على سبيل المثل، قد يظهر أصحاب هذه السمة عدم التسامح مع الفئات التي تخالف المعايير السائدة أو مع الأقليات، حيث يعتبرون أن بعض الفئات تهدد الاستقرار الاجتماعي. كما يفضلون المجتمعات المتجانسة ويشعرون بالراحة في البيئات التي يكون فيها الجميع ملتزمًا القيم نفسها، مما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بين الفئات المختلفة في المجتمع.
ويقول المؤلف الرئيس للدراسة لي دي ويت، رئيس مختبر علم النفس السياسي بجامعة كامبريدج، إن هذه النتائج تتماشى مع الدراسات السابقة، التي ترى أن الشعور بالتهديد يزيد الميل نحو السلطوية، مما يؤدي إلى تعزيز أهمية التمسك بالأعراف الاجتماعية، ومعاقبة من يخرج عليها، والتوجه نحو قيادة قوية.
وتلعب الثقافة دورًا محوريًا في تشكيل النزعة الاستبدادية. فالأفراد الذين ينشأون في مجتمعات تسود فيها قيم الاحترام الشديد للسلطة والتراتبية الاجتماعية يميلون أكثر الى تبني النزعة الاستبدادية. وقد تكون هذه النزعة نتيجة التنشئة التي يتعرض لها الفرد منذ الصغر، حيث يتعلم الانضباط والطاعة ويتربى على احترام القواعد ورفض التجاوزات. في المقابل، المجتمعات التي تشجع على حرية التعبير وتعزز الاستقلالية الفردية، غالبًا ما تنتج أفرادًا أقل استبدادية، يتمتعون بقدرة أكبر على تقبل الاختلافات والتنوع.
ورغم أن النزعة الاستبدادية قد تساهم في الحفاظ على النظام الاجتماعي والاستقرار، إلا أنها تشكّل أيضًا تحديات كبيرة، خاصة عندما تتحول إلى تطرف سياسي أو اجتماعي. إذ يميل أصحاب هذه النزعة إلى دعم القيود الصارمة التي تحد من الحريات الفردية، مما قد يؤدي إلى خلق بيئة تعادي التغيير وتحدّ من الإبداع والابتكار. كما قد يؤدي انتشار هذه النزعة إلى دعم توجهات معادية للديمقراطية، حيث يشعر الأفراد بأن السلطة الصارمة ضرورية لتحقيق الاستقرار، حتى وإن كانت على حساب حقوق الإنسان أو الحريات الشخصية.
شعار ترمب
"أجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، أحد الشعارات السياسية الأكثر شهرةً وإثارةً للجدال في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. استخدم هذا الشعار للمرة الأولى، الرئيس رونالد ريغان في حملته الانتخابية عام 1980، حيث كان يهدف إلى استحضار مشاعر الوطنية والتفاؤل، في وقت كان فيه الاقتصاد الأميركي يعاني من الركود التضخمي.
النائبة مارغوري تايلور غرين تؤدي "الموجة" مع المؤيدين قبل زيارة الرئيس المنتخب دونالد ترمب لمركز اقتراع في ولاية نيو هامبشاير الأميركية.
وكان الشعار بمثابة دعوة الى تجديد الاقتصاد الأميركي واستعادة الأمل، خاصة في المجتمعات التي كانت تعاني اقتصاديًا، بما في ذلك المناطق الحضرية الداخلية. وكان الهدف من الشعار أن تعود أميركا إلى عظمتها السابقة من خلال إنعاش صناعاتها، وتوفير فرص العمل، واستعادة مكانتها العالمية.
مع مرور الزمن، أحيا دونالد ترمب هذا الشعار واستخدمه بشكل بارز خلال حملته الانتخابية الناجحة عام 2016، ليصبح ذلك الشعار حجر الزاوية لهوية ترمب السياسية، حيث كان يظهر بوضوح على القبعات، واللافتات، ومواد الحملة الانتخابية.
أشارت الدراسة إلى أن الشعارات التي يرفعها ترمب، مثل "أجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، أثارت استجابة إيجابية قوية بين مؤيديه، حيث وافق 97% منهم على هذا الشعار، مقارنةً بـ 42% فقط من مؤيدي هاريس.
وقد لاقى الشعار صدى لدى جزء كبير من الناخبين، لا سيما أولئك الذين شعروا بأنهم مهمشون من التغيرات الاقتصادية، والعولمة، والتحولات الاجتماعية. فبالنسبة الى الكثيرين، كان الشعار يمثل العودة إلى زمن كان فيه الاقتصاد الأميركي والنسيج الاجتماعي أكثر استقرارًا، رغم أن الفترة التي كان يشير إليها الشعار كانت غير محددة بوضوح.
لكن بعض النقاد اعتبروا أن الشعار يحمل دلالات عنصرية، إذ يُستغل كأداة سياسية مشفرة تحفز مشاعر الحنين إلى فترة كانت فيها الهياكل العرقية والجندرية أكثر تماسكًا. وقد وصفه العديد من الأكاديميين والصحافيين بأنه "سياسة صفارة الكلاب"، أي أنه يستهدف شريحة معينة من المجتمع الأميركي تتوق الى العودة إلى زمن كانت فيه الأقليات العرقية والنساء والمهاجرون في وضعية هامشية.
إلى جانب تأثيره السياسي، تسلل شعار "أجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" إلى الثقافة الشعبية، حيث أصبح يستخدم في الفن، والترفيه، وفي العديد من النكات والانتقادات. استمر الشعار في أن يكون رمزًا للكثيرين من مؤيدي ترمب ومعارضيه على حد سواء، وبذلك أصبح يمثل أكثر من مجرد شعار انتخابي، ليصبح جزءًا من هوية سياسية وثقافية متجذرة في المجتمع الأميركي.
وتوضح الدراسة أن هذه الشعارات تستغل مشاعر الحنين إلى الماضي وتعبّر عن فقدان المكانة الذي يشعر به البعض، مما يساهم في تعزيز شعبية ترمب بين الناخبين الذين يرون في هذا الشعار تعبيرًا عن رغبتهم في استعادة مجد أميركا، ويعتبر خطاب ترمب المباشر تجاه مؤيديه عاملاً رئيسا في تعميق هذا الشعور وإبراز قلقهم تجاه المستقبل.
ورغم أن مؤيدي ترمب وهاريس يختلفون في استجابتهم لشعارات ترمب، إلا أن هناك شعارات تجمع الطرفين وتلقى قبولًا واسعًا، مثل شعار "لدينا ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا"، الذي حصل على تأييد 80% من مؤيدي ترمب و86% من مؤيدي هاريس.
ويرى الباحثون أن هذه الشعارات تعكس رغبة مشتركة في الوحدة والتضامن، وتخفف حدة الاستقطاب، حيث يبرز هذا التجاوب مع شعارات الوحدة رغبةً قوية بين الشعب الأميركي في الحفاظ على وحدة البلاد، بغض النظر عن الاختلافات السياسية.
ويقول دي ويت، إن جزءًا من جاذبية ترمب يكمن في قدرته على التعبير عن القيم التي تشعر فئة كبيرة من الناخبين بأنها مهددة. وأشار إلى أن هجمات الحزب الديمقراطي على مؤيدي ترمب، مثل وصف هيلاري كلينتون لهم بأنهم "البائسون"، أو تعليق بايدن الذي وصفهم بـ"القمامة"، عززت هذا الشعور لدى مؤيدي ترمب بأن قيم بلادهم واقتصادها في خطر.
التحليل التقليدي
لطالما اعتُبر التحليل السياسي التقليدي القائم على التقسيم الثنائي بين اليمين واليسار أداة رئيسة لفهم سلوك الناخبين وتوجهاتهم السياسية. كان هذا النموذج يسهل تصنيف الأحزاب السياسية، والشخصيات العامة، ومواقف الأفراد بناءً على مواقفهم من القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
مع ذلك، في العقود الأخيرة، أصبح هذا التحليل التقليدي غير كافٍ للتعامل مع تعقيدات المشهد السياسي الحالي، لا سيما في سياق الحركات الشعبية والأيديولوجيات الناشئة التي تتجاوز الحدود التقليدية للسياسة اليسارية واليمينية.