في أعماق الفضاء، حيث تشتد الحرارة وتتصاعد الرياح الشمسية بسرعة هائلة، يشق مسبار "باركر" الشمسي طريقه بشجاعة نحو أحد أعظم أسرار الكون: الشمس. يغامر المسبار في بيئة قاسية لم تكن البشرية قد اقتربت منها من قبل، حاملا معه آمال العلماء في فك شيفرة الظواهر الشمسية التي تؤثر على كوكبنا وعلى مستقبل استكشاف الفضاء.
في نهاية العام الماضي؛ حقق المسبار إنجازا تاريخيا بعد نجاحه في الوصول إلى أقرب نقطة من الشمس على الإطلاق؛ بعد أن مر على بعد 3.8 مليون ميل (6.1 مليون كيلومتر) فقط من سطح الشمس... لكن مستقبل ذلك المسبار لا يزال يحمل الكثير رغم اقتراب الموعد الرسمي لانتهاء مهمته.
الشمس محور اهتمام الحضارات
لطالما كانت الشمس محور اهتمام البشرية منذ آلاف السنين. بدءا من الحضارات القديمة التي سجلت كسوف الشمس على ألواح حجرية، مرورا بعلماء عصر النهضة الذين استخدموا التلسكوبات لرصد البقع الشمسية، ووصولا إلى الأقمار الصناعية التي التقطت الجسيمات الشمسية التي تتدفق عبر الفضاء.
واجه كل جيل حدود أدواته، فقام بابتكار أدوات جديدة، مما أدى إلى ظهور أسئلة علمية جديدة. اليوم، يمكننا أن نرى أن أبحاث الشمس الحديثة لا تزال تستمد جذورها من جهود العلماء الأوائل الذين كانوا حرصاء على فهم أقرب النجوم إلينا.
قبل اختراع التلسكوبات بوقت طويل، كان البشر يراقبون الشمس ويسجلون ملاحظاتهم. في عام 1375 قبل الميلاد، استخدم البابليون ألواحا حجرية لتسجيل كسوف الشمس. وفي عام 800 قبل الميلاد، سجل علماء الفلك الصينيون القدماء أولى ملاحظات للبقع الشمسية في كتاب "التغيرات". وفي عام 150 للميلاد، كتب كلوديوس بطليموس كتاب "المجسطي"، الذي وصف فيه نموذجا للكون تدور فيه الشمس والكواكب والنجوم حول الأرض. وفي عام 1543، نشر نيكولاس كوبرنيكوس كتاب "دوران الأجرام السماوية"، الذي قدم فيه نموذجا جديدا وضع الشمس في مركز النظام الشمسي، وليس الأرض.