منذ ثلاثين عاما، تأسست منظمة التجارة العالمية لتعزيز التبادل التجاري والاستثمار وانتقال الأفراد، وهذا ما حصل. إذ شهد العالم بعد ذلك نشوء نظام تجاري قوي ومزدهر ساهم في نمو غير مسبوق. وفي سبتمبر/أيلول من العام 1995، اجتمعت نخبة من قادة العالم ومفكريه الاقتصاديين وديبلوماسييه في فندق "فيرمونت" في مدينة سان فرانسسكو، حيث أطلق زبيغنيو بريجينسكي شعار "العولمة" كمصطلح سيصبغ لاحقا سياسات وشعارات السنوات التالية لسقوط الاتحاد السوفياتي.
ظهرت فوائد العولمة عبر السنين، ونشأت سلسلة مترابطة بين الإنتاج والاستهلاك عبر الدول، وتدفق الاستثمارات وتوسيع الأسواق وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد. وانخرطت حكومات العالم في ما بدا أنه سلسلة من الشراكات المربحة للجميع. وتقلصت الحدود الوطنية إلى حد كبير مع تطور التكنولوجيا والتحول المتسارع نحو العمل عن بعد. وكان يفترض أن تمتد فوائد الأسواق الحرة إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، كإنهاء الصراعات الدولية وتعزيز القوى الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.
ثم كانت الأزمة المالية العالمية عام 2007 بمثابة التعثر الأساس في انطلاقة العولمة، إذ بدأت بعدها حصة التجارة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي تتضاءل، ولم تعد تدفقات رؤوس الأموال الدولية قط إلى مستوياتها المرتفعة التي كانت عليها قبل 2007.
لاحقا، انحدرت مسيرة العولمة لأسباب عدة أبرزها: تفشي جائحة "كوفيد - 19" واندلاع حرب روسيا ضد أوكرانيا وما نجم عنها من فرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا واستخدام نظام المدفوعات الدولي كسلاح، وكذلك اندلاع حرب التعريفات الجمركية بين الولايات المتحدة والصين. أضف إلى ذلك، إغفال صناع السياسات معالجة الاختلالات الناجمة عن سوء إعادة توزيع الموارد والفشل في إرساء شبكات الأمان الاجتماعي القوية. فقد تُرِكَت مجتمعات وفئات خلف الركب، مما ساهم في تغذية الشعور بالتهميش والاقصاء على نطاق واسع.