على مدى أكثر من ساعتين، كان كثير من الأميركيين ينصتون قبل أيام باهتمام شديد لما يُعرف بالحجج الشفوية التي قدمها الممثلون القانونيون لولاية كولورادو في دعواهم أمام المحكمة العليا في واشنطن، دفاعا عن قرار الولاية منع وضع اسم الرئيس السابق دونالد ترمب على أوراق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
نقل كثير من وسائل الإعلام الأميركية هذه الحجج عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة التي لا تسمح بالتصوير عبر الفيديو، وعادة لا يُجري أعضاؤها مقابلات مع الإعلام.
لم تكن الحجج التي قدمتها الولاية الواقعة في الغرب الأميركي وذات الميل الديمقراطي في العقدين الأخيرين مهمة بذاتها، إذ إنها معروفة على نحو واسع وعلى مدى أشهر: لأن الرئيس ترمب متهم رسميا بالعصيان، وهي تهمة فيدرالية خطيرة ينتظر المحاكمة عليها، وذلك بسبب أحداث السادس من يناير/كانون الثاني 2020 عندما حاول جمهور مؤيد لترمب، بتحريض منه، مهاجمة مبنى الكونغرس لمنع عدّ أصوات المجمع الانتخابي وإعلان جو بايدن الفائز الرسمي في السباق الانتخابي الرئاسي. رغم أن إجراء هذا العدّ روتيني في العادة، ولا تلاحظه أو تهتم به الأغلبية الساحقة من الأميركيين، فإنه ضروري دستوريا لتحديد الرئيس المقبل للولايات المتحدة.
تستند ولاية كولورادو في دعواها ضد ترشيح ترمب على الفقرة الثالثة من التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي الذي مُرّر في عام 1868، بعد ثلاث سنوات من انتهاء الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب (1861-1865). كان غرض هذه الفقرة تحديدا منع تولي المسؤولين في الولايات الجنوبية التي انفصلت عن الدولة الاتحادية، وأعلنت نفسها دولة مستقلة، ما قاد إلى اشتعال الحرب الأهلية التي انتهت بانتصار الولايات الشمالية وإعادة توحيد أميركا، فتم منعهم من تولى مناصب في الدولة الموحدة. اتُهم هؤلاء بالعصيان لأنهم كانوا في السابق، قبل الانفصال، قد أقسموا على الولاء لدستور الولايات المتحدة ثم حنثوا بهذا القسم عندما دعموا انفصال الجنوب وتولوا مناصب في دولته التي عاشت أربع سنوات. بحسب هذه الفقرة في التعديل، يحق للكونغرس، بتصويت ثلثي أعضائه، رفع هذا المنع عن المشمولين به.
تكمن أهمية جلسة الاستماع هذه لحجج ولاية كولورادو في استكشاف المسارات السياسية التي تنتظر البلد على أساس القرار المقبل للمحكمة الذي ستصدره المحكمة بخصوص قبول هذه الحجج أو رفضها. ما كان لافتا في هذه الجلسة الاستثنائية، بأهميتها السياسية والقضائية، هو التردد الذي برز واضحا من خلال أسئلة ومداخلات قضاة المحكمة التسعة من احتمالات أن يؤدي قرار المحكمة لمنح أفضلية سياسية لمرشح رئاسي (بايدن) على آخر (ترمب) إذا أصدروا حكما لصالح كولورادو.
بغض النظر عن قوة أو ضعف الجانب القانوني في الحجج التي قدمتها الولاية، سيقود قرار إيجابي من المحكمة لصالح الولاية عمليا إلى خسارة ترمب لانتخابات نوفمبر المقبل. لن تكون هذه الخسارة بسبب فقدانه المحتمل لأصوات ولاية كولورادو التي لن تصوت له على أية حال، بل لأن ولايات أخرى ستسارع لفعل الشيء نفسه، اعتمادا على السابقة القانونية التي حصلت عليها ولاية كولورادو من المحكمة. من خلال كلمات القضاة، كان واضحا أنهم حذرون جدا من إمكانية أن يؤدي قرارهم الإيجابي المحتمل إلى منع التنافس الانتخابي وحرمان ناخبين كثيرين مؤيدين لترمب من حقهم في التعبير عن آرائهم عبر صناديق الاقتراع. الخلاصة غير المعلنة هي أنه إذا كان مصير ترمب أن لا يصبح الرئيس المقبل لأميركا، فإن هذا ينبغي أن يحصل عبر نتيجة التنافس الانتخابي في نوفمبر المقبل وليس بسبب قرار المحكمة.
في حقيقة الأمر، سيقود أي حرمان لترمب من التنافس الانتخابي من خلال قرار المحكمة إلى تعميق الاستقطاب السياسي في البلد عبر ترسيخ وجهة النظر التي يروج لها ترمب كثيرا ويؤمن بها الكثير من جمهوره بأن المؤسسات تتآمر ضده. مع ذلك، قد يحظى حرمانه بسبب قرار للمحكمة بإعادة توحيد الحزب في ظل القيم المحافظة التقليدية للحزب، وليس قيم اليمين المتشدد التي بنى حولها ترمب سجله السياسي.
وإذا دعمت المحكمة قرار ولاية كولورادو باستبعاد ترمب من أوراق الاقتراع، وتبعتها ولايات أخرى في مساع شبيهة، فهذا سيعني على الأكثر فوز نيكي هيلي، المرشحة الوحيدة المتبقية لمنافسة ترمب على نيل ترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية، وبالتالي تمثيلها الحزب في الانتخابات الرئاسية ضد بايدن. ستحوز مثل هذه الحصيلة رضا أعداد كبيرة من مؤيدي الحزب الجمهوري الذين يُطلق عليهم تسمية "المعتدلين" الذين لا ينتمون لقوى اليمين المسيحي أو من يُعرَفون بالقوميين البيض من المؤيدين لترمب.