ألمانيا... الخشية من عودة "الوحش"

أشكال التنازع القاسي عادة ما استجلبت وحوشا تاريخية

ألمانيا... الخشية من عودة "الوحش"

استمع إلى المقالة دقيقة

في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وبينما كان مئات الآلاف من مواطني ألمانيا الشرقية ونظيرتها الغربية يندفعون لتحطيم "جدار برلين" وإعادة توحيد "دولتي" و"شعبي" ألمانيا من جديد، بعد نصف قرن من الانقسام، كان الجدار المشيد بين أحياء العاصمة خلالها رمزا للشقاق السياسي والاجتماعي والنفسي والاقتصادي والثقافي الداخلي، وتعبيرا عن أنماط الاحتلال والهيمنة الخارجية على ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية. كان المستشار الألماني السابق فيلي براند يخاطب المتجمهرين من على شرفة مبنى بلدية مدينة برلين: "أبقوا شيئا من الجدار، إنه ما تبقى من وحش تاريخي، يجب أن يبقى ماثلا أمام أعيننا، كي لا يعود الوحش".

بعد خمسة وثلاثين عاما، يبدو أن "الوحش التاريخي" يقترب من ألمانيا بكل تصميم ووضوح. فالجدار كان بالنسبة لألمانيا الغربية ومجتمعاتها الحرة رمزا لصد تدفق الأيديولوجيا الشمولية الشيوعية واستبداد جيش وتسلط أجهزة استخبارات ألمانيا الشرقية، وبالنسبة للأخيرة وغالبية مجتمعها الداخلي تعتبر أداة لمقاومة "الفاشية القومية" و"الهيمنة الرأسمالية"، التي كانت ترى شقيقتها الغربية غارقة فيهما. وبين الأمرين، كان الجدار تعبيرا عن التنازع الدولي حول ألمانيا، وأشكال انجراف المجتمع والقوى السياسية والتيارات الأيديولوجية الألمانية نحو واحدة أو أخرى من مراكز القوة العالمية.

يبدو الجدار وكأنه يعود من جديد، وإن بأشكال وأدوات مختلفة، لكنه في الجوهر مطابق لما كان عليه سابقا، "وحش تاريخي".

نتائج الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة دلت بوضوح إلى إمكانية استعادة كل ذلك بسرعة متناهية، وتخطي كل أنماط المناعة التي كانت تظن المؤسسات والمجتمعات الألمانية أنها راكمتها طوال عقود، بعد ما عانته أثناء سنوات الانقسام، أو تجرعته من قبل أثناء سنوات هيمنة الفاشية القومية/النازية.

فكاتب هذه السطور كان شاهدا على التحول الجوهري الذي أصاب "الخطاب والنقاش الانتخابي" طوال أيام الحملة الانتخابية الأخيرة. فبالقرب من "الخيام" ونقاط ترويج الدعاية الانتخابية لمختلف الأحزاب، ومثلها على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، كانت تدور أوسع الأسئلة والنقاشات المتمركزة حول "هوية ألمانيا"، و"مستقبل المهاجرين"، و"الموقف من قطبي الصراع العالمي"، و"صوابية الترامبية السياسية"، و"مآل الجامعة الأوروبية"، و"معنى القومية الألمانية". تلك القضايا والأسئلة التي كانت طوال العقود الماضية مجرد هامش سياسي وشعبي، في دولة كان سلوك وخيارات ناخبيها يتحدد حسب ما تعرضه وتتعهد به الأحزاب من طروحات تتعلق بالتنمية والخطط الاقتصادية وأرقام الضرائب وعمر التقاعد والمساعدات الاجتماعية والخدمات الحكومية... إلخ.

نسبة المشاركة في الانتخابات الألمانية الأخيرة، والتي تجاوزت عتبة 82 في المئة كأعلى نسبة مشاركة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تدل على مستوى القلق الذي يصيب المجتمع الألماني

سؤال الهوية الجامح في ألمانيا، لم يأت كتحولٍ في المزاج العام والنزعة الأيديولوجية لوجهة نظر سياسية أو لطبقة اجتماعية من الألمان، بل تعامد مع انقسام مناطقي وهوياتي شديد الغرابة والإرباك.

فحزب "البديل من أجل ألمانيا"، الذي تمتاز طروحاته بالمركزية القومية والعداء الواضح للمهاجرين، ضاعف أصواته عما كانت عليه في الانتخابات السابقة، وأحرز قرابة 21 في المئة من مجموع أصوات الناخبين، حاصلا على المركز الأول في كل الولايات الشرقية، مثل "براندنبورغ" المحيطة بالعاصمة برلين، وميكلنبورغ، وساكسونيا، وساكسونيا/أنهالت، وتورينغن، التي تشكل في مجملها جغرافيا دولة ألمانيا الشرقية سابقا. ومعها على المركز الأول في مقاطعة مثل "غلزنغيرشن" في أقصى الغرب الألماني، المتخمة بالمهاجرين من الشرق الأوسط والبلقان.

فوق ذلك، فإن هذا الحزب الألماني، الذي يصنف كـ"وريث" للنزعة النازية، يتلقى دعما من قادة الولايات المتحدة، وتشجيعا منهم.

نسبة المشاركة في الانتخابات الألمانية الأخيرة، والتي تجاوزت عتبة 82 في المئة من مجموع الذين يحق لهم التصويت، كأعلى نسبة مشاركة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تدل على مستوى القلق الذي يصيب المجتمع الألماني، وهو الذي لا يعاني من أية أزمات اقتصادية أو أمنية، كما كانت بعض التفسيرات التقليدية تحاول أن تشرح أسباب التشنج الاجتماعي الذي قد ينعكس على السلوك الانتخابي عادة.

هل من تفسير لكل هذا التشنج واندلاع الهوية وبروز الانقسام وعودة الأصولية السياسية في بلد مرتاح تنمويا ومستقر أمنيا وحيوي اقتصاديا ويحقق أفضل مستويات التعليم والخدمات الصحية مثل ألمانيا؟

تضافر ذلك مع تراجع نسبة التصويت لصالح الأحزاب الاجتماعية التي قادت التجربة التنموية الألمانية الباهرة، مثل الحزب الديمقراطي الاجتماعي، والحزب اليساري، وحزب الخضر، الذين لم ينالوا إلا أصوات الفئات الأكبر عمرا والأقل حيوية في المجتمع الألماني. فحزب "البديل من أجل ألمانيا" (المتطرف)، حصل على أعلى الأصوات ضمن الطبقات الاجتماعية الأكثر إنتاجية (35-45) عاما. 
هل من تفسير لكل هذا التشنج واندلاع الهوية وبروز الانقسام وعودة الأصولية السياسية في بلد مرتاح تنمويا ومستقر أمنيا وحيوي اقتصاديا ويحقق أفضل مستويات التعليم والخدمات الصحية مثل ألمانيا؟ 
ليس من تفسير ناجع مثل القول إن ألمانيا اليوم "دولة تنازع". بين الولايات المتحدة وروسيا. بين الترمبية السياسية والهوية الأوروبية. بين أن تكون "دولة قومية/نازية" أو ساحة مفتوحة للمهاجرين، خالية من أية هوية وإطار وطني. بين اقتصاد ليبرالي مفتوح، يطيح بكل مرتكزات المكتسبات الاجتماعية للمجتمع الألماني، كما ينادي زعيم حزب المحافظين الفائز والمرشح الأوفر حظا لمنصب المستشار فريدريش ميرز، وبين أحزاب مثل "اليسار" و"الخضر"، المتأتية من التراث اليساري، ولا تملك أية حساسية تجاه ضرورات الحفاظ على الرأسمالية الوطنية. بين البقاء على الحياد في الحرب الأوكرانية، وتاليا مجاورة روسيا ذات النزعة العسكرية، أو الانخراط في الحرب الأوكرانية وتاليا تحمل أوزار مواجهة روسيا... إلخ.
أشكال التنازع القاسي هذه، عادة ما استجلبت وحوشا تاريخية، وبأسرع مما هو متوقع. وتجربة ألمانيا مع القومية/ النازية قبل قرن، أكثر وأوضح ما قال ذلك.  

font change