التقيت بايدن مؤخرا... وهذا تقييمي كطبيب لحالته الصحية

يرى عدد من أطباء الأعصاب أنه يجب أن يخضع لفحص عصبي أكثر شمولا

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي جو بايدن يسعل في مؤتمر صحفي خلال قمة الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيس "الناتو"، في واشنطن، 11 يوليو

التقيت بايدن مؤخرا... وهذا تقييمي كطبيب لحالته الصحية

بعد المناظرة الرئاسية الأميركية الكارثية قبل أسبوعين، أجريت محادثة مع والديّ في سوريا على الهاتف، وهما مدرسان متقاعدان للمرحلة الابتدائية وفي الثمانينات من عمرهما. ولكونهما من المتابعين بتوجس للأخبار الدولية والسياسة الأميركية مثل كثير من السوريين والعرب، أعربت والدتي عن استغرابها بسبب افتقار الرئيس بايدن إلى التماسك أثناء المناظرة. وقالت: "بالرغم من أنني قد لا أتفق مع سياسات ترمب، فإنه تواصل بشكل أفضل خلال المناظرة. على الأقل كنا قادرين على فهم وجهات نظره. أما بالنسبة لبايدن، فقد كان من الصعب فهم رسالته".

بعد عودتي من مهمة طبية في غزة، التقيت الرئيس بايدن في الثاني من أبريل/نيسان من هذا العام لإطلاعه على الأزمة الإنسانية هناك.

كان فريقنا المكون من ستة أميركيين مسلمين من القادة والعاملين في المجال الإنساني قد دُعي لعقد اجتماع خاص مع الرئيس ومع نائبته هاريس وفريق الأمن القومي في البيت الأبيض. واستمر اللقاء لمدة ساعة ونصف الساعة.

عندما كنت أعمل في غزة كجزء من مهمة طبية رتبت لها منظمة "ميد غلوبال" الطبية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، قطعت وعدا للزملاء والمرضى الفلسطينيين بإيصال أصواتهم إلى أعلى المستويات في حكومة الولايات المتحدة.

وفي اجتماع البيت الأبيض، ناشد فريقنا المكون من ثلاثة أطباء يمثلون منظمتي (ميد غلوبال)، الرئيس بايدن بإلحاح لوقف الحرب والهجمات على المستشفيات، وزيادة المساعدات الإنسانية، ومنع الهجوم الإسرائيلي المدمر على رفح.

وقدمت صورا تُدمي القلب لأطفال يخضعون للإنعاش على أرضية غرفة الطوارئ بمستشفى ناصر في خان يونس، حيث عملت مع فريق "ميد غلوبال" ونظرائنا الفلسطينيين.

في أعقاب المناظرة، قدم البيت الأبيض وبعض أنصار الرئيس بايدن تفسيرات مختلفة لأدائه الضعيف بهدف قمع الدعوات المتزايدة له بالانسحاب من الانتخابات المقبلة

وعلى الرغم من اعتراف الرئيس بايدن بقسوة الوضع وتأكيده لنا على الجهود التي يبذلها للتفاوض من أجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار وتأمين إطلاق سراح الرهائن، فإنني شعرت بأن التعاطف الذي أظهره لم يكن بالمستوى الذي تستدعيه تلك اللحظة. لكنه مع ذلك أكد التزامه بالضغط على إدارة نتنياهو لتغيير أفعالها وحماية المدنيين.
أخبرت الرئيس بايدن بأن إرثه سوف يتحدد من خلال أفعاله حيال غزة، مثلما تأثر إرث الرئيس أوباما بتقاعسه عن التحرك في سوريا.
بدا الرئيس بايدن ضعيفا من الناحية الجسدية، بالرغم من أنه بدا أقوى مما كان عليه خلال المناظرة. كان صوته ثابتا، وشارك في نقاشنا بفعالية، وكان يبدي اهتماما ملحوظا ويقدم استجابات ملائمة. والجدير بالملاحظة أنه لم يلجأ إلى مستشاريه طلبا للعون، وبدلا من ذلك استحضر أسماءنا من أوراق الإحاطة التوجيهية. كما حافظ على اتصال قوي بالعين وحافظ على تركيز عالٍ طيلة الوقت، في تناقض واضح لسلوكه في المناظرة. على الرغم من حقيقة أنه عندما كان يدافع عن سياسته في غزة من خلال التقارير والحقائق الداعمة، فإنه ارتكب بالفعل بعض الأخطاء في تذكر أسماء محددة لزعماء الشرق الأوسط أثناء المحادثة.

أ ف ب
بايدن خلال مؤتمر صحفي في قمة "الناتو" لعام 2024 في واشنطن العاصمة،11 يوليو

في أعقاب المناظرة، قدم البيت الأبيض وبعض أنصار الرئيس بايدن تفسيرات مختلفة لأدائه الضعيف بهدف قمع الدعوات المتزايدة له بالانسحاب من الانتخابات المقبلة واستعادة ثقة الناخبين، خاصة في ضوء نتائج الاستطلاعات التي أجريت بعد المناظرة والتي أظهرت فوز ترمب في الولايات المتأرجحة الرئيسة بفارق متزايد.
وتباينت التفسيرات التي قدموها حول ضعف الصوت، والارتباك، والتلعثم في الكلام، وفقدان التركيز، والوجه الخالي من التعبيرات الذي رآه المشاهدون على شاشات التلفزيون، وتراوحت هذه التفسيرات بين اضطراب الرحلات الجوية الطويلة بسبب الرحلات الدولية الأخيرة، وأعراض نزلة البرد، والإرهاق من الاستعدادات للمناظرة، إلى قلة النوم.
وطالب ديمقراطيون بارزون آخرون، ونقاد، بل وحتى مشاهير بارزون في هوليوود، كلهم طالبوا الرئيس بايدن بالتنحي.

مثل أي فرد آخر، يواجه الرئيس جو بايدن تحديات صحية يمكن أن تؤثر في قدرته على القيام بواجباته كزعيم للولايات المتحدة

من الأهمية بمكان لأي شخصية عامة، أن تعطي الأولوية لصحتها وراحتها، لاسيما شخصية في موقع سلطة مثل رئيس الولايات المتحدة، تلك التي تعد أصعب وظيفة في العالم. إن الفحوصات الطبية المنتظمة ونمط الحياة الصحي والمجاهرة بشأن أي مشكلات صحية، كل هذه الأشياء تعتبر أمورا بالغة الأهمية للحفاظ على الكفاءة البدنية والعقلية في مثل هذه الأدوار المتطلبة والشاقة.
ومثل أي فرد آخر، يواجه الرئيس جو بايدن تحديات صحية يمكن أن تؤثر في قدرته على القيام بواجباته كزعيم للولايات المتحدة. وعلى مر السنين، كان الرئيس بايدن صريحا فيما يتعلق بتاريخه الطبي، من ضمنه معركته مع التأتأة عندما كان طفلا وتجاربه مع المشكلات المتعلقة بالقلب، إضافة إلى خضوعه لعملية جراحية في عام 1988 لإصلاح تمدد اثنين من الأوعية الدموية الدماغية.

رويترز
بايدن يغادر مؤتمرا صحفيا خلال قمة الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيس "الناتو" في واشنطن، 11 يوليو

في اللحظة الراهنة، يبلغ الرئيس بايدن 81 عاما، ما يجعله واحدا من أكبر الأشخاص سنا الذين تولوا منصب الرئيس في تاريخ الولايات المتحدة. وليس مستبعدا أن يواجه الأفراد في مثل عمره أوضاعا صحية مختلفة، من بينها مشكلات متعلقة بصحة القلب والأوعية الدموية، والوظيفة الإدراكية، والصحة البدنية العامة.
وبالنظر لسن الرئيس بايدن وتاريخه الطبي، قد يشكك البعض في قدرته على العمل بفعالية كرئيس وأهليته في الترشح لإعادة انتخابه في المستقبل. ومن المحتمل أن تؤثر المخاوف حول صحته على منصبه كمرشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة. 
وفي فبراير/شباط من هذا العام، قامت مجموعة مكونة من عشرين طبيب أعصاب، من بينهم الطبيب الشخصي للرئيس بايدن، الدكتور كيفين أوكونور، بإجراء فحص للرئيس لم تسفر نتائجه عن أي دليل على وجود حالات عصبية خطيرة مثل مرض باركنسون، أو السكتة الدماغية، أو التصلب المتعدد، أو التصلب الجانبي الضموري (ALS)، أو غيرها من الحالات التي يمكن أن تفسر أعراضا مثل التيبس، والتثاقل في المشي، والتلعثم في الكلام، وفقدان التركيز، وهفوات الذاكرة. واستنادا إلى هذا التقييم، أُعلن أنه مناسب لدوره كرئيس الدولة ورئيس الحكومة للولايات المتحدة الأميركية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة.

عندما تحين ساعة الحقيقة، فالأمر متروك للشعب الأميركي لتقييم الوضع الصحي للرئيس بايدن وتأثيره المحتمل على أدائه كرئيس وكمرشح في المستقبل

ومع ذلك، يرى عدد آخر من أطباء الأعصاب والخبراء الطبيين أن الرئيس بايدن يجب أن يخضع لفحص عصبي أكثر شمولا، يضم  اختبارات الفحص الإدراكي، لضمان استبعاد الحالات الأكثر خطورة مثل مرض باركنسون، أو أنواع معينة من الخرف، أو أمراض الدماغ التنكسية، أو أية مشاكل أخرى يمكن أن تؤثر على وظائفه الإدراكية وذاكرته وقدراته على اتخاذ القرار.
أحد التقييمات الإدراكية الأكثر استخداما هو "تقييم مونتريال الإدراكي" (MoCA)، الذي يقيم القدرة على تحديد الموقع النسبي للأشياء أو الأشخاص وسلامة الذاكرة والانتباه والقدرة على تسمية الأشياء واتباع الأوامر الشفهية والمكتوبة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن إجراء اختبارات إدراكية مفصلة بشكل أكبر لاختبار الوظائف التنفيذية المطلوبة في منصب صعب مثل منصب الرئيس. حيث يخضع الطيارون والرؤساء التنفيذيون للشركات الكبرى لمثل هذه الاختبارات الإدراكية قبل التوظيف.
عندما تحين ساعة الحقيقة، فالأمر متروك للشعب الأميركي لتقييم الوضع الصحي للرئيس بايدن وتأثيره المحتمل على أدائه كرئيس وكمرشح في المستقبل. وكما هو الحال مع أي زعيم، ينبغي تحقيق التوازن بين احترام خصوصية هذا الزعيم والشفافية حول حالته الصحية من أجل تعزيز ثقة وإيمان عامة الشعب في قيادته.
في حديث والدي عن المناظرة، أعرب عن خيبة أمله من أداء رئيس الولايات المتحدة، مشيرا إلى نسيانه وضعفه الملحوظ ومظهره الهش، معلقا أن "بوتين لا بد أن يكون في غاية السعادة".
شعر والداي بالفزع من غياب أي نقاش حول سوريا خلال المناظرة. كما أعربوا عن قلقهم حول تنافس كلا المرشحين في إظهار الدعم الثابت لإسرائيل، وفي الوقت نفسه عدم إظهار التعاطف مع معاناة الأطفال الفلسطينيين في غزة، الذين يتعرضون للتشويه والذبح بشكل مأساوي بواسطة قنابل أميركية الصنع. وأنا أشاركهما هذه المشاعر بكل صدق وأمانة.

font change

مقالات ذات صلة