مذكرات
في كتابه "السكين: تأملات بعد محاولة اغتيال"، الصادر حديثا بالإنكليزية عن دار "راندوم هاوس" (وبترجمة فرنسية عن دار "غاليمار")، يروي رشدي محاولة الاغتيال تلك وتبعاتها على حياته. يمكن اعتبار هذا العمل فصلا جديدا، غير متوقع إطلاقا، من المذكرات التي نشرها الروائي البريطاني ذو الأصول الهندية عام 2012 في كتاب عنوانه "جوزيف أنطون"، فسرد فيه تفاصيل حياته خلال السنوات المديدة التي أمضاها مختبئا في حماية الشرطة البريطانية. رشدي لم يكتب تلك المذكرات إلا عندما تراءى له أن حياته لم تعد في خطر، ظانا أن القصة انتهت فصار يمكن روايتها، وهو ما قام به مستخدما ضمير الغائب بدلا من ضمير المتكلم، ربما لأن ذلك أتاح له تأمل ما عاشه من بعد، مثلما يتأمل الروائي مصائر شخصياته.
بعيد محاولة الاغتيال في "معهد تشوتاكوا"، نيويورك، 12 أغسطس/ آب 2022
أما بعدما مزق السكين جسده، جاعلا منه قطع لحم أعاد الجراحون إلصاق بعضها ببعض، فقد صارت المسألة مسألة شخصية لا بل حميمة لا تتيح أي تأمل من بعد، ولا يمكن تناولها – كما يقول رشدي – إلا باستخدام ضمير المتكلم. والمسألة هذه باتت حميمة لا لأنها تتمحور حول الجسد وآلامه فحسب، بل أيضا لأنها بدأت بما يشبه اللقاء الحميم: الثواني السبع والعشرون التي قضاها رشدي مع هادي مطر بينما كان الأخير يطعنه بالسكين، ثوان مرعبة يصفها بأنها "لحظة الحميمية الوحيدة التي عشناها معا. حميمية بين غريبين". ومن قد يتوهم أنها مدة قصيرة فما عليه سوى العد ببطء حتى الرقم 27 متخيلا سكينا لا تنفك تُغرز في جسده مرة تلو أخرى.
الغباء القاتل
من أهم الفوارق بين الشخصية الروائية الخيالية والشخص الحقيقي، هو أن سلوك الأولى وأفعالها ترتكز عادة على دوافع وميول يستطيع القارئ فهمها، من حيث المبدأ، أما سلوك الفرد في عالم الواقع فلا يتقيد بمثل هذا الشرط. لا يعني هذا أن أفعال الفرد الحقيقي لا دوافع لها، بل أن الغموض يكتنفها في أحيان كثيرة، فتبقى عصية على التفسير والإدراك. وهو ما لا يصح في الرواية، ذاك أن الشخصية الخيالية التي لا تفهم دوافع أفعالها وسلوكها إنما هي، في غالب الأحيان، دليل على خلل أو قصور في العمل الروائي، وهو ما يقصده القارئ حين يقول إن هذه الشخصية أو تلك غير مقنعة.
يقول سلمان رشدي إنه لو جعل من هادي مطر شخصية روائية، لوجهت إليه الانتقادات لكون هذه الشخصية غير مقنعة، إذ أنها تخطط لجريمة قتل وتقدم عليها بدم بارد، لا يدفعها إلى ذلك سوى قراءة الصفحات الثلاث الأولى من "آيات شيطانية"، ومشاهدة بضعة مقاطع فيديو على "يوتيوب" لمؤلف تلك الرواية.
حتى ما صرح به هادي مطر للصحافة الأميركية بعد توقيفه لا يسعف البتة في فهم دوافعه الحقيقية. في حديث الى صحيفة "نيويورك بوست"، يبدي إعجابه بالخميني، ثم يقول متكلما عن رشدي: "لا أستسيغ هذا الشخص. لا أعتقد أنه شخص جيد. لا أستسيغه. لا أستسيغه بالمرّة. اعتدى على الإسلام. اعتدى على معتقدات المسلمين". ثم يصفه بالمنافق قائلا: "لا أحب الأشخاص المنافقين مثله". هذا تقريبا كل شيء في ما يخص الدوافع.
ولد هادي مطر في كاليفورنيا لوالدين هاجرا من بلدة يارون جنوب لبنان، ثم انفصلا لاحقا، فعاد الأب إلى بلدته اللبنانية، في حين انتقلت الأم وأولادها الثلاثة من كاليفورنيا إلى نيوجيرسي. تقول والدة مطر إن ابنها تغير بعد عودته من رحلة قصيرة إلى لبنان لزيارة والده في عام 2018، فصار كثير الانزواء يكاد لا يغادر قبو المنزل، ينام نهارا ويصحو ليلا ويعدّ طعامه بنفسه.
من المحتمل، إذن، أنه أصبح متطرفا دينيا، لكن حتى هذا لا يفسّر شيئا. لماذا اختار قتل سلمان رشدي تحديدا، وليس شخصا آخر؟ فلو كان التطرف الديني دافعا كافيا لذلك، لتقاطر الألوف من المسلمين المتطرفين لقتله.
هذه عينة من التساؤلات التي يطرحها رشدي على نفسه، ولا يجد لها أجوبة. يفكر أنه ربما يجدر به طلب لقاء هادي مطر في السجن، عله يحصل منه على جواب ما، ثم يعدل بسرعة عن ذلك، إذ يتخيل أن هذا الشاب، إذا رضي بأن يكلمه، فلن تخرج من فمه سوى جمل قصيرة وغير مترابطة، جمل فارغة وبلهاء كتلك التي أدلى بها للصحافة ("لا أستسيغه كثيرا"، "إنه منافق"، "اعتدى على المسلمين"... إلخ).