أخطار أمنية وديموغرافية
يستوجب ترحيل اللاجئ السوري أن يشكّل خطرا أمنيّا على لبنان.
في هذا الجانب، يقول الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين: "هناك نحو 9000 موقوف ومحكوم في السجون اللبنانية، 40 في المئة منهم سوريون"، مضيفا "بحسب تقرير المديرية العامة للأمن العام من 15 يونيو/حزيران إلى 15 يوليو/تموز 2023، أوقف 532 متهما بالجرائم، من بينهم 291 سوريا. وفي تقرير موازٍ لأمن الدولة، أوقف 161 متّهما، من بينهم 55 لبنانيا فقط و106 سوريين".

يفترض شمس الدين أنّ شبكات تشغيل السوريين يكون فيها اللبناني هو الرأس والأداة هو السوري، بسبب وضعه الاجتماعي الهش. ويقيّم الباحث المخاوف الديموغرافية كالآتي: يبلغ معدل زيادة اللبنانيين 1%، والسوريين 3% ويوجد في لبنان اليوم 4 ملايين و200 ألف لبناني ومليون و600 ألف سوري. وإن استمرّت هذه الوتيرة، نصل إلى 7 ملايين و116 ألف لبناني، في مقابل 7 ملايين و118 ألف سوري بعد 53 سنة. ولا شكّ في أنّ التهديد الديموغرافي يطال المكوّن المسيحي الذي يشكّل بحسب الباحث 28% من اللبنانيين المقيمين، وذلك استنادا إلى دراسة القوائم الانتخابية لعام 2022.
ويشير رئيس مركز السكان والتنمية الدكتور علي فاعور إلى انكماش متسارع في الولادات المسيحية، فقضاء جزّين يسجّل متوسط حجم الأسرة الأقل لبنانيا (3.3)، وتبلغ النسبة في البترون وكسروان وراشيا (3.4)، والمتن (3.5).
لا يعزل فاعور الحالة المسيحية عن تراجع عام للسكان اللبنانيين. ويبرز مقارنات بين عامي 2018 و2022، حيث لحظ تراجعا كبيرا في الولادات (%38-)، مقابل زيادة الوفيات (%6.2+)، عازيا التغيرات إلى "الحد الطوعي للنسل" جراء الأزمة الاقتصادية، وتراجع معاملات الزواج ( (%24.6- وتزايد الطلاق إلى مستوى ( (%26.5+ في 2022، وهجرة الكفاءات اللبنانية وفي عدادها 260 ألفا غادروا البلاد خلال المدّة المذكورة.
عودة السوريين
هل يرغب اللاجئون السوريون بالعودة إلى بلادهم، ما قد يكسر المخاوف الديموغرافية؟
"ليس على المدى القريب"، يجيب فاعور. ويستشهد بالجولة الثامنة لـ "استطلاع الآراء والنوايا لدى اللاجئين السوريين" الذي أصدرته المفوضية في يونيو/حزيران 2023 ويغطي لبنان والأردن والعراق ومصر. وتستوقف نسبة اللاجئين السوريين في لبنان "الرافضين للعودة خلال 12 شهرا"، وتبلغ %91، فيما ترتفع نسبة "الراغبين بالعودة خلال 5 سنوات" لتبلغ %27. كما تشير النتائج العامة إلى رغبة %56 من اللاجئين السوريين بالعودة، مقابل %32.2 لا يرغبون في ذلك إطلاقا، مع رغبة %26 من هؤلاء بالتوطين في بلد ثالث.
يضيف فاعور أنّ "نقص فرص العمل" يتقدّم الأسباب التي تدفع السوريين الى عدم العودة، فيما حلّ "الوضع الأمني" في المرتبة الثانية، وفي المرتبة الثالثة "نقص الخدمات الأساسية وانعدام البنية التحتية".
أطفال سوريون يلعبون كرة القدم أمام خيامهم في مخيم للاجئين في بلدة بر الياس في سوريا وادي البقاع، لبنان، 7 يوليو/تموز 2022.ابتزاز سوري- لبناني
تحمّل المحامية ديالا شحادة النظام السوري المسؤولية الأولى لإعاقة عودة اللاجئين. وتقول إنه في ظلّ مقاطعة المجتمع الدولي، باستثناء الاغاثة الإنسانية لسوريا جراء الزلزال المزدوج في شباط/فبراير 2023، لا يمتلك النظام السوري إلا ورقة اللاجئين. ففيما يطالب المجتمع الدولي سوريا بوقف الانتهاكات الإنسانية، وإعلان مصير المفقودين، والإفراج عن المعتقلين السياسيين وخصوصا النساء، لم يعلن النظام قبوله بهذه الاجراءات.
وتتابع أنّ النظام وضع معوقات شتى لعودة اللاجئين، منها المرسوم الرئاسي 2018/10، الذي يهدّد ملكياتهم العقارية. ويفرض 100 دولار على كل سوري يدخل حدود البلاد، ويتقاضى قيمتها على سعر الصرف الرسمي، كما فرض رسوما خيالية للاعفاء من التجنيد بقيمة نحو 4000 دولار. ولذلك موقف النظام السوري واضح المؤشرات برفضه عودة اللاجئين.
على المقلب الثاني، لبنان "دولة فاشلة" وفاسدة في منظور المجتمع الدولي. هذا ما تشدّد عليه شحادة، مذكّرة بأنّ المانحين قرّروا منذ 2017 الاعتماد أكثر على منظمات المجتمع المدني لإغاثة اللاجئين السوريين. حينها، أوعز المصرف المركزي بعدم فتح حسابات مصرفيّة لجمعيات وشركات مدنية إن اتضح أنّها تنشط لإغاثة السوريين، إلا في حال جمّدت المنظمة مبالغ مرقومة تصل إلى مليون دولار، وذلك تحت مسمى "مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال".
وترتفع النبرة الحكومية ضد اللاجئين في الموجة الجديدة باعتبارهم "لاجئين اقتصاديين"، للإشارة الى أنهم يريدون العمل والحصول على المساعدات الأممية، ويدخل أغبلهم لبنان من معابر غير شرعية وحدود برية غير مضبوطة شمالا وشرقا بتسهيل من المهرّبين. في حين يرى الحقوقيون أن الظروف الأمنية والاقتصادية غير المستقرة في سوريا ونشوب نزاعات مستجدة في مناطق محسوبة على النظام هي مسوغات هذا اللجوء.
تستنتج شحادة أنّ إفلاس المنظومة السياسية اللبنانيّة بكامل تناقضاتها، اقتادها إلى استنزاف الملف السوري مجدّدا، بينما الأجدر ضبط لبنان حدوده والمعابر غير النظامية، وهي ممسوكة من مخابرات الجيش اللبناني ومجموعات محمية من "حزب الله" أو الجيش السوري النظامي.
تميّز شحادة بين شبحية "التوطين" الحائمة منذ الحرب الأهلية، والأصول القانونية لهذه المسألة، والتي يحجبها الخطاب السياسي المُضلّل. فمَن يمنح الجنسية اللبنانية هو أولا رئيس الجمهورية، وقام بذلك مسبقا، و"إن تكلمنا بالمنطق الطائفي السائد، فإن ممثّل المسيحيين في السلطة هو مَن يتّخذ إجراء التجنيس".
أمّا الطرف الثاني فهو مجلس النواب، الذي يمثل أكثرية الأحزاب الحاكمة.
في حالة ثالثة، يصدر حكم قضائي لأشخاص لم يُسجلوا في المسح السكاني. ويجب تمييزهم عن "مكتومي القيد" من عشائر عربية تعيش في عكّار منذ عقود، وتحتفظ بأوراق رسمية قديمة، وجُنّست عام 1994.
وعليه، تؤكّد شحادة أنّ الكلام عن توطين السوريين تهويل، فلا يوَطّن من له جنسية، ولا يوطّن من له جنسية لم يسع للاستحصال عليها. ولا يوَطّن أحد إلا بتوافق أكثرية الأحزاب السياسية وترجمة الاتفاق بقانون صادر عن البرلمان أو بمرسوم جمهوري.