تيار التمرد هذا على التقليد، أي على عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، كانت أصداؤه قد وصلت إلى بيروت وعواصم عربية أخرى، وخصوصا القاهرة والإسكندرية الكوزموبوليتين ما قبل الزمن الناصري (1952)، من أوروبا ومن الثقافة الفرنسية خصوصا. وهو تمرد على آداب وفنون وأفكار القرن التاسع عشر في الثقافة الفرنسية، وعلى نظرته الفنية والجمالية "الاستشراقية" والتزيينية "الإكزوتيكية إلى الطبيعة في الشرق ولبنان، وإلى الحضارات القديمة وآثارها و"أساطيرها" في فينيقيا وسوريا، ومنها أشعار لامارتين، و"الجبل الملهم"، أي جبل لبنان، في كتابات شارل قرم، وفي أشعار سعيد عقل لاحقا.
وهذا ما تمرد عليه "الفرسان الأربعة" متأثرين بالأفكار والأشعار السوريالية التي سرعان ما شهدت تحولات وسجالات بين أقطابها بتأثير تيار اللاوعي حسب الاكتشافات الفرويدية وتيار الفكر الماركسي اللذين هزّا الثقافة الأوروبية الحديثة. وذلك تحت عنوان رفض الثقافة البورجوازية ونظامها الاجتماعي، قيمها وأحكامها وذائقتها الفنية، باستدخال الأحلام والخيال لتحطيم السلطات الاجتماعية والثقافية التقليدية، ورفض الحرب. وقد تنامى هذا التمرد بقوة في الثقافة الأوروبية في زمن ما بين الحربين العالميتين، وما بعد الثانية منهما في الخمسينات. وفي ذاك الإطار حصل تقارب بين المذهب السوريالي وأعلامه في الشعر الفرنسي (لويس أراغون، بول إيلوار، وأندره بروتون) والحزب الشيوعي الفرنسي.
كان أنطون تابت يتابع دراسة الهندسة المعمارية بباريس في ذلك الوقت. وعاد منها إلى بيروت لممارسة مهنته فيها ابتداء من سنة 1928، مطلعا عن كثب على تلك التيارات الثقافية والفنية ومتأثرا بها بقوة، إلى جانب أصدقائه الثلاثة الذين كان جورج شحادة رائدهم في الكتابة الشعرية باللغة الفرنسية، وأوكل إلى صديقه تابت، حينما كان في باريس، البحث عن دار نشر فرنسية لإصدار مجموعته الشعرية الأولى لديها. وفي بيروت السنة الأخيرة من العشرينات، كان "فرسان" التمرد الثقافي الفرنكوفوني "يمارسون الكتابة التلقائية على الطريقة السوريالية". وكلف جورج نقاش، رئيس تحرير صحيفة "الأوريان" الفرنسية البيروتية، المهندس أنطون تابت تحرير صفحة أدبية في الصحيفة، فدعا جورج شحادة وأصدقاءه الآخرين إلى مشاركته في هذا العمل الجديد.
صورة تجمع "الفرسان" في منطقة المنارة بيروت في أواخر العشرينات من القرن الماضي
لم يصدر سوى عدد واحد من "الأوريان الأدبي"، تصدرته مقالة عن الفن المعماري كتبها أنطون تابت، وأشار فيها إلى "ثورة الحجر ضد الزخرفات التي تنتقص من قوته وتماسكه"، داعيا إلى "العودة إلى حقيقة المادة"، وإلى وضع تصاميم لـ"البيوت الحديثة البيضاء التي يدخلها النور من الجهات كلها، فيلتذ المرء بممارسة الجنس فيها". ويبدو أن هذا، إلى جانب سواه من الكتابات التلقائية السوريالية، أدى إلى تلقي الصحيفة سيلا من الاحتجاجات على ما اعتُبر "كلاما فارغا يجافي الذوق السليم".
أنطون تابت شيوعيا
يرى جاد تابت أن انهيار اقتصاد الحرير في لبنان الثلاثينات، حمل سلطات الانتداب الفرنسي والنخبة اللبنانية على إيجاد بديل من ذاك الاقتصاد المنهار، فابتُكر شعار "لبنان سويسرا" الشرق للسياحة والاصطياف. وهذا ما يسمى في الأدبيات الاقتصادية والسياسية اليسارية اللبنانية "اقتصاد الخدمات وتجارة الترانزيت" في خدمة مصالح "الطبقة البورجوازية المركنتيلية".
وكانت الثلاثينات والأربعينات وصولا إلى الخمسينات، حقبة يمتزج فيها التمرد الثقافي والفني الجديد على التيارات التقليدية والمحافظة، بالتمرد السياسي اليساري الماركسي. وفيما كان أنطون تابت يضع التصاميم المعمارية لفندق "السان جورج" البيروتي - درّة "اقتصاد السياحة والخدمات" في العاصمة اللبنانية، إلى جانب وضعه تصاميم فندق "أوريان بالاس" في دمشق – وكذلك لأول معمل بيرة في لبنان، وللمبنى الجديد لمدرسة الحكمة، كان يقترب في ميوله السياسية إلى الحزب الشيوعي اللبناني - السوري الذي انتمى إليه رسميا سنة 1938.
وبسبب ميله وانتمائه هذين شهدت علاقته بأصدقائه من قدامى "الفرسان" فتورا، خصوصا بالشاعر جورج شحادة، الذي لم يفهم تحوّله من التمرد الثقافي إلى النضال السياسي الحزبي الشيوعي الذي انغمس فيه طولا وعرضا، وأسس سنة 1941 مجلة "الطريق" الشيوعية المذهب الفكري.
وكرس جاد تابت الفصول الأساسية من كتاب سيرة والده، لاقتفاء بحثه عن "عمارة ذات بعد اجتماعي" تتلاءم مع مذهبه السياسي الحزبي، فيما كان يصنع تصاميم معمارية تكرّس مقولة لبنان اقتصاد السياحة والخدمات. لذا يلاحظ تابت الإبن أن والده "لم تتسن له أية فرصة لإعداد مشاريع سكنية ذات طابع اجتماعي (...) كما كانت الحال في (...) أوروبا ذلك الوقت، باستثناء تجربته الوحيدة في المجمع السكني الصغير المخصص لموظفي شركة النفط العراقية في حيفا". لكن المعروف أن تلك الشركة كانت صنيعة مصالح أمبراطورية بريطانيا العظمى الاستعمارية والرأسمالية، حسب النظرة اليسارية. وهذا ما لا يغيب عن كاتب سيرة والده، فيكتب: "لم تغب هذه المفارقة عن ذهن المهندس الشاب الذي انخرط في النضال السياسي، مؤكدا المسؤولية الاجتماعية للثقافة الملتزمة". ويبدو أن شعار "الثقافة الملتزمة" الذي صاغه المذهب الماركسي، وبرز بقوة في العهد الستاليني، لا تزال دلالاته حيّة على حالها في فهم جاد تابت لمعنى الثقافة والالتزام الذي فقد تماما صلته بعالم اليوم.
قد يكون مفهوما انتماء أنطون تابت إلى المذهب الماركسي الشيوعي في غمرة تمرده الثقافي وفي خضم الحرب العالمية الثانية و"النضال العالمي ضد الفاشية"، وبعدها في بدايات "الحرب الباردة". ذلك أنه نضال كان ينطوي على تمرُّد يستقي مصادره من تيارات ثقافية وفنية عالمية كثيرة المصادر وتتمازج روافدها. لكن ما يصعب فهمه أن تُستعاد اليوم سيرة ذاك "النضال"، كما لو أن زمن العالم لا يزال على حاله منذ الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.
والحق أن جاد تابت اجتهد ليكتب سيرة "رسمية" أمينة، بل مطابقة تماما لنظرة والده إلى ذاته وإلى العالم، بعد مضي 60 سنة على رحيله سنة 1964. لكن ما كتبه - سوى الفصول الأولى من اقتفائه أثر سيرة عائلته القديمة في خرائب بحمدون - قد يكون أقرب إلى رسم إطار ثقافي وسياسي رسمي لسيرة والده التي لم يكتب منها سوى شذرات قليلة تتعلق بأسفاره وأفكاره وعمله المهني.