من غير الواضح حتى الآن كيف ستؤثر عودة دونالد ترمب إلى الرئاسة الأميركية على العلاقات السعودية- الأميركية، رغم أن أولويات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس ترمب يمكن أن تشير إلى بعض التحديات التي يجب مواجهتها. ومن السابق لأوانه الإشارة إلى توقع تحول في العلاقات السعودية- الأميركية، لكن من المفترض أن العلاقات ستتبع نهج التجربة السابقة في ولاية ترمب الأولى.
خلال فترة ولايته السابقة، شدد ترمب على خيار الدبلوماسية في العلاقات بين البلدين، وتوثيق وتعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية التي تركز على المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة. وشهدت العلاقات الثنائية توقيع صفقات أسلحة بمليارات الدولارات، وجهودا ثنائية لمواجهة النفوذ الإيراني، ودعما أميركيا لرؤية السعودية 2030. وقد تتجدد هذه الديناميكيات في فترة رئاسة ترمب الجديدة، مع التركيز على تعميق الروابط التجارية والاستثمارية والحفاظ على تعاون أمني قوي. ومع ذلك، فإن التحديات العالمية المتطورة والمتسارعة، بما في ذلك التحالفات الجيوسياسية المتغيرة، يمكن أن تؤدي إلى مسار مختلف للعلاقات الثنائية.
ومن المؤكد أن الظروف التي شكلت الأوضاع العالمية والإقليمية خلال ولاية الرئيس ترمب الأولى تختلف عن المشهد الجيوسياسي اليوم، ما يجعل من الصعب افتراض استمرار ترمب في نهجه القديم الذي كان يسير عليه في ولايته الأولى، حيث أعادت التغيرات العميقة التي شهدها المناخ السياسي الإقليمي والعالمي، تشكيل سياق السياسة الخارجية الأميركية، ما يستلزم إعادة النظر في التصدي للتحديات والفرص الناشئة. على الصعيد الإقليمي، وتتمثل التطورات منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعملية "طوفان الأقصى"، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والصراع الأوسع مع لبنان، فضلاً عن الهجمات العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران. كما أضافت التهديدات التي تشكلها جماعة الحوثي في اليمن على الأمن البحري الدولي، والتطورات الميدانية المستمرة في سوريا، تحديات شديدة التعقيد.
وفيما يتعلق بالشؤون الإقليمية ودور المملكة العربية السعودية، تتخذ المملكة نهجا لخفض التصعيد، واتباع الدبلوماسية النشيطة في هذا الاتجاه، وقد استخدمت المملكة هذا النهج حيال الكثير من القضايا في منطقة الشرق الأوسط، ومنها الحوار الدبلوماسي مع إيران، والامتناع عن التطبيع المحتمل مع إسرائيل من دون وجود مسار واضح للمضي قدما بشأن إقامة الدولة الفلسطينية، وجهود الوساطة في كثير من القضايا الأخرى.
وتقود المملكة هذه الجهود في إطار إعادة تقييم دورها القيادي الإقليمي الذي يقود إلى عمل دقيق من أجل تحقيق التعاون والتنمية وتخفيض حدة الصراعات. وفي هذا السياق أيضا، يشير الانخراط الدبلوماسي الاستباقي للمملكة العربية السعودية إلى سياسة خارجية مستقلة تختلف أحيانا عن أولويات الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن إدارة ترمب التي تبشر بفترة من الشراكة الاستراتيجية المتجددة، عليها التكيّف مع توجهات المملكة العربية السعودية الأكثر حزما وحرصا على مصالحها الوطنية ومكانتها العالمية واستقلالية قراراتها وحرصها على اتباع خط متوازن وحيادي في الصراعات الدولية. بينما يتناقض دعم ترمب السابق للسياسات التوسعية الإسرائيلية بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية وهو ما لا يتفق بشكل مباشر مع موقف المملكة العربية السعودية من حل الدولتين على أساس حدود عام 1967، وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
وإضافة إلى ذلك، تشير التعيينات في المناصب العليا التي أجراها الرئيس ترمب حتى الآن في إدارته، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والدفاعية والاستراتيجية إلى مزيد من الدعم للسياسات الإسرائيلية وأجنداتها التوسعية والاستيطانية. بل إن عددا من الذين يتوقع أن يشرفوا على سياسة الشرق الأوسط في الإدارة الأميركية هم من أشد المعارضين لحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين. كما يرفض معظمهم علنا مبدأ إقامة دولة فلسطينية مستقلة ولا يظهرون ميلا يذكر إلى الاعتراف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني أو دعمها. وتشير مؤشرات هذا التشكيل للإدارة الأميركية الجديدة إلى استمرار محتمل للسياسات التي تعطي الأولوية للمصالح الإسرائيلية، مما يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تحقيق نهج متوازن للسلام والاستقرار الإقليميين.
وتصر المملكة العربية السعودية على ضرورة الحل السياسي للقضية الفلسطينية باعتباره الوسيلة الأمثل لإنهاء دورة الصراع التي استهلكت جهود الشرق الأوسط على مدى العقود الماضية. وبالتالي فإن عدم رغبة ترمب في تغيير سياساته لاستيعاب المطالب السعودية يمكن أن يؤدي إلى تضارب توجهات الأولويات الأميركية- السعودية، حيث ستجد الرياض صعوبة في التنازل عن شروطها الأساسية للسلام، وغياب "حل فعال" يرضي الأطراف الثلاثة، لذلك يبدو أن الجمود مرجح بشكل متزايد.