الضفة الغربية... الاستيلاء الإسرائيلي التدريجي على ما تبقى من الأرض

سياسات مؤجلة منذ بدء الاحتلال عام 1967

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل يجلس أمام مبنى متضرر بعد غارة عسكرية إسرائيلية في مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية المحتلة في 6 سبتمبر/أيلول 2024

الضفة الغربية... الاستيلاء الإسرائيلي التدريجي على ما تبقى من الأرض

كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل حينما داهمت قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي بيت عائلة سفيان عبده في مخيم طولكرم. أفاق أبناء العائلة مذعورين على أصوات الجنود وقرقعة السلاح في بيتهم المعتم الذي انقطعت عنه الكهرباء، كما باقي أجزاء المخيم، منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية قبل أسابيع.

يصف سفيان البالغ من العمر 41 عاما، المشهد بأنه مثل "يوم النكبة" ويقول: "كان الجنود يدوسون على الأطفال والنساء النيام ويصرخون مطالبين بالخروج. أفاق الأطفال في حالة ذعر، والدتي الكبيرة في السن وعمرها في الثمانين لم تكن قادرة على الوقوف، كان علينا، أنا وإخوتي، أن نحمل أمي وأطفالنا ونغادر وسط المطر والبرد القارس. لم يسمحوا لنا بحمل احتياجاتنا من البيت، ولا نعرف ماذا جرى لها، لكن الناس يقولون إن الجنود يهدمون البيوت ويضرمون النار في محتوياتها".

لجأت العائلة إلى مركز إيواء في إحدى المدارس، وفي اليوم التالي أقامت خيمة لها في أطراف المدينة. يقيم الرجال في خيمة والنساء في خيمة أخرى.

المشهد ذاته يتكرر مع عشرات الآلاف من سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة في شمال الضفة الغربية، الذين أجبروا على النزوح من بيوتهم، ولجأوا إلى مراكز إيواء أو إلى بيوت أقرباء.

رئيس بلدية جنين محمد جرار، قال لـ"لمجلة" إن أكثر من 15 ألفا من سكان مخيم جنين جرى توزيعهم على 39 قرية وبلدة في المحافظة. حاول السكان العودة إلى المخيم لالتقاط بعض متعلقاتهم لكن الجنود منعوهم واعتقلوا الشبان منهم واعتدوا بالضرب على النساء.

أكثر من 15 ألفا من سكان مخيم جنين جرى توزيعهم على 39 قرية وبلدة في المحافظة. حاول السكان العودة إلى المخيم لالتقاط بعض متعلقاتهم لكن الجنود منعوهم واعتقلوا الشبان منهم واعتدوا بالضرب على النساء

الجدار الحديدي

بدأ الجيش الإسرائيلي في اجتياح مخيمات شمال الضفة الغربية في الحادي والعشرين من شهر يناير/كانون الثاني الماضي، في عملية عسكرية غير مسبوقة منذ سنوات الاحتلال الأولى عام 1967، أطلق عليها اسم الجدار الحديدي. جاءت العملية غير مسبوقة من حيث عدد القوات والآليات العسكرية المشاركة، ومن حيث عمليات التهجير الجماعي لسكان هذه المخيمات، والهدم الواسع لبيوتهم، والقتل العشوائي لهم.

ويقول تقرير لمكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) إن عدد النازحين من هذه المخيمات بلغ حوالي 40 ألفا.

في اليوم الأول، قتل الجنود عشرة مواطنين وأصابوا بجروح خطيرة 40 مواطنا، في عملية إطلاق نار عشوائي على المواطنين في الشوارع أثناء اقتحامهم مدينة ومخيم جنين. ووثق بعض المواطنين عملية إطلاق النار على المارة الذين كانوا يتساقطون تباعا بعد إصابتهم برصاص الجنود. فهذا رجل يحمل قوتا لأطفاله يصاب ويسقط أرضا وهو يسير في الشارع، وهذا رجل ثانٍ يصاب ويقتل وهو يقود سيارته مع زوجته وأطفاله.

أ.ب
جندي إسرائيلى خلال عملية للقوات الاسرائيلية في مدينة نابلس بالضفة الغربية، 16 فبراير

الأمر ذاته تكرر في مخيم طولكرم ومخيم نور شمس. ففي مخيم نور شمس أطلق الجنود النار على سيدة حامل في شهرها الثامن، تدعى سندس شلبي (23 عاما) فور خروجها من سيارة يقودها زوجها، ما أدى إلى مقتلها وجنينها. وقتلوا أيضا الفتاة رهف الأشقر (21 عاما) لدى اقتحام بيتها في المخيم.

ووثقت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل أكثر من 80 مواطنا وإصابة المئات في هذه العملية المستمرة التي يسقط فيها الضحايا على نحو شبه يومي.

بدأ الجيش الإسرائيلي في اجتياح مخيمات شمال الضفة الغربية في الحادي والعشرين من شهر يناير الماضي، في عملية عسكرية غير مسبوقة منذ سنوات الاحتلال الأولى عام 1967

هدم المخيمات

يقوم الجيش الإسرائيلي منذ بدء العملية التي دخلت شهرها الثاني على التوالي بهدم يومي للبيوت والبنى التحتية في هذه المخيمات. ويقول مواطنون تطل بيوتهم على المخيمات إن الآليات العسكرية الضخمة التي لا تتوقف عن العمل، قامت حتى اليوم بهدم مئات البيوت، وتحويل أزقة المخيمات إلى شوارع عريضة بعد هدم البيوت على الجانبين.

إحدى عمليات الهدم الجماعي في مخيم جنين، أخذت شكلا استعراضيا. فقد فجر الجنود في لحظة واحدة 28 بيتا في عملية استعراضية وثقتها الكاميرات وبثتها وسائل الإعلام.

وفي مخيم طولكرم قام الجنود بهدم حوالي 50 بيتا في مشهد مشابه. وواصلت بعد ذلك عمليات هدم البيوت لأغراض منها توسيع الطرقات الداخلية للمخيم أو بذريعة معاقبة العائلات التي خرجها منها مقاتلون.

محافظ جنين كمال أبو الرب يقول إن أحد أهداف العملية هو تغيير صورة المخيم وتركيبته وجغرافيته. وأضاف: "للمخيم ملامح معروفة، والجيش الإسرائيلي يقوم بتغيير هذه الملامح من خلال هدم البيوت وتهجير غالبية السكان وتوسيع الطرق لتسهيل حركة الآليات العسكرية. وقال إن "مخيم جنين تحول من مخيم مكتظ متراص البيوت إلى حي في أطراف المدينة".

تغيير مفهوم الأمن

وشملت عمليات الهدم بيوتا ادعت السلطات الإسرائيلية أن الشبان المسلحين استخدموا هذه البيوت لأغراض الاختباء أو إخفاء أسلحة أو تركيب متفجرات.

أ ب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء، 7 يناير

وأعلن عدد من المسؤولين الإسرائيليين أن الهدف الرئيس لهذه العملية "تغيير مفهوم الأمن". ويقوم المفهوم الجديد على تشريد العائلات الفلسطينية التي قد تستخدم مناطقها هجمات مسلحة، وعدم الاكتفاء بهدم بيوت المشاركين في هذه العمليات، كما كان يجري سابقا.

ويرى كثير من السياسيين في السلطة الفلسطينية أن ما تسميه إسرائيل "تغيير مفهوم الأمن" ينطوي على أخطار كبيرة منها القيام بعمليات قصف جوي وهدم للمخيمات في الضفة الغربية من خلال القصف الجوي ومن قبل الدبابات في حال وقوع هجمات فلسطينية مستقبلية، وذلك على غرار ما جرى للتجمعات السكانية في قطاع غزة.

ما تسميه إسرائيل "تغيير مفهوم الأمن" ينطوي على القيام بقصف جوي وهدم للمخيمات في الضفة الغربية في حال وقوع هجمات فلسطينية مستقبلية، وذلك على غرار ما جرى في قطاع غزة

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في اليوم الخامس والثلاثين من العملية عن إدخال سرية من الدبابات إلى مخيم جنين لإقامة نقاط عسكرية ثابتة في المخيم.

وفيما يشبه قطع الشك باليقين، قال كاتس في تصريحات صحافية، إن جيشه قام بترحيل حوالي 40 ألف مواطن من سكان مخيمات شمال الضفة الغربية، وأنه لن يسمح لهم بالعودة إلى هذه المخيمات ضمن خطة قال إنها تهدف إلى ما أسماه "منع نمو الإرهاب". وزاد أن هذه الدبابات ستقيم نقاطا عسكرية دائمة لها في المخيمات.

خطة الحسم

هناك قلق كبير يساور الفلسطينيين على مستقبل الضفة الغربية، مع هذه الإجراءات الإسرائيلية، وبعضها غير مسبوق، مثل هدم أجزاء كبيرة في المخيمات، كما يحدث في مخيم جنين وغيرها من مخيمات شمال الضفة الغربية، وهدم مبانٍ وتجمعات سكانية في المناطق الريفية مثل قرية النعمان قرب بيت لحم التي أصدرت السلطات الإسرائيلية قرارا بهدم جميع بيوتها ومبانيها، وعددها 45 بيتا ومبنى في الشهر الأخير.

يرى كثير من الفلسطينيين أن إسرائيل تتجه، في هذه الحرب، لتطبيق برنامج رئيس حزب "الصهيونية الدينية" بتسلئيل سموتريتش المسمى "خطة الحسم" وذلك بفرض السيطرة الإسرائيلية كاملة على الضفة الغربية، وسجن الفلسطينيين داخل تجمعاتهم السكانية وفق نظام الكانتونات.

وفي لقاء له مع عدد من الصحافيين الأجانب، مؤخرا، اعترف بتسلئيل سموتريتش، أن أحد أهداف العملية العسكرية الحالية الجارية في شمال الضفة الغربية هو تهجير الفلسطينيين. وقال في هذا اللقاء الذي جرى وفق قاعدة "معلومات خلفية ليست للنشر": "سياسة التضييق على الفلسطينيين تهدف إلى تهجيرهم من أرض إسرائيل"، حسب تعبيره.

يرى كثير من الفلسطينيين أن إسرائيل تتجه، في هذه الحرب، لتطبيق برنامج رئيس حزب "الصهيونية الدينية" بتسلئيل سموتريتش المسمى "خطة الحسم"

ويرى محافظ طولكرم عبد الله كميل أن الحملة الإسرائيلية تهدف إلى هدم المخيمات التي ظلت منذ النكبة عام 1948 تجسيدا حيا لقضية اللاجئين. ويشير إلى أن هذه الحملة على المخيمات ترافقت مع قيام إسرائيل بإغلاق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) التي تشكل شاهدا دوليا على قضية اللاجئين الفلسطينيين.

آخر فصول الحرب على المخيمات كان قرار الجيش الإسرائيلي إدخال وحدات من الدبابات إلى مخيم جنين في اليوم الرابع والثلاثين من العملية العسكرية.

ويرى اكثيرون في ذلك مؤشرا على توجه الحكومة الإسرائيلية الرامي إلى هدم المخيمات على غرار ما جرى في قطاع غزة. وقال محافظ جنين: "من الواضح أن لهذه الدبابات مهمة واحدة هي هدم المخيم، فلا يوجد مسلحون ولا توجد قوات فلسطينية ولا توجد ميادين قتال تستلزم دخول هذه الدبابات، فمساحة مخيم جنين لا تزيد عن نصف كيلومتر مربع، والجيش يسيطر عليه بالكامل بعد أن أخلاه من سكانه، والغرض الوحيد لإدخال الدبابات هو هدم المخيم وربما يتم ذلك بصورة تدريجية".

أ.ف.ب
رجل يمشي أمام جرافيتي حول إعادة إعمار غزة، على جزء من الجدار العازل الإسرائيلي، في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة في 12 فبراير

وترافقت العملية العسكرية هذه مع إقامة بوابات حديدية وإغلاقات صخرية وحواجز عسكرية على مداخل مختلف القرى والمدن في الضفة الغربية، وفرضت قيودا شديدة على الحركة. فالقادم من مدينة أريحا إلى رام الله، على سبيل المثال، عليه اجتياز عدة حواجز عسكرية وبوابات، ما يجعل الرحلة التي يتخللها انتظار لساعات طويلة على الحواجز، بالغة الصعوبة.

وأدت القيود المفروضة على حركة المواطنين إلى إصابة حركة الأفراد والسلع بشلل كبير. ويبين تقرير أخير للسلطة الفلسطينية أن عدد الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية وصل إلى 900 حاجز وبوابة.

وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول تهجير سكان قطاع غزة إلى الأردن ومصر لتشعل حماسة القادة الإسرائيليين لتهجير ليس فقط سكان غزة بل أيضا سكان الضفة الغربية البالغ عددهم في كلتا المنطقتين أكثر من 5 ملايين نسمة.

وتعد سياسة التهجير من أبرز ملامح سياسة قوى اليمين الجديد في إسرائيل مثل "الصهيونية الدينية" و"عظمة يهودية" وأجزاء كبيرة من حزب "الليكود" الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى تسريع عمليات التوسع الاستيطاني وهدم المنازل في الضفة الغربية. وترافقت هذه السياسة مع حملات اعتداء منظمة قامت بها ميليشيات المستوطنين من بينها ترحيل أكثر من 28 تجمعا سكانيا في التجمعات النائية

وشهد العام الأخير تصعيدا في الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي يرى فيها الكثير من المراقبين وسيلة للضغط على الفلسطينيين من أجل الهجرة الطوعية. فالي جانب عمليات القتل الجماعي وتدمير المنازل والمدارس والجامعات وغيرها من مقومات البقاء في غزة، عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى تسريع عمليات التوسع الاستيطاني وهدم المنازل في الضفة الغربية. وترافقت هذه السياسة مع حملات اعتداء منظمة قامت بها ميليشيات المستوطنين من بينها ترحيل أكثر من 28 تجمعا سكانيا في التجمعات النائية، وحرق بيوت ومحال تجارية وسيارات، واعتداءات جسدية وغيرها. وألغت الحكومة الإسرائيلية، مؤخرا، قرارات قضائية بتوقيف عدد من المستوطنين الذين أوقفوا على خلفية قتل فلسطينيين أو تدمير ممتلكاتهم. ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية خبرا مفاده أن مستوطنا أوقف على خلفية قيامه بقتل مواطن فلسطيني أثناء قيامه بقطف الزيتون مع أبناء عائلته في قرية الساوية شمال رام الله، قد أطلق سراحه وانضم إلى الجيش وقتل أثناء الحرب في لبنان.

عادة ما تشكل البؤر الاستيطانية الجديدة أنوية لمستوطنات كبيرة قادمة. وأقيمت 7 بؤر استيطانية منها في المنطقة "ب" الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية وهي خطوة غير مسبوقة منذ اتفاق أوسلو عام 1993

وشملت عمليات التوسع الاستيطاني إقامة 60 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية في العام الأخير إلى جانب توسيع المستوطنات القائمة بعشرات آلاف الوحدات السكنية الجديدة. وعادة ما تشكل البؤر الاستيطانية الجديدة أنوية لمستوطنات كبيرة قادمة. وأقيمت 7 بؤر استيطانية منها في المنطقة "ب" الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية وهي خطوة غير مسبوقة منذ اتفاق أوسلو عام 1993.

وأظهر تقرير أخير لحركة السلام الآن الإسرائيلية أن عدد المستوطنات الإسرائيلية الصغيرة والكبيرة في الضفة الغربية وصل إلى 350 مستوطنة يضاف إليها 15 مستوطنة كبيرة في أراضي القدس الشرقية المحتلة تطلق عليها إسرائيل اسم "أحياء" وليس مستوطنات.

font change