حرب أوكرانيا... محادثات السلام كبديل "موضوعي" عن حسم الصراع

يفكر الزعماء الأوروبيون في كيفية الحفاظ على دعمهم لكييف إذا تخلت واشنطن عن دعمها لها

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نهاية المؤتمر الصحفي المشترك في البيت الأبيض، واشنطن في 24 فبراير 2025

حرب أوكرانيا... محادثات السلام كبديل "موضوعي" عن حسم الصراع

بعد مرور ثلاث سنوات على إطلاق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما أسماه "العملية العسكرية الخاصة" لغزو أوكرانيا، بات واضحا أن أيا من الجانبين غير قادر على تحقيق نصر حاسم في الميدان. فبوتين، الذي كان يحلم بنصر سريع عندما شن الغزو الروسي في فبراير/شباط 2022، لم يقترب حتى من تحقيقه. والحرب التي كلفت مئات الملايين من الدولارات وأسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح بين صفوف الجانبين تحولت إلى حرب استنزاف مضنية لكل من روسيا وأوكرانيا.

وعلى الرغم من أن روسيا ما زالت تحتل حوالي 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية في شرق وجنوب البلاد، تسبب تقدمها على الأرض بآلام كبيرة لها، فالتقدم الذي حققته كان متواضعا جدا بالقياس إلى الخسائر الفادحة التي تكبدتها. وتشير أحدث تقديرات الاستخبارات الغربية إلى أن موسكو فقدت أكثر من 850 ألف جندي في أرض المعركة خلال السنوات الثلاث الماضية من المعارك الضارية. كما أثرت الحرب بشكل كبير على القوة العسكرية الروسية، مع تقديرات لمسؤولين أميركيين بأن الروس خسروا أكثر من 9000 دبابة ومركبة مدرعة منذ بدء العدوان. وفي الوقت نفسه، كان للعقوبات الغربية تأثير كبير على الاقتصاد الروسي، حيث أدت تكاليف تمويل الحرب إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوى لها منذ عقدين بنسبة 21 في المئة هذا الشهر.

وكان للحرب تأثير مدمر على أوكرانيا أيضا، حيث كشف الرئيس فولوديمير زيلينسكي في وقت سابق من هذا الشهر أن أكثر من 46 ألف جندي أوكراني قتلوا خلال السنوات الماضية، وأصيب 390 ألفا آخرون. وأدى القصف الصاروخي الروسي المستمر للبنية التحتية المدنية الأوكرانية الرئيسة، مثل شبكة الكهرباء في البلاد، إلى فرار أكثر من 14 مليون شخص من منازلهم- أي ما يقرب من ثلث إجمالي سكان أوكرانيا، مع لجوء ما يقدر بنحو ستة ملايين أوكراني إلى أوروبا.

ولكن، على الرغم من هذه الخسائر، حققت القوات الأوكرانية بعض الإنجازات اللافتة في ساحة المعركة، حيث استعادت السيطرة على مدينتي خيرسون وخاركيف الاستراتيجيتين، بينما كبّد استهدافها المستمر لمسرح العمليات البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم أسطول البحر الأسود الروسي خسائر فادحة. والأهم من ذلك، استطاع الأوكرانيون الاستيلاء على أراضٍ في منطقة كورسك الروسية. وهي المرة الأولى التي تفقد فيها روسيا جزءا من أراضيها لصالح قوة أجنبية منذ الحرب العالمية الثانية.

في ظل انعدام قدرة الروس أو الأوكرانيين على تحقيق تقدم ملموس في ساحة المعركة، فإن التصريحات حول الدعم الغربي المستمر ستكون محل ترحيب كبير عند زيلينسكي

ودفعت الإنجازات التي حققتها أوكرانيا خلال السنوات الثلاث الماضية زيلينسكي إلى تمجيد "البطولة المطلقة" التي أظهرها الشعب الأوكراني عندما أحيت البلاد الذكرى الثالثة للغزو الروسي، حين كتب على منصة "إكس": "ثلاث سنوات من المقاومة... ثلاث سنوات من الامتنان... ثلاث سنوات من البطولة المطلقة للأوكرانيين... أنا فخور بأوكرانيا". وأردف تغريدته بمقطع فيديو يظهر مشاهد من جبهات القتال وأخرى لمدنيين أوكرانيين يدعمون المجهود الحربي خلال الصراع الطاحن.

وأضاف: "أشكر كل من يدافع عن أوكرانيا ويدعمها، وكل من يعمل من أجلها، راجيا أن تبقى ذكرى كل من ضحى بحياته من أجل دولتنا وشعبنا خالدة".

وشهدت الذكرى الثالثة للصراع أيضا توافد أكثر من اثني عشر زعيما غربيا إلى كييف لإظهار دعمهم والتزامهم بالوقوف مع أوكرانيا، حيث تعهد الكثير منهم بتقديم المزيد من المساعدات العسكرية للقوات الأوكرانية التي ترزح تحت ضغوط جمة. وكان بين الوافدين بعض من أهم داعمي أوكرانيا، وفي مقدمتهم قادة الاتحاد الأوروبي ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو الذين وصلوا إلى كييف بالقطار، بينما تحدث آخرون أيضا عبر بث فيديو مباشر في مؤتمر خاص.

وحذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، خلال المؤتمر الذي انعقد في كييف، من أن نتيجة الصراع النهائية قد تحمل تأثيرا بالغ الأهمية على الأمن العالمي. وأوضحت أن "المستبدين في مختلف أنحاء العالم يراقبون عن كثب ما إذا كان ثمة مجال للإفلات من العقاب في حال أقدم أحدهم على انتهاك الحدود الدولية أو غزو جاره، أم أنه سيواجه ردعا حقيقيا".

وفي ظل انعدام قدرة الروس أو الأوكرانيين على تحقيق تقدم ملموس في ساحة المعركة، فإن التصريحات حول الدعم الغربي المستمر ستكون محل ترحيب كبير عند زيلينسكي، لأسباب تأتي في مقدمتها التعليقات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الصراع. 

وبعد الدعم القوي الذي قدمته إدارة بايدن السابقة لأوكرانيا، تدهورت العلاقات بين واشنطن وكييف في الآونة الأخيرة في أعقاب تصريحات ترمب التي حملت جرعة مكثفة من الانتقاد، وفيها أدان زيلينسكي لكونه "ديكتاتورا"، وزعم أن أوكرانيا هي المسؤولة عن بدء الحرب في المقام الأول.

يبذل كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، جهودا مبدئية لإقناع ترمب بتبني لهجة دبلوماسية أكثر بشأن القضية الأوكرانية

كما أشار ترمب إلى استعداده لإنهاء العزلة الدبلوماسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بوتين منذ ثلاث سنوات، وفي الوقت نفسه استبعد احتمال السماح لأوكرانيا بالانضمام إلى حلف "الناتو". كما دعا أوكرانيا إلى تبني موقف أكثر واقعية في أي محادثات سلام مستقبلية، محذرا من أن كييف ليس من المرجح أن تستعيد الأراضي الواقعة بالفعل تحت الاحتلال الروسي.

وقد أثارت تعليقات ترمب الصريحة بشأن الصراع في أوكرانيا مخاوف جدية بين القادة الأوروبيين من أن إدارته تسعى إلى إبرام صفقة مع موسكو لإنهاء الصراع دون التشاور مع أوكرانيا أو مع حلفائها الأوروبيين بما يرضي كافة الأطراف. وعلى هذا، يفكر الزعماء الأوروبيون بجدية في كيفية الحفاظ على دعمهم لأوكرانيا إذا تخلت واشنطن عن دعمها لها.

ويبذل كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، جهودا مبدئية لإقناع ترمب بتبني لهجة دبلوماسية أكثر بشأن القضية الأوكرانية. وقد التقى ماكرون بترمب في البيت الأبيض الإثنين الماضي حيث عبر عن أمله في تدخل أميركي "قوي" لضمان السلام في أوكرانيا، وشدد على "ضرورة مشاركة" أوكرانيا في المحادثات لإنهاء الحرب، كما أكد ماكرون لترمب استعداد أوروبا لـ"تعزيز" دفاعها. كما يزور ستارمر واشنطن هذا الأسبوع لإجراء محادثات مع إدارة ترمب.

وقال ستارمر، قبيل زيارته، إن "أصوات" الأوكرانيين "يجب أن تكون في صميم الجهود المبذولة من أجل السلام"، ولكنه أقر بأن تدخل ترمب "غيّر الحوار العالمي"، و"خلق فرصة".

أ.ف.ب
خلال احياء الذكرى الثالثة للغزو الروسي لأوكرانيا أمام النصب التذكاري المؤقت للمقاتلين الذين سقطوا في ساحة الاستقلال في كييف، في 24 فبراير 2025

وفي هذه الأثناء، أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يوم الأحد، أنه سيدعو إلى عقد قمة طارئة لزعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل في السادس من مارس/آذار، مع وضع أوكرانيا على رأس جدول الأعمال. وقال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "إننا نعيش لحظات مصيرية بالنسبة لأوكرانيا والأمن الأوروبي".

ومع دخول الصراع في أوكرانيا عامه الرابع، أصبح الاهتمام الدبلوماسي الرئيس الآن منصبا على إمكانية إنهاء الحرب من خلال محادثات السلام بدل الانتظار إلى أن يتمكن أحد المتحاربين من حسم هذا الصراع.

font change