استغلت إسرائيل التداعيات الناجمة عن "طوفان الأقصى" لتعزيز هيمنتها العسكرية والسياسية والإدارية والاقتصادية المباشرة على جغرافيا فلسطين، وترسيخ تحكمها في الفلسطينيين من النهر إلى البحر أكثر من أي وقت مضى.
وفي الواقع فإن هذا المسار يتم بدفع من حكومة اليمين القومي والديني المتطرف التي تشكلت أواخر عام 2022، برئاسة بنيامين نتنياهو ومع الوزيرين بتسلئيل سموتريتش (صاحب نظرية محو حوارة) وإيتمار بن غفير (استقال مؤخرا)، التي همها إزاحة أي بعد فلسطيني أو أي كيانية فلسطينية، من الخريطة الجغرافية والسياسية، وفق مبدأ: لا "حماسستان" ولا "فتحستان"، لا في الضفة ولا في غزة.
وقد يجدر التذكير بأن ذلك يشمل السعي لاستبعاد فلسطينيي 48 من المشاركة في الانتخابات، والنيل من مكانتهم كمواطنين في إسرائيل، بعد إقرار قانون-أساس يقضي باعتبار إسرائيل وطنا لليهود، يملكون وحدهم حق تقرير المصير فيها (2018).
وما يفاقم من خطورة هذا الوضع عدة عوامل، أهمها:
أولا، تحويل المستوطنين في الضفة الغربية إلى ميليشيا منظمة ومسلحة، باسم "الحرس الوطني"، وهي ميليشيا مشبعة بأيديولوجيا دينية وقومية متطرفة، تطالب بطرد الفلسطينيين من هذه المنطقة أو تلك، وتعمل بشكل رسمي وبإسناد من الجيش، وتحت إمرة إيتمار بن غفير الذي كان يشغل منصب وزير الأمن القومي قبل استقالته.
ثانيا، موقف الرئيس الأميركي بشأن استعداد الولايات المتحدة لإضفاء شرعية على أي خطوة إسرائيلية تتضمن ضم الضفة الغربية، أسوة بضم إسرائيل للجولان السورية، والقدس الشرقية، وذلك بالتساوق مع خطته المتعلقة بإجراء "ترانسفير" لفلسطينيي غزة، أو سلخ غزة عن الجسم الفلسطيني، بدعوى إقامة "ريفييرا" شرق أوسطية فيها.
الثالث، حال الانقسام السياسي الفلسطيني، بخاصة الانقسام في كيان السلطة، بين سلطة "فتح" في الضفة، وسلطة "حماس" في غزة، في وضع لا تستطيع فيه أي من الحركتين، بأوضاعهما الحالية، وتبعا للظروف الإقليمية والدولية، صد الخطط الإسرائيلية، لا سيما بعد تدمير قطاع غزة، وتحويله إلى منطقة غير صالحة للعيش، واعتماد حوالي مليونين من الفلسطينيين فيه على المساعدات الآتية من الخارج.