الانقسام الأميركي... باقٍ ويتمدد

تشهد الولايات المتحدة أكبر اختبار لقيمها الديمقراطية منذ عقود

رويترز
رويترز
متظاهرات يهتفن خلال مظاهرة دفاعا عن حقوق النساء في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 12 مارس 2025

الانقسام الأميركي... باقٍ ويتمدد

يعيش المجتمع الأميركي اليوم، واحدة من أكثر مراحله انقساما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. هذا الانقسام ينعكس على السياسة، وعلى الإعلام، وعلى حياة الناس اليومية. ويرى كثيرون أن صعود دونالد ترمب إلى سدة الرئاسة، كان نتيجة لاستغلال هذا الانقسام. وقد استخدم ترمب قضايا حساسة لجذب أصوات المحافظين، وكانت قضية المتحولين جنسيا، مثالا واضحا على ذلك. لكن، رغم أهمية هذه القضية، يبقى الصراع في المجتمع الأميركي أعمق بكثير. حيث تتضافر قضايا أخرى مثل حقوق النساء، وتعريف الرجولة، وفصل الدين عن الدولة، وحقوق الأقليات الجنسية، وسياسات منع التمييز. وهو انقسام، لا يبدو أن هناك أفقا لتضييقه، خصوصا أن أوسع مستوياته هي بين الفئات الشابة.

حقوق النساء... بين المكاسب والانتكاسات

حققت النساء في الولايات المتحدة إنجازات كبيرة خلال العقود الماضية. ففي الستينات والسبعينات، برزت الموجة الثانية من الحركة النسوية، وحصلت النساء على مكاسب مهمة في سوق العمل والحقوق الإنجابية. أقرت قوانين تمنع التمييز في التوظيف والأجور، وانتشر الوعي حول ضرورة توفير بيئة عمل أكثر عدلا. كما شقت النساء طريقهن نحو مجالات كانت شبه حكر على الرجال، خاصة في الجامعات وفي عالم السياسة.

لاحقا، ظهرت الموجة الثالثة للحركة النسوية في التسعينات. وتوسعت المطالب لتشمل الحقوق الثقافية، وقضايا العرق والطبقة، والنوع الاجتماعي في تحليل أوضاع النساء. وجرى تسليط الضوء على العنف الجنسي والمنزلي، ومواجهته بكل السبل الممكنة. وقد تصاعد هذا الزخم مع الموجة الرابعة، التي تزامنت تقريبا مع انتشار حركة "MeToo" في السنوات الأخيرة. وكشفت الحركة حجم التحرش والاعتداءات الجنسية، وجعلتها قضية عامة تتناولها وسائل الإعلام يوميا. ودفع ذلك مؤسسات كثيرة، لإعادة تقييم سياساتها الداخلية، ولتفعيل آليات الإبلاغ والعقاب.

باتت الولايات تملك سلطة واسعة في تقييد الإجهاض أو منعه تماما، وتسبب ذلك في انتكاسة كبيرة لحقوق النساء الإنجابية

لكن هذه المكاسب واجهت ردة فعل حادة. ففي عام 2022، ألغت المحكمة العليا الأميركية حكم "رو ضد وايد" الذي كان يحمي حق الإجهاض على المستوى الفيدرالي. وباتت الولايات تملك سلطة واسعة في تقييد الإجهاض أو منعه تماما. وتسبب ذلك في انتكاسة كبيرة لحقوق النساء الإنجابية. تبعت هذا القرار موجة من التشريعات المحلية في ولايات عدة، تهدف لفرض قيود صارمة على قدرة المرأة على إنهاء الحمل. كما شهدنا محاولات لتقليص الدعم المادي والمؤسسي للبرامج المهتمة بمناهضة العنف ضد المرأة. وفي بعض المناطق، ظهرت سياسات تحد من دور النساء في اتخاذ قرارات العمل والأسرة، بحجة تعزيز"القيم التقليدية".

إعادة تعريف الرجولة: النزعة الذكورية في الإعلام البديل

يكثر في الإعلام البديل (سوشيال ميديا وأخواتها) حديثٌ متشدد عن الرجولة، تتجذر فيه أفكار تعتبر أن الرجل يجب أن يكون المعيل الوحيد للأسرة، وأن المرأة مسؤولة عن التنظيف والإنجاب وإرضاء رغبات الرجل. هذه الآراء ليست جديدة في تاريخ المجتمع الأميركي، لكنها استيقظت من جديد مع صعود تيارات محافظة، وأصبحت أكثر علانية مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، ويظهر الانقسام واضحا بين الحزبين وجندرياً. إذ يعتقد الرجال الجمهوريون بنسبة أعلى من النساء الجمهوريات والديمقراطيين من الجنسين أن المجتمع الأميركي يحمل نظرة سلبية تجاه الرجال، الذين يتسمون بالرجولة التقليدية. في الواقع، هم الفئة الوحيدة التي يرى فيها عدد أكبر من الأفراد، أن هذه النظرة سلبية (45 في المئة)، مقارنة بمن يرونها إيجابية (28 في المئة)، بينما تعتقد النساء الجمهوريات والديمقراطيون عموما، أن الصورة الإيجابية للرجولة التقليدية أكثر انتشارا.

وبين فئة الشباب ما دون 25 عاما، وخاصة في الريف الأميركي، تلقى هذه الخطابات رواجا ملحوظا، وتترجم هذه الأفكار أحيانا في صناديق الاقتراع، إذ تشير بعض الإحصاءات إلى ارتفاع كبير في نسبة الشباب الذكور الذين صوتوا لترمب. يجادل المروجون لهذا التيار بأن المجتمع فقد "هيبة الرجولة" وأن الانفتاح على القيم النسوية أدى إلى "إضعاف" دور الرجل. وفي الانتخابات الأخيرة، ارتفع الفارق بين الرجال والنساء (بين 18 و29 عاما) بشكل حاد ليبلغ نحو50 في المئة، وهوالفارق الأوسع بين الجنسين في مختلف الفئات العمرية.

وما قد يُفسر هذا الأمر، هو التحولات على المستوى التعليمي. في عام 1995، كان احتمال حصول الرجال والنساء الشباب على شهادة البكالوريوس متساويا 25 في المئة لكل منهما. لكن منذ ذلك الحين، اتسعت الفجوة بين الجنسين، في معدلات إكمال التعليم الجامعي، حيث ارتفعت نسبة النساء الحاصلات على البكالوريوس إلى47 في المئة بين سن 25 و34 عاما، مقارنة بـ37 في المئة فقط بين الرجال، ما يعكس تقدما أسرع للنساء في التعليم العالي خلال العقود الأخيرة.

فك الارتباط مع نظرية فصل الدين عن الدولة

تقوم الفكرة التقليدية للجمهورية الأميركية، على أساس فصل الدين عن الدولة. لكن في السنوات الأخيرة، شهدت بعض الولايات خطوات معاكسة تماما، واعتمدت على ميل المحكمة العليا لصالح المحافظين. خمس عشرة ولاية، أقرت أو تدرس إقرار تشريعات تجبر المدارس الرسمية، عرض الوصايا العشر بشكل واضح في جميع الصفوف، وبالتالي، إجبارها على تدريسمواد دينية مسيحية. وزادت المطالبات بدعم القطاع الخاص في التعليم، علما أن كثيرا من هذه المدارس خاصة وذات توجه ديني واضح.

منذ الستينات، أقرت الولايات المتحدة قوانين مهمة لمناهضة التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو الإعاقة. ووُضعت سياسات تُعرف بـ"التنوع والشمولية" في المؤسسات الحكومية والخاصة

هذه الخطوات لا تنفصل عن حركة أوسع في الأوساط المحافظة. ويرى أصحابها أن المجتمع الأميركي فقد بوصلته الأخلاقية بسبب تهميش الدين. ويطالبون بدمج القيم المسيحية في القوانين والسياسات العامة. ويساعد هذا التوجه في كسب دعم شرائح من الناخبين الإنجيليين، الذين يتمسكون بتفسير محافظ للنصوص الدينية. ويعدون هذه النصوص مرجعية نهائية للتشريعات المتعلقة بالأسرة والتعليم والحريات العامة.

تتجسد هذه الرؤية بشكل واضح في النقاش، حول القضايا الحقوقية مثل الإجهاض وزواج المثليين، فبدل العودة إلى نصوص الدستور فقط، يلجأ البعض إلى الاستناد على تعاليم دينية، لتبرير سياسات تضيق على حقوق فئات معينة، هذا المنحى يثير قلق المدافعين عن الحريات الدينية، الذين يرون في ذلك انتهاكا لمبدأ أساسي قام عليه الاتحاد الأميركي. كما يعيد إلى الواجهة نقاشا قديما حول دور الدين في الحياة العامة. ويبدو أن المرحلة الحالية تميل نحو الدمج، ما يفتح الباب أمام سجالات جديدة في قادم الأعوام.

رويترز
الرئيس دونالد ترمب يحمل أمرًا تنفيذيًا موقعًا يحظر على الفتيات والنساء المتحولات جنسيًا المشاركة في الرياضات النسائية، البيت الأبيض، 5 فبراير 2025

تراجع الدعم للمتحولين جنسيا والمثليين

واجه المتحولون جنسيا في عهد ترمب جملة من القرارات التنفيذية والتشريعات المناهضة. أبرزها كان حظر خدمتهم في الجيش الأميركي، وإلغاء بعض السياسات التي كانت تعترف بحقوقهم. وشمل ذلك تغييرا في الوثائق الرسمية، حيث تم الإصرار على استخدام مصطلح "الجنس" بدلا من "النوع الاجتماعي". أدى هذا إلى تجاهل هويات الأشخاص المتحولين، وجعل حصولهم على وثائق تتطابق مع هويتهم، أمرا بالغ الصعوبة في بعض الولايات.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعض الولايات شرعت في إقرار قوانين تقيد حصول المتحولين على الرعاية الطبية الضرورية، مثل العلاج الهرموني أو عمليات العبور الجنسي. وفي الوقت نفسه، شهد المثليون أيضا هجمات تشريعية تسعى لإلغاء بعض حقوقهم، وأبرزها حق الزواج الذي أقرته المحكمة العليا عام 2015. وظهرت محاولات للطعن في هذا الحكم، مع الضغط على المحكمة لإعادة النظر فيه. هذا التوجه شكل قلقا كبيرا في أوساط الناشطين، في مجال حقوق الإنسان. وسجلت منظمة "هيومان رايتس كامباين" أكثر من 750 مقترح قانون، على مستوى الولايات مقدما من نواب جمهوريين تحد من حقوق المثليين. وقد اكتسبت حقوق المثليين والمتحولين جنسيا، زخما كبيرا خلال العقدين الأخيرين. وتراجع هذا الزخم في بعض المناطق، وسط ازدياد شعبية الخطاب المحافظ.

وتبين استطلاعات الرأي أن مستوى التأييد لحقوق المتحولين جنسيا، انخفض بين بعض الفئات، خاصة في المناطق الريفية، لكن أكثرية الأميركيين لا تزال تدعم حقوقهم. ويرى مراقبون أن الطريقة التي يتم بها تناول هذه القضايا في الإعلام اليميني، تخلق حالة من الخوف والشك لدى الجمهور. ويُربط وجود المتحولين بمشاكل اجتماعية وأخلاقية، رغم عدم وجود أدلة حقيقية على ذلك. وفي المقابل، يواصل ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان حملات توعية ودعما قانونيا. ويعتقدون أن هذه المرحلة قد تكون صعبة، لكنها عابرة، وأن التاريخ في صالح حقوق الأقليات في نهاية المطاف.

الحرب على سياسات منع التمييز

منذ الستينات، أقرت الولايات المتحدة قوانين مهمة لمناهضة التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو الإعاقة. ووُضعت سياسات تُعرف بـ"التنوع والشمولية" (Diversity and Inclusion) في المؤسسات الحكومية والخاصة. هدفت هذه السياسات إلى ضمان تكافؤ الفرص في التوظيف والتعليم والإسكان. لكن إدارة ترمب ألغت أو قلصت الكثير من هذه الإجراءات. وأصدر ترمب أكثر من 80 قرارا تنفيذيا، بينها 15 تمس القضايا الاجتماعية، بما وضح حجم التحول العكسي الذي يشهده المجتمع الأميركي. هذه القرارات لم تأت من فراغ، فقد حضر لها "مشروع 2025". وقد أوفى ترمب بوعود حملته الانتخابية، التي لاقت قبولا لدى شريحة واسعة من الناخبين المحافظين.

صور ترمب برامج التدريب الحكومي على أنها "أجندة يسارية" تزرع الانقسامات بين الأميركيين 

شملت بعض هذه القرارات إنهاء برامج التدريب الحكومي، التي تهدف للتوعية حول التحيز اللا واعي (Unconscious Bias)، أو تشديد الرقابة على المحتوى، الذي يتناول "العدالة العرقية" في الدوائر الفيدرالية. وسعى ترمب إلى تصوير هذه البرامج على أنها "أجندة يسارية" تزرع الانقسامات بين الأميركيين. وبالرغم من رفض بعض المحاكم لبعض البنود، وجد كثير من المؤسسات صعوبة في الاستمرار بتلك السياسات، تحت تهديد خفض التمويل الحكومي.

هذا التوجه ضد سياسات منع التمييز، لم يقتصر على المستوى الفيدرالي فقط. فالكثير من المجالس المحلية في ولايات محافظـة، رفضت ميزانيات موجهة لبرامج التنوع. كما برزت حركات أهلية ترى في هذه السياسات "تمييزا معكوسا" ضد البيض والذكور. ويشير محللون إلى أن هذا الصراع قد يستمر، لأنه يمس الجوهر العرقي والثقافي للولايات المتحدة، التي لم تتعافَ تماما من إرث العنصرية والتمييز. ويبرز هذا الأمر بشكل واضح في الدراسات، فـ36 في المئة من الرجال البيض، يرون أن هذه السياسات في سوق العمل مضرة و14 في المئة منهم يرونها مفيدة. وفي المقابل، فإن 13 في المئة من الرجال السود، يرونها مضرة و55 في المئة يعتقدون أنها مفيدة.

الأسباب الكامنة وراء هذه التحولات: 

الاقتصاد

تعاني قطاعات واسعة في المجتمع الأميركي من ركود الأجور، والبطالة في بعض المناطق، خاصة الريفية. وشعر كثيرون، خصوصا من فئات الطبقة العاملة البيضاء، بأنهم فقدوا امتيازاتهم مع صعود العولمة والهجرة والتغيرات التكنولوجية. فسياسات التجارة المفتوحة، أثرت بشكل واسع على الصناعات التقليدية، التي كانت تُعد المحرك الاقتصادي الأبرز في عدد الولايات. يُضاف إلى ذلك، سياسات الرئيس رونالد ريغان في ثمانينات القرن الماضي، التي خفضت الحد الأعلى من ضريبة الدخل من 70 في المئة في عام 1981 إلى 28 في المئة في عام 1989، لتعود وتستقر في حدود الـ39 في المئة. ووسعت هذه السياسات الضريبية الفوارق الاقتصادية، فتراجع حجم الطبقة الوسطى من 61 في المئة من المجتمع الأميركي في عام 1971 إلى 50 في المئة في عام 2021. وجاء الانهيار المالي عام 2008 ليُعمق هذه التحديات، خصوصا أن سياساتالإنقاذ المالي أتت لصالح المؤسسات المالية، والشركات الكبيرة على حساب الطبقة العاملة. ودفع ذلك الطبقة العاملة البيضاء إلى تفضيل خطاب محافظ يعادي الليبراليين والمهاجرين، ويعد بإعادة "العظمة" لأميركا، والتركيز على الوظائف التقليدية، التي تعتمد على الصناعات المحلية.

جاء استحواذ الملياردير إيلون ماسك على "تويتر" (إكس لاحقا) وإلغائه كل سياسات إدارة المحتوى، ليعزز من انتشار الأخبار المضللة

الإعلام

لعبت منصات التواصل الاجتماعي، دورا أساسيا في تعزيز الانقسام. ويستطيع السياسيون توجيه رسائل مباشرة لجمهورهم، دون المرور بفلترة وسائل الإعلام الكبرى. كما تؤدي "خوارزميات" وسائل التواصل إلى خلق فقاعات فكرية، ينغلق فيها الناس على آرائهم. وتُضخم الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة، خطاب الكراهية والخوف من التغيير الاجتماعي. وجاء استحواذ الملياردير إيلون ماسك على "تويتر" (إكس لاحقا) وإلغائه كل سياسات إدارة المحتوى، ليعزز من انتشار الأخبار المضللة، وتحول الموقع إلى جنة لليمين الأميركي.

وبحسب معهد "بيو" للأبحاث، فإن 85 في المئة من المؤثرين على المستوي السياسي ينشطون عبر "تويتر"، 65 في المئة منهم رجال، والنسبة الأكبر منهم تميل لليمين. (في المقابل، 50 في المئة ينشطون على "إنستغرام" و44 في المئة على "يوتيوب"). وتشير الدراسة إلى أن الشباب (بين 15 و29 عاما) يحصلون على المعلومات من خلال المؤثرين وليس الإعلام التقليدي. في الوقت نفسه، تراجع دور المؤسسات الإعلامية التقليدية في ضبط المحتوى، مما أفسح مجالا أكبر للمغالطات.

صحيح أن هوليوود قدمت تنوعا أكبر في السنوات الأخيرة، لكنها ما زالت بعيدة عن تمثيل الواقع المعقد للمجتمع الأميركي

صناعة الثقافة

ساهمت صناعة الترفيه في بناء صورة نمطية حول "الحلم الأميركي" القائم على الأسرة النووية التقليدية والأدوار الجندرية الواضحة. صحيح أن هوليوود قدمت تنوعا أكبر في السنوات الأخيرة، لكنها ما زالت بعيدة عن تمثيل الواقع المعقد للمجتمع الأميركي. وفي المقابل، أنتجت قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية محافظة محتوى يرد على هذا "التنوع" بقوة، ويقدم صورة مغايرة تماما مبنية على القيم الدينية والذكورية الصارمة.

إعادة بناء أميركا على أسس مختلفة

تتراكب هذه التوجهات كلها، لتعيد رسم المشهد الأميركي. يبدو أن الولايات المتحدة بصدد إعادة تشكيل هويتها الوطنية. هناك من يريد إحياء ما يراه "القيم الأصيلة" لأميركا البيضاء البروتستانتية المحافظة. وهناك آخرون يدافعون عن التعددية والديمقراطية الليبرالية. ويصطدم هذان التياران بشدة على كل المستويات، من السياسة الفيدرالية في واشنطن، إلى قاعات التدريس في المدارس والجامعات.

رويترز
امرأةٌ تُزيّن وجهها بألوان العلم الأميركي، تنظر إلى الناس وهم يصطفون خارج قاعة كابيتال وان أرينا، استعدادا لتجمعٍ حاشد دعمادونالد ترامب، في اليوم السابق لتنصيبه لولايةٍ ثانية، في واشنطن

لم يكن أكثر الليبراليين تشاؤما يتصور أن المجتمع الأميركي سينزاح نحو اليمين بهذه السرعة. فمنذ عقود، كانت التوقعات تذهب إلى مزيد من الانفتاح، سواء في قضية حقوق النساء، أو في فصل الدين عن الدولة، أو في حقوق المثليين. لكن ما يحدث الآن هو انقلاب نسبي على هذه المسيرة، والتغيرات لم تكن اعتباطية، بل إنها إفراز طبيعي لصراعات اقتصادية وثقافية. وفي ظل عالم يشهد تغيرات جيوسياسية كبيرة، يريد بعض الأميركيين الانكفاء على الذات، والتمسك بقيم موروثة.

الأرجح أن السجال سيستمر بين الطرفين، والمجتمع الأميركي معروف بديناميكيته، وقدرته على التحول والاستجابة، ومع زيادة نشاط الأقليات وتكثيف أصوات النساء والشباب والملونين، قد تتشكل تحالفات جديدة تغير بدورها قواعد اللعبة، لكن في الوقت الراهن، يبدو أن الولايات المتحدة تشهد أكبر اختبار لقيمها الديمقراطية منذ عقود، وهو اختبار سيُحدد مسار المستقبل لواحدة من أكبر القوى العالمية، ويؤثر في بقية العالم، الذي يتابع تلك التحولات باهتمام بالغ.

font change