من أفظع نتائج الحروب، جعلها الضحايا مجرد أرقام. يتجاوز عدد الذين سقطوا في الحرب على غزة 26 ألف إنسان. يقرأ المشاهد الرقم على شاشة التلفاز أو الهاتف. أقصى درجة منتظرة من التفاعل هي أن يهز رأسه أسفا، ثم يتابع شؤون يومه.
يتعين التوقف طويلا هنا. ويتعين أكثر إعادة الاعتبار إلى هذه الأرقام التي تومض على الشاشات. هل هؤلاء من البشر الذين قيل يوما إنهم محور الحياة على هذا الكوكب وأنهم هم من يضفي المعنى على العالم الذي سينقلب أدغالا يسودها التوحش إذا لم تُحترم قيمة الإنسان كفرد وكعضو في الأسرة الإنسانية الكونية؟
وليس من "الإنساني" أو الطبيعي في شيء المرور بلامبالاة أمام أعداد الضحايا المدنيين الذين يقتلون ويدفنون إما تحت أنقاض منازلهم وإما تحمل جثامينهم إلى مستشفيات معرضة للقصف والقنص. مع ذلك، يرى العالم كل ذلك ويصمت بل يرفض وقف القتل الجماعي لمدنيي غزة بذريعة أن وقف إطلاق النار سيكون بمثابة المكافأة لإرهاب حركة "حماس" وهجومها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
يتأسف الإسرائيليون والأميركيون والأوروبيون على قتل المدنيين الفلسطينيين لكنهم "يتفهمون" المبررات والضرورات العسكرية والميدانية ويدعون الفلسطينيين والعرب إلى قبول حقيقة أن لا خلاص من الإرهاب من دون هذه الأعداد الهائلة من "الخسائر الجانبية".
الأمثلة التي يستهلكها الناطقون باسم "حماس" مثل فيتنام والجزائر، تختلف ظروفها جذريا عما يجري في غزة وعن كامل السياق الفلسطيني
لكن إذا أردنا التمسك بقيمة الحياة البشرية، ينبغي التوجه بالسؤال أيضا إلى من تبرع بحمل القضية الفلسطينية وبزج الفلسطينيين في جحيم الحرب الحالية. مفهوم المسؤولية عن سلامة المدنيين الذي تكرر "حماس" تهربها منه، ليس محصورا في الإسرائيليين. ولا تملك الحركة تفويضا مطلقا بالتصرف في حياة الفلسطينيين كما تشاء. ولم ترمش عينا أي مسؤول في "حماس" عندما طرحت الأسئلة في المقابلات معهم عن العدد الضخم من القتلى في قطاع غزة. كلهم نأى بحركته المسلحة عن حماية المدنيين وألقاها إما على الأمم المتحدة وإما على إسرائيل، داعيا إلى أخذ العبر من صراعات سقط فيها الملايين من البشر في سبيل الاستقلال أو الحرية.
هذا كلام لا معنى له. فالأمثلة التي يستهلكها الناطقون باسم "حماس" مثل فيتنام والجزائر، تختلف ظروفها جذريا عما يجري في غزة وعن كامل السياق الفلسطيني. كان للفيتناميين والجزائريين هدف واضح هو طرد القوات الأجنبية وإلحاق الهزيمة بحلفائها المحليين. وكانت خطوط الانقسام الأهلي بين الفيتناميين الشماليين والجنوبيين واضحة. كذلك كان الأمر بين "جبهة التحرير الوطني" و"الحركيين" الموالين للاحتلال الفرنسي في الجزائر.
ليست الصورة كذلك في فلسطين. فالانقسام بين السلطة ومنظمة التحرير من جهة، وبين "حماس" و"الجهاد الاسلامي" من جهة ثانية لا يصل إلى حد الانضواء الكامل لأي منهما في معسكر الاحتلال. لكنه يكفي ويزيد لإصابة كل محاولة لبناء مشروع وطني بالشلل الكلي. لا ينبغي التقليل من الضرر الذي ألحقه الصراع بين "فتح" و"حماس" على مسار القضية الفلسطينية المستمر منذ نحو ثلاثة عقود. بل يجدر الاعتراف الصريح بأنه أحد أسباب العجز عن إحراز أي تقدم يذكر، سواء في مجال "العملية السلمية" سيئة الحظ أو في انتخاب شكل آخر من أشكال العمل السياسي لاستعادة الحقوق الفلسطينية.
هل تدمير مجتمع غزة ومؤسساته وجامعته ومدارسه ومستشفياته سيعود على أهالي القتلى بفائدة ما ولو في المستقبل البعيد؟
وإذا كان لوم العدو على وحشيته واحتقاره إنسانية المدنيين الفلسطينيين هو من باب تحصيل الحاصل، فإن مساءلة من قرر تفجير الموقف على هذا النطاق الضخم وجلب الجنون الإسرائيليي على أهالي قطاع غزة، ليست من الترف في شيء. إذ ينبغي أن تتضح أيضا القيمة التي يحتلها الإنسان الفلسطيني في سلم اهتمامات الفصائل المسلحة ومعنى حياته أو موته وتشرده وذله ومرضه والمسؤولية التي تتنصل منها الآن القوى الممسكة بالساحة منذ نحو عقدين من الزمن.
ومن بين الأسئلة التي تبرز من تحت كفن كل ضحية فلسطينية: هل ستكون نتيجة الحرب الحالية مبررة للقتل؟ وهل تدمير مجتمع غزة ومؤسساته وجامعته ومدارسه ومستشفياته سيعود على أهالي القتلى بفائدة ما ولو في المستقبل البعيد؟ هل يمكن بقاء السياسة والحرب في فلسطين عمل أناس يرفضون أن يتحملوا ما تجلبه أيديهم من موت ودمار يحقق جيش الاحتلال السعيد بمحو كل معالم الاجتماع البشري في غزة؟
في النهاية، يبدو مشهد دمار مدن قطاع غزة سؤالا صارخا عن المضمون الأخلاقي للحسابات السياسية وإلى أي من الأخلاق أو السياسة ينبغي أن يحتكم القرار. المأساة أن ما يجري فقير إلى الأخلاق والسياسة.