ترمب وضيوفه... بين الفظاظة والافتتان بالقوة

تكمن مشكلته الحقيقية في قاموسه السياسي المحدود

رويترز
رويترز
من اللقاء الذي جمع بين الرئيس ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض في واشنطن، الولايات المتحدة، 28 فبراير 2025

ترمب وضيوفه... بين الفظاظة والافتتان بالقوة

في السابع عشر من مارس/آذار 2017، بعد أقل من شهرين على تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأميركية للمرة الأولى، التقى دونالد ترمب بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في البيت الأبيض أثناء زيارة رسمية للأخيرة إلى واشنطن. أصبح لقاء الاثنين أمام الكاميرات شهيرا وقتها عندما تجاهل ترمب طلبات الصحافيين والضيفة الألمانية أن يتصافح الزعيمان، كما جرت العادة في كل زيارات الزعماء الأجانب للبيت الأبيض. أثار كامل المشهد اهتماما إعلاميا شديدا وقتها، خالطه بعض الغضب الأميركي العام بسبب ما بدا فظاظة علنية وخروجا فاضحا على العرف الدبلوماسي لا يليقان برئيس أميركي. كان سلوك ترمب هذا مرتبطا بخلافه الأيديولوجي مع ميركل، ففي حملته الانتخابية الرئاسية في عام 2016، هاجم ترمب سياسة ميركل بخصوص الهجرة وقبول اللاجئين السوريين وغيرهم واصفا هذه السياسة بأنها "كارثة".

سجل طويل في التصرف الفظ

لترمب سجل طويل في التصرف بفظاظة أو التفوه بالأشياء الغلط من دون مبالاة بالنتائج، أمام الكاميرا أو خلفها كما في إغلاقه الهاتف بوجه رئيس الوزراء الأسترالي السابق مالكوم ترانبل في فبراير/شباط 2017، متهما إياه بأن سياسات الهجرة التي يتبعها في بلده ستؤدي إلى مجيء إرهابيين إلى أميركا، من دون تقديم أي دليل على ذلك. موضوع الهجرة هذا نفسه، المحبب جدا تناوله لدى ترمب الذي عادة ما يقدمه على أنه "أم الشرور" في الغرب كان مناسبة لتعليق آخر له حاد وجهه نحو رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي، كَهرَب الأجواء في قمة الدول الصناعية (G7) في كندا عام 2018، حيث قال ترمب لنظيره الياباني، الذي اغتيل في عام 2022، "شينزو، ليس لديك هذه المشكلة، لكن أستطيع أن أرسل لك 25 مليونا من المكسيكيين، وبعدها ستفقد منصبك بسرعة".

كان تعاطي الرجل ونائبه جي دي فانس، مع الرئيس الأواكراني فلوديمير زيلنسكي، في زيارة الأخير للبيت الأبيض في نهاية فبراير الفائت المشهد الأكثر علانية وكشفا عن الشخصية السياسية الحقيقية لترمب والإغراء السياسي الهائل الذي تمثله هذه الشخصية لجمهور سياسي واسع في الولايات المتحدة. أمام الكاميرات، اتهم الرئيس ونائبه، على نحو مغلوط، ضيفهما الأوكراني بأنه عاق، لم يظهر امتنانا للمساعدة الأميركية لبلده، وأنه في موقف ضعيف بإزاء روسيا، وشعبه يُقتل وبالتالي فإن عليه أن يقبل بصفقة سلام تنهي الحرب، وبخلافه، فإنه يُمكن لـ"عناده" أن يقود إلى حرب عالمية ثالثة، ثم قاما بطرده من البيت الأبيض!

سوء معاملة ترمب لزيلينسكي مرتبط بتاريخ الأخير في رفض طلبات سابقة لترمب كما في طلبه، عام 2019، أن يقوم بالتقصي لإيجاد أدلة تدين جو بايدن

من جانبه، كان زيلينسكي يطالب بسلام مستدام يقوم على ضمانات أمنية أميركية تجعل عودة الحرب مستحيلة وهي الضمانات التي يرفض ترمب منحها. لكن صدمة المشهد غطت على خلاف المحتوى الذي صنع المشهد نفسه.

لا يخفي ترمب احترامه لزعماء معينين، لا أحد منهم ضمن منظومة الدول الغربية،، كما في إطرائه العلني المتكرر على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الكوري الشمالي كم جونغ أون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الصيني شي  جنبينغ، بوصف هؤلاء زعماء أقوياء في إدارة بلدانهم. إلى حد كبير، يرتبط معنى القوة لدى ترمب بقدرة هؤلاء الزعماء على البقاء على سدة الحكم فترات طويلة، وليس بالضرورة بالنجاحات التي حققوها في إدارة بلدانهم وخدمة مصالحها العامة، وهم- في أغلبيتهم- يقودون دولا استبدادية وليست ديمقراطية. 

زيلينسكي... العصا في دولاب ترمب

لا ينتمي زيلينسكى إلى هؤلاء الزعماء، خصوصا أنه، هو وبلده، يقف على الطرف الآخر والمضاد لبوتين، الزعيم الذي يثير إعجاب ترمب أكثر من سواه بين الزعماء الأجانب. كما أن سوء معاملة ترمب لزيلينسكي مرتبط بتاريخ الأخير في رفض طلبات سابقة لترمب كما في طلبه، عام 2019، أن يقوم بالتقصي لإيجاد أدلة تدين  جو بايدن، الذي كان يُعتقد واسعا أنه سيكون المرشح الديمقراطي لمواجهة ترمب في انتخابات 2020 الرئاسية، من خلال الكشف عن جرائم مفترضة ارتكبها نجل بايدن، هنتر، أثناء عمل الأخير مع شركة أوكرانية.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نهاية المؤتمر الصحفي المشترك في البيت الأبيض، واشنطن في 24 فبراير 2025

في قاموس ترمب السياسي، لعل من أسوأ الآثام في أي زعيم اجتماع الضعف والتحدي فيه، فالضعفاء ينصاعون ولا يتحدون، وإلّا يكون التحدي تكبرا وغرورا أحمقين.. هذا كان باختصار فحوى اللقاء بين ترمب وزيلينسكي: إصرار الأول على أن الثاني ضعيف ولا يستطيع مواصلة الحرب، وأن عليه أن يقر بضعفه ويقبل بما يحصل عليه من صفقة سلام بوساطة أميركية وقفا للخسائر الأوكرانية، مقابل إصرار الثاني على صفقة سلام مختلفة فيها ما يكفي من ردع للطرف القوي (روسيا). هنا انفجر غضب ترمب ونائبه ضد زيلنسكي "الأحمق" وتأكيدهما على غروره وتكبره المفترضين من خلال اتهامه بالعقوق وعدم إظهار الامتنان للولايات المتحدة!! من هنا كان قرار ترمب بالإمعان في إهانة زيلينسكي وإظهار ضعفه وعجزه عبر طرده والوفد المرافق له من البيت الأبيض.    

لكن مشكلة ترمب الحقيقية تكمن في قاموسه السياسي المحدود هذا الذي يتمحور حول تصوراته الشخصية عن نفسه والعالم من دون الاستناد إلى أي فهم منهجي عام يُخرِّج الرجلَ من فهمه النرجسي لذاته ويجعله يستفيد من تجارب الآخرين أو وقائع التاريخ أو، على الأقل، يأخذهما بعين الاعتبار في صياغة مواقفه العامة. في هذا القاموس، يظهر ترمب على أنه الفاعل الأوحد والأقوى، الشخص الاستثنائي الذي يجترح المعجزات في زمن لا تحدث فيه المعجزات،  وأن على الآخرين أن ينصاعوا لإرادته (كما في مطالبته بضم كندا والسيطرة على غرينلاند وقناة بنما ودعوته لإخراج الفلسطينيين من غزة، وإصراره على قدرته إنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا في 24 ساعة وغيرها كثير).

لا يخسر ترمب كثيرا من مشهد التنمر السياسي والفقر الأخلاقي الذي تصدره هو ونائبه بإزاء زيلينسكي، ومن مشاهد شبيهة أقل إثارة تبدو فضائحية لمعظم الجمهور العام

في مذكراتها "حرية" المنشورة في عام  2024 بعد اعتزالها السياسة ومغادرتها منصب المستشارية في عام 2021، توقفت ميركل عند لقائها مع ترمب الذي رفض فيه مصافحتها، وهي في طريق عودتها إلى ألمانيا من زيارتها الأميركية تلك. ذكرت أن خطأها هو في تعاملها مع ترمب في ذلك اللقاء على أنه شخص طبيعي تماما، لكنها سرعان ما شعرت بالإحباط من تعامله الغريب. وفي هذا الصدد، أشارت إلى أن "الاستنتاج الوحيد الذي خلصتُ إليه من ذلك الاجتماع أنه لن يكون بمستطاع المجتمع الدولي أن يتعاون مع ترمب"، وذلك بسبب رؤيته الشخصية للسياسة العالمية القائمة على التنافس مع الآخرين والتغلب عليهم للفوز بالصفقات والمشاريع المربحة، وليس على التعاون والتضامن.

بحسب كلمات ميركل الكاشفة، كان ترمب "ينظر إلى كل شيء من وجهة نظر المقاول العقاري... فكل قطعة أرض يمكن أن تُباع مرة واحدة فقط، وإذا لم يحصل هو عليها، فثمة شخص آخر سيحصل عليها. هكذا كان يفهم العالم".

من هذا الفهم المباشر والفردي للأشياء الذي يعزل الفاعلين عن سياق عام أوسع يستمدون منه بعض القوة والنفوذ والمعنى، تأتي أخطاء ترمب الفادحة في تفسير موازين القوى في السياسة الخارجية خصوصا، وهو ما يعيقه عن تطوير فهم دقيق وواقعي لها. لذلك لم ينتبه ترمب لمصادر قوة زيلينسكي "الضعيف": تضامن أوروبي صلب معلن مع أوكرانيا يقودها زيلينسكي يصل لحد الاستعداد لتحدي أميركا واستبدال دورها الهام في حال انسحابها من الشؤون الأوروبية، ودعم داخلي أميركي للقضية الأوكرانية، أصبح زيلينسكي بطلها الشخصي بين النخبة السياسية الأميركية، ديمقراطية وجمهورية. أدت هذه الضغوط مجتمعة إلى تراجع ترمب عن الخطوات التي اتخذها لمعاقبة زيلينسكي، ومن ورائه أوكرانيا، من خلال إعلان الإدارة مؤخرا عن استئناف المساعدة العسكرية والاستخبارية الأميركية لأوكرانيا بعد نحو 11 يوما على تعليقها عقابا لزيلينسكي، فيما سيعود هذا الأخير ضيفا على البيت الأبيض بدعوة من ترمب لتوقيع معاهدة استخراج معادن متفق عليها سلفا. كل هذا من دون أن تقدم أوكرانيا أي تنازل جدي، فهدنة الشهر في الحرب الروسية-الأوكرانية التي وافقت عليها أوكرانيا وما تزال تنتظر موافقة روسيا عليها، هي مبادرة أميركية لمنح ترمب مظهرَ الذي حقق تقدما "مهماً" على درب السلام، من دون أن تكلف أوكرانيا شيئا..     

نهاية "الصوابية السياسية"؟ 

مع ذلك، لا يخسر ترمب كثيرا من مشهد التنمر السياسي والفقر الأخلاقي الذي تصدره هو ونائبه بإزاء زيلينسكي، ومن مشاهد شبيهة أقل إثارة تبدو فضائحية لمعظم الجمهور العام. في الحقيقة، مثل هذه المشاهد، بغض النظر عن النتائج التي تفضي إليها، تفيد ترمب أمام جمهوره الأيديولوجي وترسخ التأييد له في أوساطه، فإحدى الميزات التي يحبها فيه جمهوره هي هذا الخروج عن الأعراف الدبلوماسية وقول الأشياء "غير المناسبة" وحتى الفَظة، بوصفها دليلَ صدق وصراحة وتسمية الأشياء "بأسمائها الحقيقية" من دون تزويق والتفاف بعكس الساسة الآخرين الذين يبرعون، بحسب هذا الجمهور، في التزييف والكذب. من هنا لم يستطع خصوم ترمب الكثيرون من الديمقراطيين وغيرهم الاستفادة من "سقطات" الرجل السلوكية واللفظية الكثيرة وتحويلها إلى رصيد انتخابي وسياسي ضده. إنه رفض ترمب المستمر لممارسة "الصوابية السياسية" الذي يثير إعجاب محافظين متشددين وإنجيليين مسيحيين وأناس عاديين غاضبين تراجعت حظوظهم الاقتصادية بسبب سياسات العولمة التي تبنتها إدارات جمهورية وديمقراطية ويقف ترمب ضدها بقوة وعلانية لافتتين.

يمثل صعود اليمين المتشدد، بترمب كأيقونة وملهم له، تصدعا هائلا في السيادة الثقافية والسياسية للقيم الليبرالية الضرورية لاستمرار أي نظام ديمقراطي

تشير الصوابية السياسية (political correctness) إلى عرف شائع وراسخ، ومتوقع من الساسة الرسميين والحزبيين والمشتغلين في الحيز العام الالتزام به. يتعلق جوهر هذا العرف  باللغة التي يستخدمها الساسة، ويمتد أحيانا إلى المواقف والسياسات التي يتبعونها أو يؤيدونها، إذ ينبغي أن تكون هذه اللغة مهذبة نحو الجميع، من دون محاولة الانتقاص من مجموعات أو أفراد ما أو اتهامهما، مع التأكيد على القيم العامة المقبولة في المجتمع مثل التعايش والمساواة والتضامن والكرامة الإنسانية وحكم القانون، أي القيم الليبرالية التي تمثلها الديمقراطيات الغربية تاريخيا. 

إحدى الفوائد الكاشفة، والصادمة في الوقت ذاته، الناشئة عن تولي ترمب السلطة مرتين في أميركا هي أن هذه القيم الأخلاقية والسياسية والاجتماعية التي تستند عليها الصوابية السياسية لم تعد، أميركياً، بالعمق والرسوخ والانتشار الذي كان يتصوره الكثيرون.

أ.ف.ب
الرئيس ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة مجموعة العشرين في أوساكا في 28 يونيو 2019

ويمثل صعود اليمين المتشدد، من خلال ترمب كأيقونة وملهم له، تصدعا هائلا في السيادة الثقافية والسياسية للقيم الليبرالية الضرورية لاستمرار أي نظام ديمقراطي، بما يعنيه هذا من احتمالات إعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس الربحية المباشرة للطرف الأقوى، بعيدا عن الاعتبارات القانونية والأخلاقية التي عليها إجماع دولي ومؤسساتي. نشهد هذا الاختبار الصعب في طريقة إدارة ترمب للحرب الروسية-الأوكرانية ونوعية السلام الذي سيحققه الرجل فيها، إذا نجح في تحقيق هدفه هذا. هل هو سلام يكافئ الأقوياء تدفع ثمنه الدول الأقل قوة والضعيفة، أم إنه سلام مستدام وعادل يزيل الأسباب لحروب مقبلة؟

تذكر ميركل في كتاب مذكراتها أنها طلبت نصيحة البابا فرانسيس بخصوص كيفية التعامل مع ترمب، فكانت نصيحته لها أن تبدي أقصى ما يمكن من مرونة دون التخلي عن المبادئ. قال لها "انحني، انحني، انحني، لكن تأكدي أنك لن تنكسري".

وعلى مدى السنوات الأربع المقبلة، سيختبر ترمب بسياساته الخارجية، خصوصا في ملف الصراع المتعلق بفلسطين وإسرائيل والحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، قدرات الآخرين على الانحناء ومديات المرونة الممكنة لهم والحد الفاصل بين ما هو مبدئي وما هو برغماتي.

font change