حرب نتنياهو اللانهائية في غزة

تضغط إسرائيل لضمان أن يشمل أي اتفاق إزالة "حماس" بالكامل سياسيا وعسكريا

رويترز
رويترز
فلسطينيون يشقون طريقهم للفرار من منازلهم، بعد أن أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لعدد من الأحياء، في أعقاب الغارات الإسرائيلية العنيفة، على شمال قطاع غزة 18 مارس 2025

حرب نتنياهو اللانهائية في غزة

دفع اللقاء العاصف الأخير بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض حلفاء الولايات المتحدة إلى المسارعة لتقييم مدى تأثير تقلبات ترمب المزاجية المفاجئة عليهم. وبالنظر إلى دعم الرئيس الأميركي لإسرائيل، قد يشعر نتنياهو بأنه محصّن ضد مثل هذه اللحظات المشهدية وحتى ضد الأزمات المراوغة.

ومع ذلك، فإن الكشف الأخير عن المحادثات المباشرة بين "حماس" والولايات المتحدة بشأن وقف إطلاق النار وتعليقات آدم بولر، المبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الرهائن، قد أثارت قلق كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ومستشاره الرئيس للشؤون الأميركية، وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر.

ومع استئناف إسرائيل للحرب على غزة، أظهرت المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة و"حماس" أن إدارة ترمب الجديدة لا تزال تفضل استمرار وقف إطلاق النار. وقد يكون لهذا الأمر تأثير على عملية صنع القرار الإسرائيلي في الأيام أو الأسابيع المقبلة، وما إذا كنا متجهين حقًا إلى حرب شاملة قد تستمر لأشهر، أم إننا سنعود في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق النار/المفاوضات غير المستقرة التي استمرت خلال الأسابيع الماضية.

مفاوضات مباشرة مع "حماس"

أكد بولر أن الولايات المتحدة أجرت مفاوضات مباشرة مع "حماس" في الدوحة خلال الأسابيع الماضية. وعلى الرغم من الادعاء بأن الهدف الأولي كان التفاوض من أجل إطلاق سراح جندي أميركي-إسرائيلي يُعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة واستعادة جثث أربعة رهائن أميركيين إسرائيليين، فإن المحادثات توسعت على ما يبدو لتشمل قضايا أوسع تتعلق بمستقبل غزة بعد الحرب. وطبيعي أن تحاول الحكومة الإسرائيلية التقليل من شأن المحادثات، زاعمةً أنها كانت على دراية بالمفاوضات، إلا أن الأمر تطور وراء الستار وغدا محور خلاف حاد في مكالمة غاضبة بين بولر وديرمر، حيث أعرب الأخير عن استيائه من تهميش إسرائيل وتجاهل التحذيرات السابقة بعدم الدخول في حوار مباشر مع "حماس".

وزاد الطين بلّة خروج بولر على شاشة التلفزيون للدفاع عن الحوار الأميركي مع "حماس"،فعندما سُئل على شبكة "CNN"عن استياء إسرائيل من المفاوضات، رد بصراحة: "نحن الولايات المتحدة، لسنا وكلاء إسرائيل، ولدينا مصالحنا الخاصة". كما أثارت تعليقاته مزيدا من الجدل عندما خفف من حدة الصورة النمطية الشريرة لـ"حماس"، قائلا: "ليس لديهم قرون شيطانية تخرج من رؤوسهم، إنهم في الواقع أناس مثلنا، رجال طيبون".

وقد أثار هذا التصريح على وجه الخصوص انزعاجا شديدا في إسرائيل، ما جعل بولر يسارع لتوضيح موقفه قائلا: "أريد أن أكون واضحا لأن البعض أساء الفهم: إن (حماس) منظمة إرهابية قتلت الآلاف من الأبرياء. وبحكم التعريف، هم أشخاص سيئون".

الكشف الأخير عن المحادثات المباشرة بين "حماس" والولايات المتحدة بشأن وقف إطلاق النار وتعليقات آدم بولر، المبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الرهائن، أثارت قلق رئيس الوزراء الإسرائيلي ومستشاره للشؤون الأميركية

لا يجوز التقليل من أهمية هذا الخلاف الصامت، ولكن بالغ الأهمية، بين الولايات المتحدة وإسرائيل باعتباره مجرد حادثة دبلوماسية معزولة. فلو كانت هذه المفاوضات والتصريحات قد جرت في عهد إدارة بايدن، لكانت إسرائيل قد ردت بشكل أكثر علانيةً وشدة. غير أن حكومة نتنياهو تعاملت بحذر بالغ مع المسألة، مفضلةً التخفيف من حدة ما كان يمكن أن يتحول إلى أزمة كبرى. هذا النهج المدروس يختلف بوضوح عن أسلوب نتنياهو في التعامل مع بايدن أو أسلوب ترمب نفسه في التعامل مع زيلينسكي.

وأكثر من ذلك، فإن حقيقة موافقة واشنطن على إجراء محادثات مع "حماس"، المصنفة كمنظمة إرهابية أجنبية منذ عام 1997، تطورمهم بحدّ ذاته. وفي حين يتكهن البعض بأن آدم بولر ربما تصرف بشكل مستقل، فإن هذا الأمر مستبعد للغاية. حتى إن السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان ألمح إلى ذلك في تغريدة على "تويتر"، حيث حثّ بولر على "الاستماع إلى رئيسك". وثمة تقارير تتنبأ باحتمال إقالة بولر، بسبب ضغط وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.

أ.ف.ب
دبابات ميركافا القتالية الرئيسية التابعة للجيش الإسرائيلي في موقع في جنوب إسرائيل تتحرك على طول السياج الحدودي مع شمال قطاع غزة في 18 مارس 2025

ومع ذلك، وعلى الرغم من تصريحات بولر المثيرة للجدل حول "حماس"، فإن فكرة أن ينخرط مبعوث أميركي خاص ببساطة في مفاوضات مع جماعة مصنفة إرهابية دون موافقة رئيسه- المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف– هي فكرة جديرة بالسخرية. فالمحادثات التي جرت في الدوحة استمرت لأسابيع، وما كان لها أن تتمّ لولا موافقة ويتكوف نفسه، والمعروف أنه يحظى بدعم وثقة دونالد ترمب الكاملة.

ربما كان الهدف من استخدام بولر كنقطة اتصال رئيسة للجهود الدبلوماسية هو حماية ويتكوف نفسه، وإعطاء إسرائيل شخصا ما لتعبر عن استيائها منه، ولكن لا أحد يعتقد بالفعل أن بولر قد تصرف دون موافقة رئيسه، ولا الإسرائيليون أنفسهم.

قرار إدارة ترمب بتجاوز نتنياهو يؤكد أن واشنطن، على الرغم من دعم الرئيس العلني لإسرائيل وخطابه المتشدد بشأن غزة، تسعى بجدية إلى تسوية تفاوضية وتركّز على منع اندلاع حرب شاملة

ليست تلك مجرد حادثة دبلوماسية عابرة. إن قرار إدارة ترمب بتجاوز نتنياهو يؤكد أن واشنطن، على الرغم من دعم الرئيس العلني لإسرائيل وخطابه المتشدد بشأن غزة، تسعى بجدية إلى تسوية تفاوضية وتركّز على منع اندلاع حرب شاملة. وقد يلفت الانتباه ههنا أن ترمب قد خفّف مؤخرا من حدة موقفه بشأن ترحيل الفلسطينيين، مؤكدا بوضوح: "لن يُطرد أي فلسطيني من غزة".

وقد يبدو قرار إسرائيل بشن هجوم مفاجئ ضد "حماس" متناقضا مع هذه النقطة، ولكن بالنظر إليه من منظور الأزمات السابقة، فإنه يتماشى مع استراتيجية إسرائيل السابقة. فقد اتسمت كل أزمة بمحاولة ممارسة المزيد من الضغط على "حماس". ومن الملاحظ أيضًا أنه على الرغم من ادعاء إسرائيل المستمر بأنها ستصعّد الحرب بشكل كبير في حال انهيار المحادثات، فإن إسرائيل اقتصرت عملياتها حتى الآن على الهجمات الجوية (على الرغم من كونها مدمرة). وفي حين أن هذا قد يتغير في المستقبل، فإن الخطاب الصادر عن نتنياهو وحلفائه اليمينيين المتطرفين الذين يتعهدون باحتلال غزة بالكامل في حال استئناف الحرب لم يتحقق بعد. وهذا يشير إلى أن الباب لا يزال مفتوحا للمحادثات- وقد يكون الرئيس ترمب هو من "يضع قدمه في الباب"، ويمنع إغلاقه بشكل نهائي.

صعوبات جمة للتوصل لاتفاق دائم

يأتي قرار الدفع بالمفاوضات المباشرة واستئناف الحرب في وقت حساس للغاية، فقدكان من المتوقع أن تستمر المرحلة الأولى من الاتفاق حتى الأول من مارس/آذار، ليبدأ بعدها الطرفان مفاوضات بشأن المرحلة الثانية. ومع ذلكتعترض هذه الجولة صعوبات جمة وعراقيل تضعها إسرائيل، ما عرّض المحادثات للتأخير. وحتى دون هذا العائق، كانت المرحلة الثانية دائما أكثر تعقيدا بكثير من المفاوضات التي أدت إلى التهدئة قبل استئناف الحرب، حيث إن ائتلاف نتنياهو سيتضرر من النهاية الرسمية للحرب، مما يدفع إسرائيل إلى التلكؤ في التوصل إلى اتفاق رغم الحاجة الملحة لإطلاق سراح الرهائن الذين تعرضوا لمعاملة قاسية بشكل واضح.وبالفعل وبعد ساعات قليلة من استئناف الحرب، قرر السياسي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير العودة مع حزبه "القوة اليهودية" إلى الائتلاف الحاكم. 

رويترز
فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية على مبنى سكني في دير البلح وسط قطاع غزة 18 مارس 2025

وتضغط إسرائيل لضمان أن يشمل أي اتفاق إزالة "حماس" بالكامل، سياسيا وعسكريا، مع رفض أي دور للسلطة الفلسطينية. وفي المقابل، تبدي "حماس" انفتاحا على التخلي عن إدارة الشؤون المدنية في غزة، والتي تعتبرها عبئا، لكنها ترفض رفضا قاطعا نزع سلاحها.

إذن، فالمبادرة الأميركية، في هذا السياق،ليست من قبيل الصدفة، بل هي تظهر أن واشنطن مستعدة للمضي قدما واستكشاف حلول خلاقة، حتى لو تعارضت مع نتنياهو إذا لزم الأمر. فواشنطن، التي كانت تبحث عن حل مؤقت لتمديد المرحلة الأولى مقابل إطلاق سراح الرهائن، تشير في الوقت عينه إلى التزامها بإنهاء الحرب، حتى لو تطلب ذلك طرْق سبل لإجراء محادثات مباشرة مع "حماس".

وقد انتقد بعض المسؤولين في إسرائيل هذه الخطوة بهدوء واعتبروها خطأً جسيما، مشيرين إلى أنها تُضعف قدرة إسرائيل على الضغط على "حماس" وتقلل من تأثير خطاب ترمب الحاد بشأن غزة– بما في ذلك إنذاره الأخير بالإفراج عن جميع الرهائن، والذي تجاهلته "حماس" دون أي رد من الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، منحت واشنطن إسرائيل حرية أكبر في إدارة عملياتها في غزة، وهو ما يتجلى في قرار إسرائيل تعليق المساعدات وقطع  ما تبقى من خطوط الكهرباء عن القطاع.

وسواء كان ذلك جزءا من استراتيجية أوسع نطاقا أم مجرد مصادفة ما، فقد أظهرت إدارة ترمب أنها على استعداد لاستكشاف تكتيكات مختلفة كان الكثيرون يعتبرونها من المحرمات. وتُظهر التطورات الأخيرة أنه على الرغم من التقارب الظاهر (والحقيقي) بين الإدارتين، فإن فريق ترمب لا يخشى الاختلاف مع نتنياهو، بل ولا يأبه كثيرا بالخطوط الحمراء الإسرائيلية إذا لزم الأمر، ولكن يبدو أن نتنياهو لا يأبه هو الآخر بقرارات الإدارة الحالية، وقد يتحلى بحذر أكبر في تعامله مع ترمب، مقارنة بما قد توحي به علاقتهما الوثيقة المزعومة.

font change

مقالات ذات صلة