من أين يجب البدء بالحديث عن أزمة لبنان؟ فلبنان أصبح أزمته، أي أنه ما عاد ممكنا الحديث عنه بمعزل عن أزمته... ابتلعته أزمته، بتاريخه وحاضره وحتى بمستقبله الذي تحدده أزمته، وأي مستقبل يمكن أن يخرج من رحم الأزمة؟ فالأرجح أنه مستقبل يشبه الأزمة نفسها ويشكل امتدادا لها، ولذلك فإن التفاؤل في الموضوع اللبناني هو تفاؤل سلبي لأنه يخالف الواقع ويغرق في الأوهام، وهو تفاؤل لا يؤدي وظيفة سياسية بل على العكس تماما فهو يضيّق أفق السياسة وإمكاناتها ما دامت السياسة تقوم أولا على الاصطدام العاري بالوقائع والبحث عن الأدوات الأنسب للتعامل معها. لا بل إن أي تفاؤل في الوضع اللبناني الآن هو تطبيع مع الوضع القائم، أي تطبيع مع منظومة المصالح الاقتصادية والسياسية المافياوية التي كانت تقول إن البلد بألف خير، فإذا به يتحول إلى مأساة والتي تقول الآن إن البلد سيكون بألف خير، أي على صورة مصالحها أولا وآخرا.
المعادلة الصعبة
غير أن قضية لبنان لا تعني اللبنانيين وحدهم، وإن كانت قضيتهم الأولى، لكنهم الآن آخر المعنيين بها بالمعنى الجيوسياسي إذا ما نظر إلى لبنان من زاوية الخريطة الكبرى للمنطقة. ولذلك فإن لبنان، الدولة الفاشلة والمنهارة اقتصاديا واجتماعيا، هو سؤال خارجي أكثر مما هو سؤال داخلي، أي إن أي أهمية يمكن أن يستحوذ عليها لبنان عربيا ودوليا متأتية من الخطر الذي يمكن أن يشكله انهياره التام على المنطقة في لحظة إعادة هندستها الصعبة والمعقدة. بالتالي فإن أهمية لبنان للخارج تكبر كلما ساءت أوضاعه، وهذه معادلة سلبية بالنسبة للبنانيين لكنها المعادلة الوحيدة، والتي يفترض أن تثير حساسية سياسية، لكن أي سياسة مع طبقة سياسية فاسدة وغارقة في حساباتها التي لا تتعدى أحيانا الحديقة الخارجية للمنزل العائلي في حسابات التوريث والمنافع الاقتصادية. هؤلاء السياسيون والقيادات الأمنية والموظفون الكبار في الدولة الذين يعيشون فوق الشعب، يحتفلون بزفاف أولادهم بأقصى ما يمكنهم من البذخ، بينما يتماهى فقراء كل طائفة مع أغنيائها بدل أن يحفزهم التفاوت الاقتصادي المريع على الانقلاب ضدهم، والتقاطع مع فقراء الطوائف الأخرى، مع ضرورة إعادة تعريف مصطلح الفقر في لبنان لأنه بتعريفه الحالي يتجاهل الحقوق الأساسية للمواطنين على الدولة ويكتفي بقياس المدخول اليومي او الشهري وعدد الأرغفة في سلة الخبز المنزلية بينما الفقر الحقيقي هو أن يكون المواطن عاريا من أي ضمانة في حقوقه البديهية.