خالد سليمان الناصري لـ"المجلة": الشعر عندي أساس كلّ شيء

أسس "منشورات المتوسط" في إيطاليا ووسّع نشاطها إلى السعودية

 Al-Mutawassit
Al-Mutawassit
خالد سليمان الناصري

خالد سليمان الناصري لـ"المجلة": الشعر عندي أساس كلّ شيء

كانت الخطوة الأولى لولوج الشاعر ومصمم الغرافيك والسينمائي الفلسطيني خالد سليمان الناصري إلى عالم النشر عبر جمعية ثقافية غير ربحية، تحولت بعد سنة واحدة فقط إلى دار نشر طموحة، "منشورات المتوسط"، التي انطلقت عام 2016 في إيطاليا حيث يقيم الناصري. صدر للشاعر ديوان "بلاد الثلاثاء" عن دار "المدى"، بعد ديوان أول بعنوان "صدقت كل شيء". هنا حوار معه حول الشعر والنشر والسينما.

  • في "صدّقت كل شيء" و"بلاد الثلاثاء" تروي بالشعر سيرة يختلط فيها العام بالخاص، وربما تتداخل فيها التجربة السورية، حيث نشأت، بالتجربة الفلسطينية، ماذا تخبرنا عن هذه التجربة؟

أحب تسميتها بالتجربة القدرية، يعني عادة لكلمة تجربة وقع من الرفاهية على الأسماع، وكأننا اخترنا أن نجرب شيئا ما بفعل الملل. كفلسطيني وسوري أخجل من هذا الملمح الرفاهي. لذا ربما من الأفضل أن نحيلها إلى التراجيديات الدينية، التجربة بالمفهوم المسيحي (اللهم لا توقعنا بالتجربة)، أو بالمفهوم الإسلامي (الامتحان) ومنه المحنة. لا أستطيع تسميتها إذن، التجربة السورية الفلسطينية بل هي المحنة. محنة أن تكون سوريا، محنة أن تكون فلسطينيا. فليس للممتحن الكثير من الفضاء الخاص، لأن أحد مميزاته أنه يعيش في مكان عام، لذا فإنه يضطر لخصخصة الكثير من العام. وعندما تعيش لاجئا فهذا يعني أنك تضطر إلى خصخصة فضاء عام لا يخصك أساسا. "صدقت كل شيء" و"بلاد الثلاثاء" كانا محاولة لخصخصة ما هو عام على أمل الوصول إلى تشكيل خصوصية ما.

  • هل كان مشروع "منشورات المتوسط" وليد المصادفة؟

لا مكان للمصادفات في حياة الممتحن. لذا بالطبع لم يكن المشروع وليد المصادفة. فقط، تهيأت الظروف المناسبة مع الوقت المناسب. إضافة إلى أن مهنة النشر وتفاصيلها كانت مهنتي الأساس ولي فيها تجربة (بالمعنى الرفاهي هذه المرة) مما دفعني للإقدام على إطلاق "منشورات المتوسط"، على أمل أن تكون مساهمة في الثقافة العربية. وفي صدد الاحتفال بالعشرية الأولى من تأسيس "المتوسط"، فقد صدر حتى الآن أكثر من ستمائة عنوان لكتّاب عرب وأجانب.

خارج الجغرافيا

  • ماذا عن توسع الدار خارج نطاق مقرها في إيطاليا؟

"المتوسط" في الأساس تعمل خارج نطاقها الإيطالي، فهي دار نشر عربية في إيطاليا. مثلي أنا تماما، أعمل خارج نطاقي العربي عموما والفلسطيني خصوصا والسوري في الحالين معا، بالتالي فإن "المتوسط" تأسست لتكون قومية وعابرة لهويتها القومية في آن واحد، وديدنها في ذلك هو ديدن الأدب ذاته، فالأدب مثلما يحول ما هو خاص إلى ما هو عام، يحول ما هو قومي إلى ما هو إنساني وهذا هو طموح "المتوسط".

"المتوسط" تأسست لتكون قومية وعابرة لهويتها القومية في آن واحد، وديدنها في ذلك هو ديدن الأدب ذاته

ورأينا أن هذا الطموح حقيقي لدى مؤسسات أخرى في العالم، وكان لا بد أن نتعاون معها، مثل "كوسف" الإيطالية والمركز العربي للأدب الجغرافي، "ارتياد الآفاق"، التي تشرف على جائزة "ابن بطوطة"، ووزارة الثقافة الفلسطينية ومهرجان الثقافة العربية في ميلانو وهيئة الشارقة للكتاب، واخيرا التعاون مع هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، هذا المشروع الذي يحمل ملامح تشي بأنه سيكون مشروعا فارقا في الثقافة العربية، حيث بفضله تمكنا من ترجمة المعلقات العشر إلى اللغة الإيطالية ضمن مبادرة "ترجم". وبفضله أيضا أصبح لمنشورات "المتوسط" وجود رسمي في المملكة العربية السعودية من خلال مشروعها الرائد في استقطاب دور النشر العالمية إليها. في الوقت نفسه، تواصل "المتوسط" عملها في الاتحاد الأوروبي، وقد حازت لسنتين على التوالي منحة أوروبا الإبداعية على مشروعها في تبادل الترجمة بين العربية والإيطالية بالشراكة مع الزميلة دار النشر الإيطالية "إيموزِه".

 Khaled Soliman Al Nassiry/Facebook Khaled Soliman Al Nassiry/Facebook
خالد الناصري في معرض للكتب

الغلاف بوصفه قصيدة

  •  تتميز "المتوسط" بأغلفتها التي تصمّمها بنفسك... ما القواعد والأساسيات التي ينبغي الإلمام بها من أجل الوصول إلى تصميم مثالي ودالّ، بحيث ينشئ نوعا من الترابط بين القارئ والمؤلف؟

في الحقيقة، الشعر هو الأساس عندي في كل ما أفعل. أفكر في الغلاف كأنه قصيدة. ويجب أن يكون ما يسمى بقصيدة الومضة وفي أسوأ الأحوال قصيدة هايكو، ثم أبدأ العمل على تحقيقها لكن بأدوات غير اللغة وبشروط غير شروط القصيدة. فعلى سبيل المثل، أنا لا أحب الغرض في القصيدة، ولكن لا يمكن العمل على تصميم غلاف لكتاب دون غرض، وهذا الغرض ليس هو المؤلف بطبيعة الحال، بل هو القارئ.

إذن، على كل مصمم أن يعرف كيف يفكر كمصمم وأن يجيد أدواته الفنية التي ستأخذه لاكتشاف أدوات خاصة به، وأن يضع نصب عينيه أنه يخاطب القارئ، وهنا نقطة يجب أخذها بحساسية وحذر وخوف، لأن القارئ متعدد وتختلف أمزجته ووجهة نظره حتى للفن نفسه، بل هناك من لا علاقة له حتى بالفن، وهناك من هو مصاب بعمى الألوان، ووو…. فكيف تصنع غلافا واحدا يخاطب كل هولاء؟

 Khaled Soliman Al Nassiry/Facebook Khaled Soliman Al Nassiry/Facebook
خالد الناصري في دمشق

  • توسعت الدار في الفترة الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية، ماذا تحدثنا عن هذه التجربة، وما هي آفاقها؟

في إطار سعيها إلى تطوير صناعة النشر في المملكة العربية السعودية، أطلقت وزارة الثقافة مشروعا مميزا وهو استقطاب دور النشر العربية والعالمية للعمل في المملكة، والأهم، متابعتها وتمكينها من ذلك. وقد وصلتنا دعوتهم الكريمة، وبالفعل أنهينا كل الإجراءات اللازمة وحصلت "المتوسط" على رخصة سعودية للعمل في المملكة كدار نشر محلية، وطبعا مع الحفاظ على جنسيتها الأصلية وعلى فروعها الأخرى.

أفكر في الغلاف كأنه قصيدة. ويجب أن يكون ما يسمى بقصيدة الومضة وفي أسوأ الأحوال قصيدة هايكو، ثم أبدأ العمل على تحقيقها

لا نزال في بداية هذه التجربة، ولكننا متفائلون جدا. وبدأنا بالفعل دراسة الخيارات والمشاريع التي يمكننا أن نقدمها الى القارئ السعودي والمؤلف السعودي أيضا. فالسعودية كما يعرف الجميع هي من أكبر أسواق الكتاب عربيا، إن لم تكن الكبرى، وهي الآن في غمار مرحلة حساسة وبالغة الأهمية في تاريخها أخذت فيها المملكة قرارا شجاعا نحو التغيير والتطوير والتحديث وضعته تحت "رؤية 2030". الثقافة والأدب والفنون، وبالتالي صناعة النشر، تأخذ دورا مهما وعميقا في حركة صناعة التاريخ الحاصلة الآن هناك، بل يجب عليها أن تكون جزءا فاعلا فيها، مما يوسع الأفق.  

سوريا بعد الأسد

  •  سوريا، حيث نشأت وحيث تعلمت مهنة النشر ومارست سنوات خبرتك فيها، تحررت من نظام الأسد، ما رؤيتك لسوريا الجديدة؟

شخصيا، أنا متفائل. فنحن وقبل كل شيء طوينا صفحة مع ديكتاتورية خبيثة. لم يكن هناك مستقبل، والان المستقبل فجأة على الطاولة وتتم مناقشته. اكتشفنا أن الأفق كان سجينا في صيدنايا، وها هو الآن طليق يمشي ويرقص في الشوارع. الرؤية واضحة، كلنا نراها ونريدها. سوريا وطن صالح للجميع يكفل حريات الجميع وحقوقهم دون استثناء. لا يهان أبناؤه ولا يجوعون. كيف ذلك؟ فبالعمل والإخلاص، والمسؤولية تقع على الجميع.

النشر أساس في كل هذا، لأنه سيكون العين التي توثق التجربة وتمنح البنائين الجدد دروس الماضي وتطلعهم كيف تفكر شعوبهم. سوريا لديها الفرصة أن تكون نموذجا أخاذا في تقديم تجربة جديدة للنشر في العالم العربي لم يلتقطها الآخرون بعد، وذلك على الصعيدين المعنوي والاقتصادي.

Pascal Le Segretain/Getty Images Pascal Le Segretain/Getty Images
المخرجون والمنتجون (من اليسار إلى اليمين) غابرييلي ديل غراندي، وخالد سليمان النصيري، وأنطونيو أوجوليارو

  • نلاحظ في صناعة النشر العربية قدرا من الاستخفاف بدور المحرر الأدبي، على عكس صناعة النشر الغربية، ما تعليقك؟

لا أحد يستخف أبدا بدور المحرر في صناعة النشر، ولكن تكمن المشكلة في أن صناعة النشر في العالم العربي لا تزال ضعيفة وغير مستقرة. وغالبية دور النشر الفاعلة لا تزال في معظمها مؤسسات فردية، ناهيك عن أن القراءة في العالم العربي ضعيفة بشكل عام، وذلك بسبب غياب سياسات التنمية في هذا المجال المهم وعدم الاكتراث الرسمي (في غالبية الدول العربية) في ما يخص حماية حقوق الملكية الفكرية. عموما، الأسباب كثيرة جدا وتحتاج إلى كتب حولها، وما أريد قوله هو أن أي صناعة في العالم تحتاج إلى أن تتطور وتزدهر حتى تتطور منتجاتها وتزدهر وتنافس عالميا حتى، وحينها فقط تتمكن من خلق عاداتها وتقاليدها الصحية، ومنها في طبيعة الحال توظيف المحررين والباحثين والصحافيين والمهنيين المتخصصين والكثير من المهن الأخرى التي تحتاجها صناعة النشر كي تتطور. لذا يبدو الحديث عن مهنة المحرر، والحال على ما نحن عليه في العالم العربي، ضربا من الرفاهية.

بعد سقوط الديكتاتورية في سوريا اكتشفنا أن الأفق كان سجينا في صيدنايا وها هو الآن طليق يمشي ويرقص في الشوارع

  •  تصلك مخطوطات كثيرة من كتّاب، بعضهم في صدد خوض التجربة الأولى في عالم الكتابة. بماذا تنصح المؤلف المبتدئ قبل إرسال مخطوطته إلى دار النشر؟

وهل تعتقد حقا أن المبتدئ الذي لديه مخطوطة "جاهزة" مستعد لقبول النصيحة؟ هذه من النوادر يا عزيزي. مع ذلك، فإن صدور العمل في أفضل صورة ممكنة هو من مسؤوليتي كناشر في طبيعة الحال، وهذا يعطيني الحق دوما في نوع من المراوغة التي تفضي إلى اقتناع الكتاب بقبول التغييرات التي نجدها حاسمة. تظل النصيحة الأساس التي يمكن توجيهها إلى الكتاب الجدد هي عدم التسرّع، والعمل على كتبهم أكثر من مرة، وسماع النصائح والملاحظات التي توجّه إليهم، وعند تسليمهم الكتاب إلى دار نشر معينة، من الأفضل أن يتعاملوا بثقة وأن يتلقوا الملاحظات بصدر رحب.

الكتاب المثالي

  •  يقال إن العنوان هو من اختصاص الناشر، وله الكلمة الأخيرة. ما صحة هذه المقولة، وهل تتم بالفعل إعادة كتابة عناوين الكتب دائما بواسطة الناشر؟

لا يمكننا القول تماما إن العنوان هو من اختصاص الناشر-المحرر وإن له الكلمة الفصل في هذا الشأن. يحدث أحيانا تبادل اقتراحات بين الناشر والمؤلف، لأسباب تسويقية أو لعلة في العنوان ذاته. وفي كل الحالات، ينتهي الأمر بالتوافق التام بين الطرفين.

Khaled Soliman Al Nassiry/x Khaled Soliman Al Nassiry/x
بلاد الثلاثاء على رفوف مكتبة جرير

  •  ماذا عن الكتاب المثالي الذي يطمح إليه القارئ، كتاب يفي بكل الشروط ويمكن القول إنه يصل حد الكمال؟

حد الكمال لا أعتقد أنه موجود. العلاقة مع الكلمة، سواء ككاتب أو كقارئ، هي علاقة حميمية للغاية، ولا يوجد إجماع حول أي عمل يمتلك كل الشروط التي ترضي القراء والنقاد على حد سواء. يجب أن يكون الكتاب المثالي قادرا على التحدث إلى الجميع. في ما يتعلق بالجانب الرسمي، هناك عدد لا يحصى من المعايير الدقيقة التي تتعلق بالتكوين، وعدد الفقرات داخل الصفحة، واستخدام الخط المائل، والخط العريض، وعلامات الترقيم. هناك أيضا العديد من الحالات لأشخاص حققوا نجاحات لافتة من خلال انتهاك هذه القواعد. ولكن كيف يمكنك الإخلال بقاعدة ما، إذا لم تتقنها بشكل مثالي؟ لذلك أعتقد أنه حتى الإبداع الأكثر جسارة في الأدب، كما في أعمال هنري ميلر، الذي حاول الانفصال عن الأشكال الأدبية في عصره، نجده كرس نفسه للبحث عن نوع غير مسبوق من الرواية التي طوّرها من خلال حبكات تجريبية وشخصية للغاية، تتراوح بين سرد المذكرات والرواية التقليدية ومذكرات اليوميات الفلسفية والنقد الاجتماعي، والتي كتبها جميعا باستخدام التقنيات الأدبية الطليعية، مثل تيار الوعي والكتابة التلقائية المستقاة من تيار السوريالية. إذن، هذه الكتابة يجب أن تنشأ من معرفة عميقة بالمبادئ التي تقوم عليها، وعندئذ فقط يصبح الكاتب أو الروائي قادرا على اللعب بمواد أعماله وتحقيق -تقريبا- ما تصفه بالكتاب المثالي.

الكتابة يجب أن تنشأ من معرفة عميقة بالمبادئ التي تقوم عليها، وعندئذ فقط يصبح الكاتب أو الروائي قادرا على اللعب بمواد أعماله

  •  في سياق مثل السياق العربي، حيث يشاع أن عدد القراء لا يتناسب مع عدد السكان، كيف يمكن الناشرين المستقلين البقاء على قيد الحياة؟

أعتقد أن مسألة عدد الأشخاص الذين يقرؤون أو لا يقرؤون البتة، مضللة بعض الشيء. دعنا نضع الأمور على هذا النحو: تتمتع صناعة النشر بمستوى منخفض جدا من النضج (كصناعة)، على العديد من المستويات، من دور النشر إلى المكتبات، من أولئك الذين يكتبون، إلى أولئك الذين يُروّجون. كل شيء يتبع مخططا يمكن تلخيصه في خمس مراحل: التصور (الكتابة)، التصنيع (التحرير، الرسومات، إلخ)، الإنتاج (الطباعة)، الترويج والاستهلاك (القراءة). باختصار، الكتاب مثل أي سلعة تجارية، سيان إن كانت عبوة ماء، أو هاتفا محمولا أو سيارة. لكن إذا كان النشر في أزمة، فلماذا يستمر هكذا؟ من الغباء في مجال ريادة الأعمال أن تضع نموذجا لشركتك من خلال محاولة نسخ نماذج من الصناعات الأنضج ذات التدفقات المالية الهائلة. علاوة على ذلك، إذا كان النشر في أزمة، فلماذا الاستمرار في تقليد النماذج الفاشلة؟ في مجالنا، هناك قطاعان فقط يزدادان ثراء: أولئك الذين ينقلون الكتب وأولئك الذين يطبعونها.

أنا مع العروسة

  •  ما خطك التحريري وما الجمهور الذي تخاطبه؟

الفكرة الأساس في الخط التحريري للدار تتمثل في نشر الروايات العربية والأجنبية، بالإضافة إلى الشعر والدراسات المرتبطة بالنقد الفكري والأدبي. اختياراتنا تنبع بشكل عام من الاطلاع على كل ما هو جديد ورصد التحولات في مسار تطور الرواية العربية وتشجيع التوجهات الجديدة في هذا المضمار. من جهة أخرى، على الرغم من المصاعب الكثيرة، نحاول أن يكون الكتاب في أفضل صورة ممكنة، إخراجا وتنقيحا، وأن يكون في متناول الجميع. غالبا ما يتهموننا بأننا دار نشر تنتج أكثر مما يسمح حجمها، لكن هذا مصدر فخر لنا. ما يغيب عن كثير من المطلعين على بواطن الأمور، هو أننا يجب أن نضع محط اهتمامنا قراء من جميع الشرائح والمستويات، لما للثقافة من أهمية قصوى في عملية بناء الإنسان. لقد أردنا منذ البداية أن نكون جسرا بين ثقافات العالم والثقافة العربية، ومن هنا انطلق مشروعنا في الترجمة العكسية، أي من العربية إلى الإيطالية، دون أن ننتظر، كما فعلنا حتى وقت قصير، مبادرة الآخرين. ما أنجزناه حتى الآن، ربما لا يستحق الذكر، لكننا على أية حال خطونا الخطوة الأولى معتمدين على مواردنا الخاصة، رغم أنها محدودة للغاية.

في السينما

  •  كانت لك تجربة سينمائية ناجحة مع فيلم "أنا مع العروسة" الذي تكلل بجوائز عالمية وترحيب كبير من لنقاد السينمائيين. ما قصة هذا الفيلم؟

القصة بدأت عندما التقينا مصادفة في ميلانو، أنا والصحافي الإيطالي غبريال ديل غراندي، بخمسة فلسطينيين وسوريين وصلوا إلى جزيرة لامبيدوزا هربا من الحرب في سوريا، فقررنا مساعدتهم في مواصلة رحلتهم السرية إلى السويد. ولكن لتجنب القبض علينا كمهربين، نظمنا حفل زفاف زائفا بمشاركة صديقة فلسطينية ترتدي زي العروس، وعشرات من الأصدقاء الإيطاليين والسوريين الذين يرتدون أزياء الضيوف. وهكذا، عبرنا، متنكرين، نصف أوروبا، في رحلة مدتها أربعة أيام وثلاثة آلاف كيلومتر. رحلة مليئة بالمشاعر، بالإضافة إلى سرد قصص وأحلام الفلسطينيين والسوريين الخمسة الفارين. أثناء هذه الرحلة الغرائبية، اكتشفنا أوروبا مجهولة، أوروبا العابرة للحدود الوطنية. لقد تجاوزنا، باللجوء أيضا إلى سخرية مضمرة، قوانين وضوابط القلعة المحصنة (أوروبا) من خلال حفلة تنكرية لا تصدّق، ولكنها ليست سوى قصة من واقعنا حدثت بالفعل على الطريق من ميلانو إلى ستوكهولم في عام 2013.

يتناوب الفيلم الوثائقي بين اللحظات الخفيفة والمبهجة مع الشهادات الدرامية للأبطال الخمسة عن الأصدقاء الذين ماتوا في البحر، وعن المضايقات التي تعرضوا لها والآمال البسيطة لأولئك الذين يفرون من الحرب والقمع بحثا عن حياة أفضل لأنفسهم ولأطفالهم. لقد ضحكنا وبكينا وشاركناهم مخاوفهم، خاصة عندما كنا نقترب من نقاط الحدود ويتزايد خطر إيقافنا وإعادتنا.

font change

مقالات ذات صلة