" مع الجمهورية الإسلامية. وفيما سيكون من المستبعد أن توافق طهران على خطوة علنية بهذا الحجم، ما دام خامنئي على قيد الحياة، فإن المرجح، تحت وطأة الضغوط المتراكمة أن تجد إيران نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات لترمب، درءا لمواجهة عسكرية طالما سعت إلى تجنبها.

font change