"ملفات بيبي"... وثائقي يكشف حجم فساد نتنياهو وزوجته عاشقة الهدايا

مهندس الفوضى الذي يقود إسرائيل معه إلى الهاوية

IMDB
IMDB

"ملفات بيبي"... وثائقي يكشف حجم فساد نتنياهو وزوجته عاشقة الهدايا

من إنتاج أميركي وإخراج صانعة الأفلام الوثائقية ألكسيس بلوم، يأتي فيلم "ملفات بيبي" Bibi Files الذي ينفرد باستخدام مقاطع فيديو مسربة للتحقيقات التي تجري في إسرائيل ضد نتنياهو، بدءا من عام 2019، على خلفية اتهامه بالفساد، وخيانة الأمانة، من بين تُهم أخرى.

مسألة المقاطع المسربة هي بلا شك نقطة الجذب الأولى في فيلم ينطلق من حكايات عن الهدايا التي يطلبها "بيبي" بنيامين نتنياهو (كما يناديه المقربون) وزوجته سارة من مجموعة رجال الأعمال المحيطة بهما، هدايا تبدأ بالساعات وزجاجات الشمبانيا والسيجار الكوبي، ولا تنتهي بالمجوهرات. يرى الصحافي الاستقصائي رفيف دركر، وهو أحد منتجي الفيلم، أن "بيبي" يسعى إلى جمع أكبر عدد ممكن من رجال الأعمال "الشوغر داديز" في دائرته، كي يدللوه هو وزوجته، في مقابل تقديم خدمات هنا وهناك، كتأخير موعد دفع الضرائب، أو كالتوسط لإصدار تأشيرة سفر لرجل الأعمال الإسرائيلي الهوليوودي أرنون ميلشان، بعد أن أدت بعض تصريحاته المتباهية إلى استفزاز الأميركيين ومعاقبته بعدم منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة.

للوهلة الأولى، قد يبدو موضوع فيلم "ملفات بيبي" مغرقا في المحلية، يخص أموال الإسرائيليين وحياتهم الاقتصادية أكثر مما يخص سواهم. إلى جانب المشاهد المسربة من التحقيقات المسجلة مع نتنياهو، يقدم الفيلم شهادات من أشخاص كانوا مقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، مثل صديق طفولته أوزي بيلر، أو من أشخاص عملوا معه لفترة، كمدير حملته الانتخابية نائير حفيتز أو ميني نافتالي الذي اشتغل زمنا في بيته، مما جعله مقربا من الأسرة عارفا أسلوب حياتها وأسرارها التي تؤثر على الحياة العامة في إسرائيل. هذه الشهادات مع التحليلات التي يقدمها مراقبون ومحللون إسرائيليون، تعطي صورة عن تأثير حالة تضخم الذات التي يعيشها نتنياهو وأسرته على استمرار حرب غزة، التي يبدو وفقا لوجهة نظر الفيلم أنها لن تتوقف قريبا ما دامت تخدم بقاء نتنياهو في السلطة من جهة، وترجئ صدور قرار نهائي في التحقيقات التي كانت ينبغي أن تدفع "بيبي" إلى تقديم استقالته. لكنه لشعوره بالعظمة وأنه "فوق كل شيء، وفوق كل مساءلة"، لم يفعل، كما يعلق رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت.

يسعى "بيبي" إلى جمع أكبر عدد ممكن من رجال الأعمال في دائرته، كي يدللوه هو وزوجته، في مقابل تقديم خدمات لهم

هكذا يصبح الفيلم الذي يبدأ بتناول موضوع محلي يخص الإسرائيليين، مهما لنا نحن العرب أيضا، إذ يعيننا على فهم أسباب صعود اليمين المتطرف في إسرائيل، بالتوازي مع صعوده في أميركا، بما يخدم أصحاب السلطة ربما حتى قبل أن يخدم بلادهم. 

عيوب الشخصية

استنادا إلى مقاطع فيديو موثقة من مسيرته السياسية، وصور شخصية خاصة، وحوارات مع المراقبين، يرسم الفيلم صورة لنتنياهو باعتباره بطلا تراجيديا. هو الذي حقق انتصارات سياسية لم يحققها أحد من قبله في إسرائيل، أصبح يرى نفسه "واحدا هو والدولة"، كما يقول نمرود نوفيك، ومن هنا بدأ سقوطه، الذي يهدد بسقوط الدولة أيضا. لقد صار بالنسبة إلى نفسه نوعا من "داوود ملك اليهود"، ولا يصح لأحد أن يوجه اليه أي نوع من الاتهامات، لأنه يراها "اتهامات للديمقراطية الإسرائيلية" التي يحافظ عليها، ويعد نفسه حاميها الأول. حين ظهرت له مبكرا فضيحة "الشريط الساخن"، التي كادت تعصف بمستقبله السياسي، وكان آنذاك لا يزال رئيسا لحزب الليكود، ردد نتنياهو الدفاع ذاته. زعم أن من سرب هذا الشريط الجنسي، الذي يقول رفيف دركر: "إن أحدا لم يشاهده، لكنه صار حديث الشارع الإسرائيلي مع ذلك"، أراد النيل من الديمقراطية الإسرائيلية، في لحظة تواجه فيها إسرائيل أعداءها. منذ ذلك الوقت، لم يتوقف نتنياهو عن ربط وجوده بوجود إسرائيل نفسها.

نراه في التحقيقات يبرر لنفسه الحصول على بعض الهدايا، ثم يدعي نسيانه الحصول على بعضها الآخر، على الرغم من اتفاق الدائرة المحيطة به على تحليه بقوة الذاكرة. بدا نتنياهو هادئا ظاهريا، مبتسما أحيانا، وهو يواجه الاتهامات، إلى أن يضرب على الطاولة قائلا في لهجة مسرحية: "إنها باطلة، كلها باطلة". أما زوجته سارة، فظهرت أشد انفعالا وغضبا، وهي تقول مصدقة في تسجيلات أخرى مسربة للتحقيقات معها إن زوجها: "أهم رئيس وزراء حظيت به إسرائيل، وليس هكذا ينبغي أن يردوا له الجميل". إنها التي ساندته خلال فضيحة الشريط الجنسي في التسعينات، وهي التي ظهرت معه علنا بعد ذلك، حين فاز في انتخابات الحزب، واستحقت لهذا امتنانه العلني لها وقبلة على جبينها. ربما لهذه الأسباب تشعر سارة باستحقاقها ما تحصل عليه من هدايا.

EMMANUEL DUNAND / AFP
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، يلوّح لأنصاره في مقر حملة الحزب بالقدس

يزعم المراقبون في الفيلم أن نتنياهو، ليس وحده مَنْ يحكم إسرائيل، بل سارة كذلك، وهذا ما يخلق المزيد من الأزمات في الحياة العامة الإسرائيلية. خلال أزمة الرهائن الإسرائيليين عند "حماس" بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، حاول عدد من أفراد عائلات الضحايا الحصول على تعاطف سارة، كي تؤثر على نتنياهو، وتدفعه إلى إيقاف الحرب التي تؤخر بالضرورة رجوع الرهائن، لكن بلا جدوى. 

يعيننا الفيلم على فهم أسباب صعود اليمين المتطرف في إسرائيل، بالتوازي مع صعوده في أميركا، بما يخدم أصحاب السلطة

يرى نمرود نوفيك أن نتنياهو لم يبدأ حياته السياسية منتهجا أساليب اليوم الفاسدة ولا حتى استقطابه اليمين المتطرف لتشكيل الحكومة. في شبابه تأثر بوفاة شقيقه يوني الذي يخدم في الجيش، وعلقت العائلة آمالها على الشقيق الأصغر "بيبي" في تعويض فقدان الأخ، وتحقيق ثأر له بصورة ما، مما دفع نتنياهو إلى الانخراط في السياسة وبلوغ "تلك القمم التي لم يبلغها من قبله أحد في إسرائيل". غير أن فوزه في انتخابات 2015، كانت نقطة التحول، إذ شعر بعدها "بيبي" بأنه محمي، وبأن شيئا لن يعترض طريقه إلى حد أنه بدأ يفكر كما أخبر صديق طفولته أوزي بيللر، في إعداد ابنه يائير لقيادة إسرائيل من بعده. هنا بدأت تظهر عيوب شخصيته على حد وصف نمرود، من حبه للرفاهية والتدليل. هذا الشعور الفوقي بالحصانة، يبرر أن نتنياهو لم يقدم استقالته، حين بدأت محاكمته عام 2019 كما يفعل عادة موظفو الحكومة الذين يواجهون بهذا النوع من الاتهامات.  

Rami Shlush/Pool via REUTERS
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة

أصدقاء الأمس

لعل السؤال المنطقي الذي يرد إلى الذهن مع الاستماع إلى هذه الشهادات المقربة هو لماذا تخلى هؤلاء عنه؟ لماذا خانوه إلى حد إفشاء أسراره في فيلم سيزيد الطين بلة على مستوى سمعته السياسية؟ والإجابة يقدمها صراحة صديقه أوزي، ويقدمها الآخرون ضمنا، ألا وهي التأثير السلبي المتزايد على المجتمع الإسرائيلي لعناد نتيناهو وبقائه في السلطة وتشكيله حكومة من اليمين المتطرف تدعم الإرهاب ضد الفلسطينيين وبناء المستوطنات بالقوة، علاوة طبعا على الحرب البشعة التي يشنها على غزة، والتي لا يريد لها نهاية. ويذهب أحد المعلقين في الفيلم الى القول بأن نتنياهو "لم يخلق الوحش، لكنه يصر على تغذيته"، أي أنه يمنح "حماس" ما يجعلها قادرة على البقاء، ويعترف هو نفسه في أحد المقاطع المسربة للضباط في محاولة لاستمالتهم أنه "يجري اتصالات مع الأعداء، ويوجههم أحيانا لبعض التصرفات". لقد كان نتنياهو "يتصور أنه يستطيع التحكم في مستويات الحقد"، قبل أن يفاجأ بانفجارها في وجهه يوم 7 أكتوبر/تشرين الاول. لهذا يرى بعض المعلقين أن نتنياهو مسؤول حتى عن الهزيمة التي مُنيت بها إسرائيل في ذلك اليوم.

يزعم المراقبون في الفيلم أن نتنياهو، ليس وحده من يحكم إسرائيل، بل سارة كذلك، وهذا ما يخلق المزيد من الأزمات في الحياة العامة الإسرائيلية

إضافة إلى الإسرائيليين اليساريين الذين يقدم الفيلم وجهات نظرهم، ثمة ثلاث وجهات نظر تعطي بصورة أو بأخرى صوتا للفلسطينيين في هذا الشريط. أولا شهادة سامي أبو شحادة، العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي الذي يتحدث عن صعوبات عمله في جو يعبئه التطرف الإسرائيلي ضد كل ما هو فلسطيني. وشهادة المسعف بشار صادق معمر، الذي تحدث عن تأثير صعود المد اليميني في الإعلام والحياة العامة على ما يواجهه الفلسطينيون يوميا من اعتداء من جانب المستوطنين الإسرائيليين، وبلغ سوء الحال مرة أن أحدهم فتح النار على المسعفين الذين وصلوا لنجدة الضحايا ونقل الجثامين. ثم شهادة جيلي شوارتز، وهي شابة إسرائيلية ترفض سياسيات نتنياهو واحتكاره السلطة، ولا تخجل من أن تلخص ما حدث بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول على هذا النحو: "بدأ الأمر بمقتل جيراني في المستوطنة ووصل إلى مقتل جيراني في غزة. ما يحدث الآن ليس حلا عسكريا، إنه مجزرة".

بهذه الشهادات الأخيرة تخلق ألكسيس بلوم درجة من التوازن في فيلم "ملفات بيبي" الذي يعترف صنّاعه بأن تصويره لم يكن عملية سهلة. عُرض الفيلم للمرة الأولى في "مهرجان تورونتو الدولي"، وهو ممنوع من العرض في إسرائيل. اليوم يطالب الشباب الإسرائيليون ممن آمنوا بأهمية العمل وتحملوا مشقة إنتاجه، بدعم الفيلم عبر مشاهدته والنقاش حوله، لأنهم يرون أن نتنياهو صار خطرا لا على الشعب الفلسطيني فقط، إنما على إسرائيل كلها.   

font change